تقدير موقف

تأميم استيراد الوقود في مدغشقر: مساعي التغلب على مخاطر أمن الطاقة

تأميم استيراد الوقود في مدغشقر: مساعي التغلب على مخاطر أمن الطاقة

في أغسطس 2026، نفذت حكومة مدغشقر نقلة جديدة في سياستها الطاقية، وذلك بإنهاء نظام الاستيراد الخاص وتأميم عمليات شراء المنتجات النفطية. وهذه السياسة الجديدة – التي أُقرت بموجب القانون رقم 021/2026 وأيدتها المحكمة الدستورية – نقلت صلاحية استيراد الوقود إلى “وكالة المشتريات الحكومية في مدغشقر”(١).

يأتي هذا القرار على خلفية طبيعة اقتصاد مدغشقر الجزيري، والذي يفتقر إلى قدرات التكرير المحلية، حيث عانت البلاد من هشاشة اقتصادية شديدة أمام تقلبات أسواق النفط العالمية واضطرابات سلاسل التوريد الدولية. وعلى مدى ثلاثة عقود تقريباً تلت تحرير القطاع عام 1999، أوكلت البلاد مهمة طرح مناقصات النفط حصرياً إلى تكتل خاص يُعرف باسم “Groupement Pétrolier de Madagascar”  (GPM)، والذي ضم شركات متعددة الجنسيات كبرى – مثل “توتال إنيرجي”، و”روبيس إنيرجي” عبر شركة “غالانا”، و”جوفينا”، و”فيفو إنيرجي” –(٢). وهذا الاعتماد على كيانات خارجية خاصة فاقم عجز الطاقة المحلي وأسفر عن نقص حاد في الوقود، وانتشار عدم استقرار في شبكة الكهرباء، وإعلان حالات طوارئ وطنية متكررة في قطاع الطاقة نتيجة للصدمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط(٣).

وكانت النتيجة أن واجهت شركة الكهرباء الوطنية “جيراما” (JIRAMA) صعوبات في الحفاظ على عمليات توليد الطاقة الحرارية، جعلت البنية التحتية العامة الحيوية والعمليات التجارية عرضة لانقطاعات مؤثرة سلبيا في التيار الكهربائي، مع تراكم أعباء الديون السيادية.

السياق التاريخي والسوابق السياساتية

كان مشهد قطاع المصب النفطي في مدغشقر، قبل أغسطس 2026، يخضع لإطار عمل يتسم باحتكار القلة المحرر (أي الخاضع لقواعد السوق)، والذي استمر لمدة 25 عاماً. ففي أعقاب تحرير السوق في أواخر التسعينيات، هيمَن تحالف الشركات الدولية لتجارة النفط وموزعين من القطاع الخاص (GPM) على عمليات استيراد الوقود وتخزينه وتوزيعه(). تولت هذه الكيانات الخاصة – تحت إشراف الهيئة التنظيمية “المكتب الملغاشي للمحروقات” (OMH) – إدارة مناقصات الاستيراد والخدمات اللوجستية للقطاع بشكل مشترك. ومع ذلك، عانى هذا النموذج من اختلالات في السوق وتشوهات مالية ناجمة عن سياسة حكومية طويلة الأمد لفرض سقف للأسعار وتقديم الدعم المالي، إذ، لحماية المستهلكين من الصدمات الدولية، عمدت الدولة إلى تثبيت أسعار الوقود عند المضخة، مما أدى إلى تراكم متأخرات مالية ضخمة مستحقة لموزعي النفط من القطاع الخاص. وهذه الآلية شكّلت عبئاً على ميزانية مدغشقر، وأرهقت كاهل شركة الكهرباء الوطنية “جيراما”، وتسببت في تأخيرات المدفوعات أدت دورياً إلى شلل سلاسل توريد الوقود(٤).

وقد تفاقمت هشاشة هذا النموذج – الذي يقوده القطاع الخاص – بشكل حاد في الفترة ما بين عام 2024 ومنتصف عام 2026 نتيجة ضغوط اقتصادية هائلة؛ إذ أجبرت التقلبات في سوق النفط العالمية — التي زادت حدتها بسبب الصراعات في الشرق الأوسط — الحكومةَ الملغاشية على إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة على مستوى البلاد في أبريل 2026، وهو قرار جُدِّد لاحقاً في يوليو 2026. وزاد من وطأة هذه الضغوط العالمية الانخفاضُ السريع في قيمة العملة المحلية (الأرياري الملغاشي)، مما رفع التكلفة المحلية لشراء الوقود المقوم بالدولار(٥). وبالتزامن مع كل هذا، واجهت احتياطيات النقد الأجنبي في مدغشقر ضغوطاً شديدة حدت من قدرة البنك المركزي على توفير السيولة للبنوك التجارية لتمويل خطوط الائتمان الخاصة بمستوردي النفط. فعانت الدولة من نقص حاد في الوقود مع تزايد تردد الموزعين من القطاع الخاص في تقديم المزيد من الائتمان أو الاستيراد في ظل تأخر سداد الدعم الحكومي.

