جنوب السودان وإسرائيل.. قراءة في مستقبل العلاقة على ضوء تكريم بن عوزيل..!
جنوب السودان وإسرائيل.. قراءة في مستقبل العلاقة على ضوء تكريم بن عوزيل..!
مقدمة
أعاد تكريم رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت، في 25 يونيو 2026، للضابط الإسرائيلي السابق ديفيد أوري بن عوزيل، الجدل حول طبيعة العلاقات التاريخية بين إسرائيل والحركة الشعبية الحاكمة في جنوب السودان؛ فقد منح كير بن عوزيل رتبة جنرال فخرية أحد أعلى الأوسمة العسكرية في الدولة، تقديراً لدوره في دعم حركة “أنيانيا” المتمردة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين انضم إلى مقاتلي حركة أنيانيا. وقد لعب بن عوزيل دوراً محورياً في توفير التدريب العسكري والإمدادات الأساسية من أدوية وأزياء عسكرية ومعدات اتصالات ودعم لوجستي للمتمردين، ما يسلط الضوء على طبيعة العلاقات بين إسرائيل وقيادات الحركة الشعبية.
ويحمل هذا التكريم دلالات سياسية تتجاوز البعد الرمزي، إذ يعكس اعترافاً رسمياً بالدور الذي لعبته إسرائيل في دعم الحركة الجنوبية عسكرياً ولوجستياً، وصولاً إلى انفصال جنوب السودان عن الوطن الأم عام 2011، كما يسلط الضوء على مستقبل العلاقات بين البلدين في ظل التحولات الإقليمية الراهنة.
تكريم بن عوزيل.. الخلفيات والتداعيات
يُعد تكريم بن عوزيل مؤشراً على عمق العلاقة التي نشأت بين إسرائيل والحركات المسلحة في جنوب السودان منذ عقود. فقد شارك، بصفته أحد عناصر الموساد، في تدريب المقاتلين وتوفير الإمدادات العسكرية واللوجستية، وأسهم في بناء القدرات التنظيمية للحركة.
ويرى عدد من الباحثين أن هذا التكريم يمثل إعادة إحياء لذاكرة التعاون الأمني بين الطرفين، ويؤكد استمرار العلاقات الإستراتيجية التي تأسست قبل انفصال جنوب السودان، بينما يعتبره آخرون جزءاً من قراءة أوسع لتطور السياسة الإسرائيلية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
يقدم كتاب بن عوزيل كتاب “A Mossad Agent in Southern Sudan: 1969–1971 وثيقة استثنائية من أدبيات المذكرات العملياتية، وهو كتاب صدر بالإنجليزية عام 2017 عن دار “Teva-Hadvarim” في هرتسليا (223 صفحة)، بعد صدوره بالعبرية بعنوان “في مهمة للموساد في جنوب السودان”، و بن عوزيل من مواليد حيفا 1935، وخدم في “الوحدة 101” بقيادة أرئيل شارون، ثم عمل مستشاراً عسكرياً للجيش الإثيوبي قبل أن يلتحق بالموساد عام 1969 بدعوة من رئيسه تسفي زامير، وأوكلت إليه قيادة بعثة استطلاعية صغيرة إلى جنوب السودان، مستغلاً خبرته الميدانية الأفريقية.
والكتاب هجين بين يوميات عملياتية ومذكرات شخصية، يصف الظروف القاسية من جوع وعطش وصعوبة تنقل. ويكشف تفاصيل الدعم لحركة أنيانيا خلال الحرب الأهلية الأولى، شملت: تأسيس جيش من الصفر (وبكلمات قائد التمرد جوزيف لاغو: “لقد أقمتَ جيشاً من لا شيء”)، إنشاء مدرج طائرات بدائي لتلقي الإمدادات من كينيا، المشاركة في تفجير جسور وقوارب ونصب كمائن، وتقديم الدعم المعنوي والسياسي. يصف بن عوزيل ذلك بأنه “حرب شرعية” لتصحيح ظلامات تاريخية، ويُرفق السرد بملاحق وثائقية تمنح الكتاب قيمة أرشيفية فريدة.
يُعد كتاب بن عوزيل شهادة مباشرة على طبيعة النشاط الإسرائيلي في جنوب السودان خلال الحرب الأهلية الأولى، حيث عرض تفاصيل مهمته ضمن الموساد، متناولاً عمليات التدريب العسكري، وإنشاء ممرات للإمداد، وتقديم الأسلحة والمعدات الطبية ووسائل الاتصال، فضلاً عن تنفيذ عمليات ميدانية استهدفت إضعاف القوات الحكومية السودانية آنذاك في السودان المتحد.
وتبرز أهمية الكتاب في كونه يقدم رواية من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ويفضح العلاقات الإسرائيلية مع الحركات الجنوبية بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي في إطار سياسة إسرائيل الهادفة إلى توسيع نفوذها في إفريقيا وبناء تحالفات مع أطراف غير عربية، ومن ثم تطورت العلاقة عبر مراحل متعددة شملت التدريب والتسليح والدعم اللوجستي، قبل أن تبلغ ذروتها مع إعلان استقلال جنوب السودان عام 2011، حين كانت إسرائيل من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة الجديدة، ثم توسع التعاون ليشمل المجالات الأمنية والاقتصادية والزراعية.
يُبرز تكريم بن عوزيل دور الكيان الصهيوني في دعم التيار الانفصالي داخل الحركة الشعبية وصولاً إلى انفصال جنوب السودان، ضمن مشروع إضعاف السودان وتفكيكه إلى كيانات أصغر، وهو ذات المشروع الذي يتكرر اليوم عبر الدعم الذي تتلقاه مليشيا الدعم من أطراف خارجية، وفي مقدمتها الإمارات وإسرائيل، لفرض واقع سياسي وعسكري يخدم مصالح خارجية ويقوض سيادة الدولة. حيث تتجه المليشيا إلى التركيز على دارفور سعياً إلى مشروع انفصالي جديد، وما تفعله مليشيا الدعم السريع ليس حدثاً معزولاً، بل هو امتداد للمسار الذي سار فيه بن عوزيل وبدأ بانفصال الجنوب، وغايته واحدة: تفتيت السودان وإخضاع قراره الوطني للمصالح الخارجية.
يكشف تكريم بن عوزيل ونشاطه السابق في جنوب السودان عن دور إسرائيل في انفصال جنوب السودان، حيث يُعد انفصال جنوب السودان ثمرة جهود استخبارية إسرائيلية امتدت عقوداً بهدف شطر السودان. في 2008 قال وزير الأمن الإسرائيلي الأسبق آفي ديختر: “نحن نقود خراب السودان، يجب ألا نسمح لهذا البلد بأن يصبح قوة مضافة إلى العالم العربي”. وكشف رئيس الموساد مائير داغان أن الانفصال “ثمرة جهود بدأت منذ 1956″، استغلت الفروق بين الشمال والجنوب لتمزيق دولة عدائية تمثل عمقاً استراتيجياً لمصر. بعد الاستقلال، تجسدت العلاقات العلنية؛ إذ قال سلفا كير للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز: “لولاكم لما كنا وُجدنا”، فرد بيريز بأن اللقاءات بدأت في باريس وقدموا مساعدات كبيرة ولا يزالون. واعترفت إسرائيل بجنوب السودان بعد يوم واحد من إعلان استقلاله في 2011.
إسرائيل وحرب السودان الحالية
أعادت الحرب التي اندلعت في السودان منذ أبريل 2023 الاهتمام بالدور الإسرائيلي في هذا البلد والذي لا ينفصل عما قام به بن عوزيل في فترة سابقة، في ظل التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فبعد سنوات من القطيعة، شهدت العلاقات السودانية الإسرائيلية تحولاً عقب سقوط نظام عمر البشير، ثم توقيع اتفاقيات إبراهام، الأمر الذي أتاح اتصالات سياسية وأمنية بين الجانبين.
وتشير تقارير ودراسات إلى أن إسرائيل سعت إلى توسيع حضورها في السودان عبر التعاون الأمني والاقتصادي، مستفيدة من حالة الاضطراب السياسي التي أعقبت المرحلة الانتقالية. كما تناولت تقارير إعلامية وجود قنوات اتصال مع أطراف سودانية مختلفة، إلا أن طبيعة هذه العلاقات وحجمها ما يزالان محل جدل، في ظل غياب معلومات رسمية مكتملة.
ويرى عدد من المحللين أن السودان يمثل أهمية إستراتيجية لإسرائيل بحكم موقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر، وقربه من القرن الإفريقي ومنابع النيل، إضافة إلى موارده الطبيعية، وهو ما يجعل استقراره أو اضطرابه مؤثراً في التوازنات الإقليمية. وفي المقابل، يؤكد باحثون أن الأزمة السودانية نتاج عوامل داخلية معقدة، إلى جانب تداخلات إقليمية ودولية متعددة، ولا يمكن تفسيرها بعامل خارجي واحد.
وتذهب بعض الدراسات إلى أن استمرار الحرب يتيح لقوى إقليمية ودولية توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في البلاد، بينما يظل مستقبل السودان مرهوناً بقدرة السودانيين على الوصول لنصر حاسم في معركة الكرامة ضد مليشيا الدعم السريع، يسهم في إعادة بناء مؤسسات الدولة والمحافظة على وحدتها.
ترى دراسات تناولت الأمن الإقليمي أن أي سيناريو يؤدي إلى تفكك السودان مجددا على ضوء سيناريو انفصال جنوب السودان الذي ساهم فيه بن عوزيل ستكون له انعكاسات واسعة على منطقة القرن الإفريقي وشمال إفريقيا، وقد اعترف عاموس يادلين، رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق، بدور إسرائيل في تدريب وتسليح الحركة الشعبية وتنظيم قوى المعارضة في دارفور، مؤكداً أنها “أنجزت عملاً عظيماً في السودان ونشرت شبكات استخبارات قادرة على الاستمرار”. وتستمر السياسة ذاتها اليوم سعياً إلى تفتيت ما تبقى من السودان.
آثار نشاط بن عوزيل على السودان وجنوب السودان
يمثل تكريم ديفيد بن عوزيل مناسبة لإعادة تقييم طبيعة الدور الذي لعبته إسرائيل في جنوب السودان منذ ستينيات القرن الماضي، وانعكاساته على مسار العلاقات بين الخرطوم وجوبا. فقد كشفت مذكرات بن عوزيل عن حجم الدعم العسكري والاستخباري الذي قدمته إسرائيل لحركة “أنيانيا”، بما شمل التدريب، والتسليح، والدعم اللوجستي، والمساهمة في بناء الهياكل العسكرية للحركة، في إطار السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى توسيع نفوذها في إفريقيا وكسر العزلة الإقليمية.
وتوضح هذه المذكرات أن الدعم الإسرائيلي لم يكن مقتصراً على الجوانب العسكرية، بل امتد إلى الجوانب التنظيمية والإعلامية، بما أسهم في تعزيز قدرات الحركة الجنوبية خلال سنوات الحرب الأهلية الأولى. ومع ذلك، فإن تقييم أثر هذا الدور يظل محل نقاش بين الباحثين، إذ يرى بعضهم أنه كان أحد العوامل المؤثرة في مسار الصراع، بينما يؤكد آخرون أن العوامل الداخلية والإقليمية والدولية مجتمعة كانت صاحبة التأثير الأكبر في تطورات الأزمة وانتهاءها بانفصال جنوب السودان.
كما يعكس التكريم الرسمي لبن عوزيل استمرار العلاقات الوثيقة بين إسرائيل وجنوب السودان بعد الاستقلال، وهي علاقات تطورت لتشمل التعاون في المجالات الأمنية والاقتصادية والزراعية، بما يعكس المصالح المشتركة بين الطرفين.
ومن منظور أوسع، يبرز السودان بوصفه دولة ذات أهمية جيوسياسية كبيرة، نظراً لموقعه على البحر الأحمر، وارتباطه بحوض النيل، وحدوده مع عدد من الدول العربية والإفريقية، فضلاً عن موارده الطبيعية الواسعة. ولذلك ظل محل اهتمام قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تعزيز نفوذها في المنطقة، وهو ما يجعل استقراره عاملاً مهماً في أمن الإقليم بأسره.
وفي ضوء التطورات الراهنة، تبدو العلاقات بين إسرائيل وجنوب السودان مرشحة للاستمرار، انطلاقاً من المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة، بينما سيظل مستقبل السودان مرتبطاً بقدرته على تجاوز أزماته الداخلية، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتحقيق توافق وطني يحد من تأثير التدخلات الخارجية.
المراجع
- علي نجات، إسرائيل ومشروع تفتيت السودان… الدوافع الخفية منذ الخمسينيات وحتى اليوم، منصة رصيف، 12 نوفمبر 2025، الرابط: https://raseef22.net/article/1101239
- صالح عوض، المخابرات الإسرائيلية وتدمير البلدان العربية.. السودان مثالا، الشروق، 2015/11/11، الرابط: https://www.echoroukonline.com/
- دولة “جنوب السودان” تُكرم عميلاً للموساد شارك في فصلها عن السودان الأم، علامات أون لاين، 2026-06-27، الرابط: https://alamatonline.com/





