الجغرافية السياسيةتقدير موقف

العلاقات السودانية الإثيوبية .. هل تفتك بها حرب المسيرات؟

العلاقات السودانية الإثيوبية .. هل تفتك بها حرب المسيرات؟

لم يعد ما جرى في محيط مطار الخرطوم الدولي وبعض المدن السودانية أخيرا مجرد حادث أمني معزول، بل يمثل نقطة تحول مفصلية في طبيعة الصراع السوداني، وفي بنية العلاقات الإقليمية المحيطة به، وعلى رأسها العلاقة المعقدة أصلاً بين السودان وإثيوبيا. فالهجوم بطائرات مسيّرة، وما تبعه من اتهامات رسمية سودانية مباشرة لأديس أبابا وأبوظبي، ينقل الأزمة من إطارها الداخلي إلى فضاء إقليمي مفتوح على احتمالات التصعيد، ويطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نحن أمام بداية تفكك استراتيجي في العلاقات السودانية الإثيوبية بفعل “حرب المسيرات”؟

من الاتهام إلى “الإثبات العملياتي”

التحول الأبرز في هذه الأزمة يتمثل في انتقال الخطاب الرسمي السوداني من مستوى الاتهام السياسي إلى مستوى ما وصف بـ”الإثبات العملياتي”. فالمؤتمر الصحفي الذي عقده مسؤولو الدولة لم يعتمد على لغة دبلوماسية فضفاضة، بل قدّم – بحسب الرواية الرسمية – معطيات تقنية تشمل مسارات الطيران، والبيانات الفنية، وسلاسل التوريد المرتبطة بالطائرات المسيّرة.

هذا التحول يحمل دلالة استراتيجية عميقة؛ إذ إن إعلان دولة ما امتلاكها أدلة مادية على تورط طرف خارجي، يعني عملياً أنها تجاوزت مرحلة الاحتواء والصبر، ودخلت في طور جديد يمكن تسميته بـ”مرحلة ما قبل الرد”. فالدول لا تكشف أوراقها الاستخباراتية عادة إلا عندما تكون بصدد إعادة تشكيل قواعد الاشتباك.

وبهذا المعنى، فإن السودان لم يكتفِ بوصف ما جرى كاعتداء، بل أعاد تعريفه باعتباره “عملاً عدائياً منظماً” يرقى إلى مستوى إعلان الحرب غير المباشرة، خاصة مع الحديث عن انطلاق المسيّرات من قاعدة “بحر دار” داخل الأراضي الإثيوبية.

السودان وإثيوبيا .. عودة أزمة الثقة التاريخية

العلاقات السودانية الإثيوبية لم تكن مستقرة تاريخياً، بل اتسمت بالتذبذب بين التعاون الحذر والتوتر المكتوم. وتراكمت ملفات خلافية عديدة، أبرزها:

النزاع الحدودي في منطقة الفشقة

الخلافات حول سد النهضة

التداخلات الأمنية عبر الحدود

الاتهامات المتبادلة بدعم جماعات مسلحة

لكن ما يميز المرحلة الحالية هو أن هذه الخلافات انتقلت من مستوى “الملفات العالقة” إلى مستوى “الاشتباك غير المباشر”. فإذا ثبتت صحة الاتهامات السودانية، فإن إثيوبيا تكون قد انتقلت من موقع الطرف المتحفظ إلى موقع الفاعل في الصراع، وهو تطور بالغ الخطورة.

في المقابل، جاء الرد الإثيوبي بالنفي القاطع، مصحوباً باتهامات مضادة للسودان بدعم جماعات معادية لها، بما في ذلك الإشارة إلى “جبهة تحرير شعب تيغراي”. هذا التبادل الحاد للاتهامات يعكس انهياراً واضحاً في الثقة السياسية، ويؤشر إلى أن العلاقة دخلت مرحلة “التصعيد المتبادل” بدل الاحتواء.

حرب المسيرات وتغيير قواعد الصراع

استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف منشآت سيادية مثل مطار الخرطوم يمثل تحولاً نوعياً في أدوات الصراع. فهذه الحرب تتميز بعدة خصائص:

انخفاض التكلفة مقارنة بالحروب التقليدية

القدرة على ضرب أهداف عميقة دون تدخل مباشر

صعوبة إثبات المسؤولية بشكل قاطع في بعض الحالات

خلق حالة ردع نفسي وسياسي

لكن الخطأ الاستراتيجي في هذا النوع من التصعيد – كما تشير العديد من التحليلات – هو أنه يرفع سقف الرد دون أن يغير ميزان القوى على الأرض بشكل حاسم. بمعنى آخر، هو أداة إرباك أكثر منه أداة حسم.

في الحالة السودانية، يبدو أن الهدف من استهداف المطار يتجاوز البعد العسكري إلى أبعاد أخرى:

  1. البعد الجيوسياسي: محاولة التأثير على مسار المعارك الداخلية وإرباك حسابات الجيش
  2. البعد الاقتصادي: تعطيل حركة الطيران وعزل السودان جزئياً عن العالم
  3. البعد الرمزي: استهداف سيادة الدولة في قلب عاصمتها

وهذه الأهداف، حتى وإن تحققت جزئياً، فإنها تفتح الباب أمام ردود أكثر حدة، خاصة عندما تُفسر كاعتداء مباشر على سيادة الدولة.

إثيوبيا بين أزماتها الداخلية والمغامرة الخارجية

القراءة الأعمق للموقف الإثيوبي تشير إلى أن أي انخراط في صراع خارجي – إن ثبت – لا يمكن فصله عن السياق الداخلي المعقد الذي تعيشه البلاد. فإثيوبيا تواجه تحديات متعددة:

توترات إثنية في أقاليم أمهرة وأورومو وتيغراي وبني شنقول قمز وغيرها

ضغوط اقتصادية متزايدة

هشاشة في التوازن السياسي الداخلي

نزاعات حدودية مع أكثر من طرف

في ظل هذه المعطيات، فإن فتح جبهة خارجية – مباشرة أو غير مباشرة – يمثل مخاطرة استراتيجية كبيرة. إذ إن نقل الصراع إلى الخارج قد يبدو وسيلة لتخفيف الضغط الداخلي، لكنه غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال استنزاف الموارد وتعقيد البيئة الأمنية.

الأخطر من ذلك، أن الانخراط في صراع مع السودان قد يضع إثيوبيا في مواجهة مع توازنات إقليمية أوسع، خاصة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة.

البعد الإقليمي… نحو صراع مفتوح؟

ردود الفعل الإقليمية، وعلى رأسها الموقف المصري، تعكس قلقاً واضحاً من اتساع رقعة الصراع. فقد اعتبرت القاهرة الهجوم انتهاكاً لسيادة السودان، وحذرت من تداعياته على الأمن الإقليمي.

هذا الموقف يكتسب أهمية خاصة في ظل التعقيدات القائمة في ملف سد النهضة، والعلاقات المتوترة بين مصر وإثيوبيا. وبالتالي، فإن أي تصعيد بين السودان وإثيوبيا قد يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية، ويدفع نحو اصطفافات جديدة.

إضافة إلى ذلك، فإن منطقة البحر الأحمر لم تعد ساحة مفتوحة، بل أصبحت محور تنافس استراتيجي بين قوى متعددة، ما يعني أن أي تصعيد فيها أو حولها قد يتجاوز حدود الدول المعنية مباشرة.

وبالنظر للدولة السودانية فإن الرسالة التي حملها الخطاب الرسمي السوداني واضحة، وهي : أن الدولة لم تعد في موقع رد الفعل، بل انتقلت إلى مرحلة “إدارة الصراع وفق حسابات استراتيجية”، ويتجلى ذلك في عدة مؤشرات:

استدعاء السفير من أديس أبابا، كخطوة دبلوماسية تصعيدية

التلويح بإجراءات إضافية قد تصل إلى قطع العلاقات

الإعلان عن التوجه إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي

التأكيد على “حق الرد في الزمان والمكان المناسبين”

هذه الخطوات تشير إلى أن السودان يسعى لإعادة بناء معادلة الردع، ليس فقط عسكرياً، بل أيضاً دبلوماسياً وقانونياً. فطرح القضية أمام المجتمع الدولي يهدف إلى كسب الشرعية، ووضع الأطراف المتهمة تحت ضغط سياسي.