وجاءت النقلة الحاسمة في أغسطس 2026 عندما أقرت الحكومة التشريعَ الذي يتيح لها تولي عملية شراء الوقود، فأنهى – أي التشريع – رسمياً احتكار التحالف الخاص (GPM) لعمليات الاستيراد الذي استمر ربع قرن. وبدأت الدولة في تنفيذ عمليات شراء الوقود بكميات كبيرة بشكل مباشر، وهو ما تجسد في وصول ناقلة الاستيراد المباشر “سوندا 1” (Sunda 1) إلى ميناء “تواماسينا” (Toamasina) محملة بشحنة من الديزل اشترتها الحكومة مباشرة من الصين. وبينما احتفظت الشركات الخاصة بأدوارها في الخدمات اللوجستية للتوزيع الثانوي والإدارة المشتركة لمرافق التخزين مثل “جالانا”، فقد مكّن الشراءُ المباشرُ الحكومةَ من تجاوز هوامش الربح في التجارة الخاصة وترشيد تكاليف الاستيراد(٦).

الأساس المنطقي الاستراتيجي: أمن الطاقة والسيادة

يمثّل تأميم عمليات شراء الوقود في قطاع المصب (التوزيع والتسويق) في أغسطس 2026 تحولاً في نهج مدغشقر تجاه أمن الطاقة والسيادة الوطنية. وكان جوهر هذا التدخل يكمن في ضرورة إرساء آلية تضمن الإمدادات تحت إدارة الدولة لحماية البنية التحتية الحيوية من مخاطر النقص في التوريد – وتحديدا استقرار إمدادات الوقود لشركة “جيراما” الحكومية التي عانت محطاتها لتوليد الطاقة العاملة بالديزل من انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي. وقد دأب تجار النفط – في ظل النظام السابق القائم على تحرير السوق – على تقليص عمليات التسليم أو تأجيل مناقصات الاستيراد كلما واجهوا مخاطر ائتمانية سيادية أو تأخراً في سداد الدعم الحكومي(٧).

ومن خلال التنفيذ المباشر لعمليات الشراء بالجملة بين الحكومات – كما تجسد في شحنة الديزل التي استوردتها الحكومة مباشرة من الصين عبر الناقلة “سوندا 1” -؛ تسعى مدغشقر إلى تكوين مخزون احتياطي مخصص لشركة المرافق العامة المملوكة للدولة “جيراما”، حيث اعتُبر تأمين احتياطيات الوقود الاستراتيجية أولوية وطنية تهدف إلى تحقيق الاستقرار في شبكة توليد الطاقة الحرارية، وبالتالي تجنب انقطاعات التيار الكهربائي الحادة التي تسببت في تعطيل الخدمات العامة، وإثارة الاضطرابات الاجتماعية، وتهديد الاستقرار الداخلي(٨).

يعمل الإشراف المباشر للحكومة أو الدولة على استيراد الوقود بالجملة كآلية لتحقيق الاستقرار الكلي، حيث يساعد في احتواء أسعار الوقود عند المضخات وكبح الضغوط التضخمية المحلية. ففي ظل الهيكل السابق الذي اتسم بهيمنة قلة من الشركات (نظام احتكار القلة)، كانت هوامش ربح التجار من القطاع الخاص ورسوم الاستيراد المتقلبة تضخّم أثر صدمات الأسعار العالمية قبل وصولها إلى المستهلكين المحليين. وعقب إعلان حالة الطوارئ في قطاع الطاقة خلال شهري أبريل ويوليو 2026 – مدفوعاً بتقلبات الأسواق العالمية -؛ وظفت الحكومة قوتها الشرائية المركزية للتفاوض على أسعار تفضيلية للشحن والسلع. وقد أتاح تجاوز هوامش الربح التي يفرضها الوسطاء من القطاع الخاص للدولة تحقيق الاستقرار في تكاليف النقل والطاقة محلياً، وحدّ من انتقال الآثار التضخمية غير المباشرة (الموجة الثانية من التضخم) إلى أسواق السلع الزراعية والاستهلاكية(٩).

ومع ذلك، فإن استبدال آليات تسعير السوق بنظام للتحكم في التكاليف تديره الحكومة ينطوي على مخاطر نقل الالتزامات التجارية مباشرة إلى ميزانية الحكومة العامة (المالية العامة)، وذلك في حال ارتفاع أسعار النفط العالمية لمستويات تفوق قدرة الحكومة على امتصاص تلك الصدمات السعرية. وتتمحور المنطق المالي الكامن وراء قرار التأميم في سياسة مركزية تخصيص العملات الأجنبية والتحكم في تمويل الواردات من خلال البنك المركزي لمدغشقر (BFM)؛ إذ تشكل واردات الوقود باستمرار أكثر من 20% من إجمالي فاتورة واردات السلع في مدغشقر، مما يفرض ضغوطاً هائلة ومستمرة على احتياطيات النقد الأجنبي(١٠).

وقبل إصلاحات أغسطس 2026، كانت طلبات الائتمان المشتتة والمقومة بالدولار – والصادرة عن جهات متعددة من الموزعين من القطاع الخاص – تتسبب في طفرات مفاجئة وغير منتظمة في الطلب داخل سوق العملة المحلية، وهو ما فاقم انخفاض قيمة العملة الوطنية (الأرياري الملغاشي). كما أتاح توحيد عملية الشراء للسلطة النقدية ووزارة الطاقة إمكانية ترشيد خطوط الائتمان، وهيكلة تسويات التجارة الثنائية المباشرة، وجدولة عمليات صرف العملات الأجنبية. ورغم أن هذا التوحيد يتيح تحكماً هيكلياً في معدلات السحب من الاحتياطيات السيادية، إلا أنه يعرض الخزانة الوطنية لمخاطر تركز سيولة العملات الأجنبية في حال جاءت إيرادات التصدير دون المستوى المأمول.

ديناميكيات الحوكمة والاقتصاد والسوق

لا شك أن عملية التأميم ستفرض أعباءً مالية حرجة تهدد بتفاقم هشاشة وضع الديون السيادية في مدغشقر، إذ في ظل اقتراب الدين العام من 50% من الناتج المحلي الإجمالي واستمرار شركة المرافق العامة “جيراما” في تسجيل خسائر مزمنة، فإن عمليات شراء الوقود المدعومة من الدولة — مثل شحنة الديزل البالغة 67 مليون لتر والتي تم توريدها عبر مجموعة “صحارى” (Sahara Group) على متن الناقلة “سوندا 1” — تتطلب سيولة نقدية ضخمة ومبكرة. وإذا ما ارتفعت أسعار المنتجات النفطية المكررة عالمياً أو شهدت عملة “الأرياري” المدغشقرية مزيداً من الانخفاض الحقيقي في قيمتها، فستواجه الخزانة المركزية عجزاً حاداً في التدفقات النقدية اللازمة لتمويل الائتمان التجاري القائم. ونتيجة لذلك، فإن تحمّل خسائر الشراء هذه يهدد بسحب رؤوس الأموال المخصصة للخدمات الاجتماعية الأساسية، وتوسيع العجز المالي الأولي، وزيادة الاعتماد على الاقتراض المحلي قصير الأجل(١١).

ومن منظور الحوكمة والتشغيل، تؤدي مركزية عمليات الاستيراد بالجملة إلى خلق اختناقات مؤسسية حادة ومخاطر متزايدة للفساد. وقد كشفت إدارة الخدمات اللوجستية بموجب القانون رقم 021/2026 عن احتكاكات إدارية فورية؛ إذ أدى الاستيلاء الطارئ على منشأة تخزين “جالانا” التابعة لشركة “روبيس إنيرجي” في ميناء “تواماسينا” إلى تأخيرات شديدة في عمليات تفريغ السفن التجارية، مثل السفينة “تورم إيفا” (Torm Eva) التي كانت تحمل 71 ألف طن من الشحنات الخاصة. وتتطلب إدارة عمليات المناقصات الدولية المعقدة – التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات – خبرات لوجستية متخصصة غالباً ما تفتقر إليها الهيئات الحكومية، مما يزيد من احتمالات غياب الشفافية في الشراء، وتضخم تكاليف المعاملات، واستيلاء النخب على الموارد(١٢).

يضاف إلى ما سبق أن التحذيرات التي أطلقتها “رابطة شركات النفط في مدغشقر” (GPM) تكشف أن عمليات الشراء التي توجهها الحكومة تحت ضغط الضرورات السياسية تنطوي على مخاطر الحصول على الوقود من موردين لا يستوفون “المعايير” المطلوبة، مما قد يعرض شبكات التوزيع في قطاع المصب لعقوبات دولية ثانوية وللشلل التشغيلي(١٣).

وقد يؤدى الإنهاء المفاجئ لإطار عمل الشراء الخاص – الذي استمر ربع قرن – إلى تقويض ثقة المستثمرين في قطاع الطاقة في مدغشقر؛ إذ إن إقصاء “رابطة شركات النفط في مدغشقر” ومصادرة أصول المحطات يخلق سابقة من عدم اليقين التنظيمي. ورغم احتفاظ الكيانات الخاصة بأدوار في مجال التوزيع بالتجزئة، فإن تعطيل تراخيص الاستيراد التجاري قد يؤثر في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث ينظر الممولون الدوليون إلى هذه الخطوات كمخاطر متزايدة للتدخل السيادي، مما يهدد الأهداف الأوسع للتحول نحو الطاقة المتجددة، مثل برنامج “أسينت” (ASCENT) المدعوم من البنك الدولي؛ إذ يطالب المستثمرون من القطاع الخاص بعلاوات مخاطر أعلى أو باتفاقيات حكومية مضمونة لشراء الإنتاج لحماية رؤوس أموالهم من أي تحولات مفاجئة في السياسات.

خاتمة

يمثل تأميم واردات الوقود تدخلاً طارئاً حاسماً يهدف إلى التغلب على انعدام الأمن الطاقي المزمن واستعادة السيطرة السيادية على سلاسل الإمداد الحيوية. ورغم أن الشراء الحكومي المباشر نجح في استقرار إمدادات الوقود لمحطات توليد الطاقة الحرارية التابعة لشركة “جيراما” خلال فترات التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية الحادة، إلا أنه ينقل المخاطر التجارية إلى الخزينة العامة. ولا يمكن تحقيق أمن الطاقة على المدى الطويل من خلال احتكارات الاستيراد المركزية وحدها، إذ تهدد خسائر السوق والاختناقات التشغيلية بتفاقم مواطن الضعف المالي في مدغشقر.

وعليه، يعتمد الاستقرار النهائي على استغلال هذا التخفيف الفوري للإمدادات لتنفيذ إصلاحات عميقة في حوكمة شركة المرافق الحكومية، واستعادة ثقة المستثمرين من القطاع الخاص من خلال أطر تنظيمية قابلة للتنبؤ، وإلى جانب التنويع والتحول السريع نحو مصادر الطاقة المتجددة المحلية.

المراجع

1 – Laperozy, E., & Sguazzin, A. (10 August 2026).

“Madagascar Ends Private Hold on Oil Imports With Tanker Arrival.” Bloomberg, https://tinyurl.com/yeykuxj3

2 – Adeodun, D. (31 August 2026). “Malagasy billionaire

Hassanein Hiridjee just lost a 27-year fuel import arrangement to the state.” Billionaires Africa, https://tinyurl.com/44zrk6sp

3 – Pulse of Africa (19 July 2026). “Madagascar Reimposes

Nationwide Energy Emergency.” Retrieved from https://tinyurl.com/yv2hjkc5

4 – المصدر سابق:

Adeodun, D. “Malagasy billionaire Hassanein Hiridjee just lost a 27-year fuel import arrangement to the state.”

5 – International Monetary Fund (IMF). “Madagascar: Country Report & Financial System Sustainability Assessments.” IMF

Staff Country Reports (2024-2025). Available at https://tinyurl.com/3cvta4eb

6 – Temitope, A. (11 August 2026). “Africa’s largest island nation breaks up private companies’ hold over its oil imports.” Business Insider Africa, https://tinyurl.com/h89hpz6n

7 – Ramaharo, F., & Randriamanantena, R. (2026). “Energy import dependence in Madagascar: A decoupling analysis.” Working Papers hal-05521371, HAL.

8- المصدر سابق:

Temitope. “Africa’s largest island nation breaks up private companies’ hold over its oil imports.” Business Insider Africa.

9 – المصدر السابق.

10 – “Madagascar – Fuel Imports (% Of Merchandise Imports).”

2026 Data 2027 Forecast 1962-2023 Historical, https://tinyurl.com/4wk34s2m

11 – المصدر السابق.

12 – Okowa, M. (31 August 2026). “Sahara Group Supplies Six Months of Power Fuel to Madagascar.” Business Elites Africa, https://tinyurl.com/56pd7ac4

13 – المصدر السابق.

14 Daba Finance. (24 July 2026). “Fuel import nationalization raises sanctions concerns in Madagascar.”

https://tinyurl.com/a2td3m9c

كاتب

حكيم أَلَادَيْ نجم الدين

باحث نيجيري مختص بالقضايا التعليمية ومهتم بالشؤون الإفريقية.

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى