إعادة تموضع فرنسا في إفريقيا: دلالات زيارة ماكرون إلى كينيا
إعادة تموضع فرنسا في إفريقيا: دلالات زيارة ماكرون إلى كينيا
قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 11 من شهر مايو الجاري، بزيارة رسمية إلى جمهورية كينيا، حيث استقبله رسميًا في قصر الرئاسة الرئيس الكيني وليام روتو. وتباحث الجانبان حول عدد من القضايا، أبرزها تعميق التعاون الاستراتيجي بين البلدين، وتعزيز الروابط الدبلوماسية والاقتصادية، إلى جانب زيادة حجم الاستثمارات الفرنسية في كينيا.
وخلال الزيارة، صرّح الرئيس ماكرون من داخل القصر الرئاسي بأن مرحلة التدخل والنفوذ الفرنسي في المستعمرات السابقة الناطقة بالفرنسية قد انتهت، وأن باريس تتجه نحو سياسة أكثر انفتاحًا على الدول الإفريقية كافة دون استثناء، تقوم على مبدأ الندية وبناء شراكات جديدة، مع التركيز على الاستثمار في الطاقة ودعم الاستقرار في دول شرق إفريقيا، وإعادة صياغة طبيعة العلاقات الثنائية.
ماذا جرى في نيروبي؟
على الرغم من قصر مدة الزيارة، فإن ما جرى في نيروبي حمل دلالات سياسية واقتصادية لافتة، عكست تحولات أعمق في طبيعة الحضور الفرنسي داخل القارة الإفريقية، وتحديدًا في شرق إفريقيا.
فقد شهدت العاصمة الكينية توقيع 11 اتفاقية تعاون بين كينيا وفرنسا خلال يومي 9 و10 مايو، بحضور الرئيس الكيني ويليام روتو. وشملت هذه الاتفاقيات قطاعات حيوية، أبرزها النقل، الموانئ والخدمات اللوجستية، الطاقة، الاقتصاد الرقمي، المناخ، الزراعة، الاقتصاد الأزرق، إضافة إلى التعليم والصحة.
وتشير هذه الحزمة إلى انتقال واضح من نموذج التعاون التقليدي القائم على المساعدات والدعم التنموي، إلى نموذج شراكة استثمارية يرتكز على البنية التحتية، التمويل، ونقل التكنولوجيا.
على المستوى القطاعي، برز مشروع تحديث وتأهيل قطار نيروبي للركاب بقيمة 12.5 مليار شلن كيني، إلى جانب مشروع ضخم لتطوير وتمويل البنية التحتية اللوجستية والمينائية بقيمة تقارب 104 مليارات شلن كيني، بما يعكس توجهًا لتعزيز موقع كينيا كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية.
كما شملت الاتفاقيات توسعة مشروع طاقة الرياح “كيبِيتو” بقدرة إضافية تبلغ 100 ميغاواط، وتحديث سد ماسينغا، وتعزيز التعاون في خدمات المناخ والطقس، في إطار دعم التحول نحو الطاقة النظيفة والتكيف مع التغيرات المناخية.
وامتدت الحزمة إلى الاقتصاد الرقمي عبر دعم البنية التحتية الرقمية، والخدمات الحكومية الإلكترونية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تعاون في إنتاج وقود الطيران المستدام داخل كينيا. كما شملت مجالات الاقتصاد الأزرق والثروة السمكية، وتوسيع صادرات الشاي الكيني إلى الأسواق الفرنسية، خاصة الشاي الفاخر مثل الشاي البنفسجي.
وفي قطاعي التعليم والصحة، ركزت التفاهمات على الصحة الرقمية، والأنظمة المخبرية، والجاهزية الوبائية، إلى جانب تعزيز التعليم التقني والمهني والعلوم التطبيقية، مع دعم مشروع مجمع الهندسة والعلوم في جامعة نيروبي.
وعلى هامش الزيارة، استضافت نيروبي قمة “إفريقيا إلى الأمام” بمشاركة قادة نحو ثلاثين دولة، إلى جانب ممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، حيث أعلنت فرنسا عن استثمارات إضافية بنحو 23 مليار يورو لدعم مشاريع التنمية والطاقة والابتكار في القارة، لا سيما في شرق إفريقيا.
تحليل دوافع الزيارة والاندفاع الفرنسي نحو شرق إفريقيا
يُنظر إلى التحرك الفرنسي المتسارع نحو شرق إفريقيا بوصفه انعكاسًا لجملة من التحولات الاستراتيجية، في مقدمتها تصاعد المنافسة الدولية بين فرنسا من جهة، وكل من الصين والولايات المتحدة وروسيا من جهة أخرى، على النفوذ داخل القارة الإفريقية.
ويأتي هذا التوجه في سياق تراجع النفوذ الفرنسي في دول الساحل مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ما دفع باريس إلى إعادة تموضعها في فضاءات أكثر استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا، وعلى رأسها كينيا وشرق إفريقيا.
وفي هذا الإطار، تعمل فرنسا على إعادة توظيف مفاهيم “التعاون” و”التكامل الاقتصادي” كمدخل لتعزيز حضورها في القطاعات الحيوية، رغم استمرار الجدل حول الإرث التاريخي للعلاقة الفرنسية مع القارة الإفريقية.
كما تسعى باريس إلى تعزيز حضورها في الممرات البحرية للمحيط الهندي، وحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، مع الحديث عن تطوير تعاون أمني محدود في موانئ مثل ممباسا ولامو، ضمن اتفاقيات سابقة بين البلدين.
ويُسهم هذا التوجه في إعادة صياغة موقع فرنسا داخل التوازنات الجيوسياسية في القرن الإفريقي والشرق الأوسط، في ظل تنافس دولي متزايد على الممرات الاستراتيجية للتجارة والطاقة.
مستقبل العلاقات الفرنسية مع شرق إفريقيا
تشير المعطيات الحالية إلى أن زيارة ماكرون إلى نيروبي تمثل نقطة تحول في مسار العلاقات الفرنسية مع شرق إفريقيا، حيث تتجه نحو نموذج جديد يقوم على الانتقال من الدبلوماسية ذات الطابع الأمني إلى الدبلوماسية التنموية والاستثمارية، مع تعزيز توجه متنامٍ نحو بناء محور اقتصادي مستقر يربط بين نيروبي وأديس أبابا كمراكز إقليمية صاعدة.
ماكرون والساحل: استمرار الحضور رغم التحولات السياسية
أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده ما تزال متمسكة بعلاقاتها مع شعوب منطقة الساحل، رغم التوترات السياسية مع الأنظمة العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
وخلال مؤتمر صحفي في نيروبي على هامش قمة “إفريقيا إلى الأمام”، أوضح أن غياب هذه الدول عن القمة لا يعني استبعادها من الشراكة مع فرنسا، مشيرًا إلى استمرار التواصل مع دول أخرى في غرب إفريقيا مثل السنغال وساحل العاج.
وأضاف أن الانسحاب العسكري الفرنسي من منطقة الساحل تم تدريجيًا وبدون ضغينة، بعد سنوات من الوجود العسكري، مؤكدًا أن الحضور الفرنسي في إفريقيا بات يعتمد على شراكات جديدة مع دول مثل الغابون وبنين وغانا.
وتعكس هذه المقاربة تحولًا فرنسيًا نحو إعادة تعريف العلاقة مع إفريقيا، من نموذج أمني تقليدي إلى نموذج أكثر تركيزًا على الاقتصاد والثقافة والشراكات المجتمعية.
محطات الزيارة
من المقرر أن يواصل الرئيس الفرنسي جولته الإفريقية بزيارة جمهورية إثيوبيا، بعد انتهاء زيارته إلى كينيا، حيث يلتقي رئيس الوزراء آبي أحمد. وكانت الجولة قد انطلقت من جمهورية مصر العربية في التاسع من مايو الجاري، حيث التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي في الإسكندرية، قبل التوجه إلى نيروبي.
خلاصة تحليلية
تكشف هذه التطورات أن التحرك الفرنسي في إفريقيا لم يعد يقتصر على تعزيز علاقات ثنائية تقليدية، بل يتجه نحو إعادة بناء موقع استراتيجي شامل داخل القارة، قائم على الاندماج في القطاعات الاقتصادية الحيوية مثل النقل والطاقة والرقمنة والصحة والتعليم.
وتبرز أهمية الاتفاقيات الموقعة في كونها لا تمثل مشاريع منفصلة، بل منظومة مترابطة من الاستثمارات تستهدف خلق شبكة مصالح طويلة الأمد بين كينيا وفرنسا، بما يعزز الحضور الفرنسي داخل الاقتصاد الكيني والإقليمي.
وفي المقابل، تتيح هذه الشراكة لكينيا فرصة لتعزيز تنوع شراكاتها الدولية وتوسيع دورها كمركز إقليمي صاعد في شرق إفريقيا، غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بقدرة الأطراف على الانتقال من مستوى التوقيع إلى التنفيذ الفعلي للمشاريع، وتحويل الاتفاقيات إلى نتائج اقتصادية ملموسة على الأرض.