العلاقات السودانية الإثيوبية .. السيناريوهات المحتملة

من المؤكد أن العلاقات السودانية الإثيوبية لن تعود كما كانت بعد أن أدخلتها حرب المسيرات في جب سحيق، ولكن ربما لن يكون التدهور بشكل فوري، بل بشكل تدريجي وتراكمي؛ فحرب المسيرات لا تدمر العلاقات بين الدول بضربة واحدة، لكنها تسهم في تآكلها ببطء عبر:

تقويض الثقة

رفع مستوى الشكوك الأمنية

تحويل الخلافات السياسية إلى تهديدات عسكرية

وجود أطراف خارجية في المعادلة، وهي في هذه الحالة دولة الامارات

كما يمكن القول أنه في الحالة السودانية الإثيوبية، فإن هذه الحرب قد تكون القشة التي تقصم ظهر علاقة متوترة أصلاً، خاصة إذا لم يتم احتواء التصعيد سريعاً، لكن في الوقت ذاته، فإن المصالح المشتركة، والجغرافيا، والتداخلات الاقتصادية، قد تدفع الطرفين – في مرحلة لاحقة – إلى إعادة بناء قنوات التواصل، ولو بعد فترة من التوتر الحاد، رغم ما يحدث اليوم ليس مجرد تصعيد عابر، بل هو إعادة رسم لقواعد اللعبة في الإقليم. والسؤال لم يعد فقط: من أطلق المسيّرات؟ بل: من يملك القدرة على التحكم في تداعياتها؟

في ضوء ما سبق من معطيات آنية في موضوع التحليل، يمكن تصور عدة سيناريوهات ومشاهد تلخص الوضع، وهي كالآتي:

  1. التصعيد الدبلوماسي:

استمرار السودان في حشد الدعم الدولي والإقليمي، مع فرض عزلة سياسية على الأطراف المتهمة وهي هنا إثيوبيا والإمارات.

  1. احتواء الأزمة:

تدخل وساطات إقليمية أو دولية لتهدئة التوتر ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة بين البلدين الجارين.

  1. التصعيد العسكري غير المباشر:

استمرار حرب المسيرات أو عمليات مماثلة، مع تجنب المواجهة المباشرة.

  1. التصعيد المباشر (الأقل احتمالاً حالياً):

انتقال الصراع إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، وهو سيناريو عالي التكلفة لجميع الأطراف، ولن تتورط أي دولة في مثل هذا السيناريو.

المراجع

مجدي عبدالعزيز، مواجهة ” تحالف الغدر ” – الدولة وضعت النقاط علي الحروف وتمتلك حق الرد ..، الرواية الأولى، 5 مايو، 2026 ، الرابط: https://shorturl.at/5X9CQ

مريم أبشر، مصادر حكومية لــ”المحقق”: سفير السودان بأديس أبابا يصل البلاد اليوم، 2026-05-05، المحقق، الرابط: https://almohagig.com/32460/

مصر تدين استهداف مطار الخرطوم وتحذر من اتساع رقعة الصراع السوداني إقليمياً، 2026-05-05، المحقق، الرابط: https://almohagig.com/32464/

عدوان المسيرات.. تقاطعات الدور الإماراتي الإثيوبي وزعزعة الاستقرار الاقليمي، الرواية الأولى ، 5 مايو 2026م، الرابط: https://shorturl.at/WtsFr

إثيوبيا تنفي اتهامات الحكومة السودانية بالتورط في هجوم المسيرات،2026-05-05، المحقق، الرابط: https://almohagig.com/32467/

مكاوي الملك، من بحر دار إلى الخرطوم… حين تُفتح الجبهات الخاطئة: كيف يضع آبي أحمد إثيوبيا في قلب العاصفة؟، حساب مكاوي الملك على منصة أكس، الرابط: https://x.com/Mo_elmalik

Authors

  • PSSP
  • محمد خليفة صديق

    محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

محمد خليفة صديق

محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى