إيران والقرن الأفريقي: تحولات الحضور في ظل تداعيات الحرب الإقليمية
إيران والقرن الأفريقي: تحولات الحضور في ظل تداعيات الحرب الإقليمية
شهدت منطقة القرن الأفريقي خلال العقد الأخير عودة تدريجية للحضور الإيراني بعد سنوات من التراجع، مستفيدًا من التحولات الجيوسياسية التي فرضتها المنافسة الإقليمية والدولية على واحد من أكثر الأقاليم استراتيجية في العالم. ويكتسب القرن الأفريقي أهمية استثنائية لوقوعه على البحر الأحمر وخليج عدن، وإشرافه على مضيق باب المندب، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية وحركة الطاقة، الأمر الذي جعله ساحة لتنافس القوى الكبرى والإقليمية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والصين وتركيا ودول الخليج وإسرائيل، فضلًا عن إيران.
مع اندلاع الحرب الإقليمية في الشرق الاوسط، لاسيما في التصعيد بين إيران وإسرائيل واتساع نطاق المواجهات ليشمل مسارح متعددة ، برزت الحاجة الإيرانية إلى إعادة النظر في بعض أولويات استراتيجيتها الخارجية بما يضمن الحفاظ على عمقها الاستراتيجي وتأمين خطوط الملاحة والدعم اللوجستي لحلفائها. وفي هذا السياق عاد القرن الأفريقي ليحتل موقعًا متقدمًا في الحسابات الإيرانية، ليس فقط باعتباره امتدادًا جغرافيًا للبحر الأحمر، وإنما أيضًا باعتباره فضاءً يسمح لطهران بتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني في مواجهة الضغوط الإقليمية.
ولا يقتصر تحول الحضور الإيراني على مجرد استئناف العلاقات الدبلوماسية مع بعض دول القرن الأفريقي، بل يتجاوز ذلك إلى تبني مقاربة أكثر مرونة تعتمد على توظيف الأدوات الاقتصادية والتعاون البحري والدبلوماسية والشراكات الأمنية، بما ينسجم مع المتغيرات التي فرضتها الحرب الإقليمية. كما تسعى إيران إلى استثمار حالة السيولة الأمنية والسياسية التي تشهدها بعض دول القرن الأفريقي، والتنافس مع القوى الإقليمية الأخرى، لبناء شبكة من العلاقات تقلل من آثار العزلة والعقوبات وتوفر لها أوراق ضغط إضافية في معادلات الأمن الإقليمي.
وانطلاقًا من ذلك، تهدف الدراسة إلى تحليل تحولات الحضور الإيراني في القرن الأفريقي في ظل تداعيات الحرب الإقليمية، من خلال استعراض دوافع التحول في الاستراتيجية الإيرانية وأدوات النفوذ التي تعتمدها، وانعكاسات هذا الحضور على توازنات القوى الإقليمية والدولية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فضلًا عن استشراف السيناريوهات المحتملة لهذا الدور في ضوء استمرار التنافس الإقليمي والدولي على المنطقة.
الحضور الإيراني في القرن الأفريقي
يكتسب القرن الإفريقي أهميته الإستراتيجية من كون دوله تطلّ على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب ، ومن ثَمّ فإن دول القرن الأفريقي تتحكم في طريق التجارة العالمي، لا سيما أن نحو 40% من تجارة النفط العالمية تعبر من مضيق باب المندب، كما أنها تُعَدّ ممراً مهماً لأيّ تحرُّكات عسكرية قادمة من أوروبا أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج العربي. لا تقتصر أهمية القرن الأفريقي على اعتبارات الموقع الإستراتيجي فحَسْبُ، وإنما تتعداها للموارد الطبيعية، كالنفط، والذهب، والغاز الطبيعي، وامتلاكه احتياطات كبيرة من المعادن، التي تُستخدم في الصناعات الثقيلة والنووية، الكوبالت واليورانيوم (1)
تمتلك المنطقة ثروة مائية هائلة، وتمثل إثيوبيا المصدر الرئيسي لنهر النيل، بنحو 80-85% من إيراداته، والذي يصل إجماله السنوي إلى 4,936 مليار م3. وتضم ثروة حيوانية هائلة، فتفوق أعداد الثروة الحيوانية في كل من السودان وإثيوبيا والصومال ربع مليار رأس وقد حولت الأهمية الإستراتيجية المنطقة إلى مساحات لتداخُل النفوذ الدولي والإقليمي، وتتسم مصالح القوى الإقليمية في المنطقة بالتشابك والتعقيد بين الأطراف المكونة للإقليم من ناحية، والقوى الدولية من ناحية أخرى، ولكنها تتجه في مجملها نحو تحفيز الصراع واستمراره، لا سيما في إثيوبيا والصومال والسودان. (2)
في سياق هذا التنافُس، تُعَدّ منطقة القرن الإفريقي دائرة حركة مهمة للسياسة الخارجية الإيرانية التي تهدف لاتساع نطاق نفوذها، إذ توصلت إيران إلى أنها تستطيع تحقيق بعض المكاسب في تنافسها مع القوى الإقليمية والدولية عن طريق الاصطفاف مع مجموعة واسعة من دول المنطقة، وذلك من أجل عدم عزلتها والتصويت ضدها في المنظمات الدولية، تبنت إيران عدداً من الأهداف والأدوار في سياستها الخارجية، لجهة الحفاظ على سيادتها، وتأمين أمنها في مواجهة التحديات الخارجية (3).
وذلك من خلال زاويتين رئيسيتين، أولهما؛ اعتبار القرن الإفريقي المدخل الإستراتيجي للدائرة الإفريقية ذات الأهمية الكبرى على الصعيد الدولي على كافة الأصعدة. لذا تتبنى إيران ما يسمى بالجهاد البحري، ويعني انتهاج سياسات تُمكِّن الدولة من السيطرة أو الوجود القوي بالقرب من الممرات الملاحية، تحسُّباً لأي مواجهة عسكرية تهدد مصالحها من قِبَل القوى الغربية ، أما ثانيهما؛ فالمنطقة تعتبر الفناء الخلفي للدائرتين الخليجية والشرق أوسطية اللتين تُعَدّان نطاق عمل المشروع الإيراني الطموح الرامي إلى توسيع نفوذ طهران إقليمياً ، مما يعني كلياً أن منطقة القرن الإفريقي هي نقطة ارتكاز للتمدُّد الإيراني في إفريقيا من جهة، وأداة تطويق القوى الإقليمية المناوئ للإستراتيجية الإيرانية (4).
وضعت إيران منطقة القرن أولوية في تحركاتها بالقارة الافريقية، حيث ترى في هذه المنطقة مجالًا واسعًا وخصبًا للأنشطة السياسية والعسكرية والاقتصادية، خاصة الدول المطلة على ساحل خليج عدن وبحر العرب والبحر الأحمر. ويرجع ذلك للأهمية الجغرافية لمنطقة باب المندب؛ ما يصنع نفوذًا إقليميًّا ودوليًّا لإيران يجعلها تتحكم وتؤثر في أمن واستقرار مضيقي هرمز وباب المندب معًا، ويدخل ذلك في إطار توسيع نفوذها ، حيث تمكِّن من إدارة الصراعات والحروب خارج نطاق حدودها الجغرافية، وهي رؤية تتقاطع مع الإستراتيجية الأوسع للعديد من القوى الإقليمية والدولية.(5)
الاهتمام الإيراني بالقارة الافريقية وبالأخص القرن الأفريقي، برز بشكل قوى مجددا في السياسة الخارجية الإيرانية بعد انتخاب الرئيس ، إبراهيم رئيسي ، حيث أعطى أعطى رئيسي أولوية لإفريقيا في السياسة الخارجية الإيرانية، وهي المرة الأولى التي يزور فيها رئيس إيراني إفريقيا منذ عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد ، ووسعت البعثات الدبلوماسية في القرن الأفريقي، حيث تتحرك طهران في افريقيا مدفوعة برغبة ملحة في التحرر من قيود العزلة الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية الصارمة المفروضة عليها (6).
ملامح الاستراتيجية في القرن الأفريقي
إيران تسعى إلى تحقيق عدد من الأهداف والمصالح في القرن الأفريقي، بوصفها قوى إقليمية مؤثرة، والضغط على خصومها، في القرن الأفريقي لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وتخفيف أثر العقوبات المفروضة عليها، وتحييد إستراتيجية العزلة الموجهة ضدها من خلال تشكيل تحالفات مع دول القرن الأفريقي، وتوسيع نطاق نفوذها ، لذا
تسعى إيران لتحقيق مجموعة من الأهداف المرتبطة بالجانب العسكري منها ما يتعلق بتعزيز التواجد في المناطق الإستراتيجية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن خاصة في ظل سيطرتها على مضيق هرمز والذي برزت أهميته بصورة كبيرة في الحرب الأخيرة، وباعتبار هذه المنطقة هي الأقرب إستراتيجيًّا لها والتي تمر منها السفن عبر باب المندب وقناة السويس باتجاه أوروبا ودول العالم (7).
في إطار سعي إيران لتنويع مصادر اقتصادها، وعدم الاقتصار على تصدير النفط فقط، باتت هناك حاجة ماسَّة للبحث عن مصادر للمواد الخام التي تدخل في عملية التصنيع، وتحقيق النهضة الإيرانية بدلًا من الاعتماد فقط على صادرات النفط التي ربما يصعب التحكم في أسعارها العالمية بما قد ينعكس سلبيًّا على اقتصادها؛ خاصة في ظل الحجم الكبير للسوق الإفريقي “1.58 مليار نسمة. كما تعد فكرة التشيع إحدى ركائز السياسة الخارجية الإيرانية بوصفها أمرًا من الأمور العقيدية؛ ومن هنا، اهتمت إيران بنشر التشيع في العالم، خاصة في دول القرن الأفريقي؛ لما قد تتميز به خاصة الأخيرة من وجود مسلمين على قدر محدود من العلم من ناحية ، وضعف العمل الدعوي الإسلامي بصفة عامة (8)
إيران تعتمد على تقوية الحضور الأمني والعسكري في القرن الأفريقي بالطرق الرسمية وغير الرسمية بالتركيز على الشراكات الأمنية والدفاعية ، حيث يعتبر الحضور العسكري الإيراني حديثًا بالمقارنة مع القوى الإقليمية و الدولية . وتعمل إيران على توسيع وجودها العسكري والدبلوماسي في القرن الأفريقي ، بدأ ذلك في الظهور مجددا ، من أجل تقديم شحنات عسكرية تساعدها في تلبية احتياجاتها العسكرية والأمنية الداخلية والإقليمية. كما يعيد رسم التوازنات في القرن الأفريقي (9)
إن التموضع الإيراني في منطقة القرن الإفريقي هدفه دعم محور المقاومة وحلفائها عسكريًّا وأمنيًّا، وتركز على تقديم الدعم وبناء شراكات أمنية وعسكرية بانتقائية، خاصة مع الدول التي لها مواقع جغرافية بحرية وإستراتيجية يمكن أن تساعدها على المستوى التكتيكي والاستخباري مقابل منافسيها الإقليميين وأعدائها ، كما سبق يُعد القرن الإفريقي الممر الأكثر حيوية للأمن القومي الإيراني نظرًا لإشرافه على البحر الأحمر ومضيق باب المندب الذي يمر به ما يقرب من 10–12% من حجم التجارة العالمية ونحو 6 ملايين برميل من النفط يوميًّا. ومع تحسن علاقاتها بالسعودية بوساطة صينية، مارس/آذار 2023، نجحت طهران في استعادة علاقاتها رويدًا رويدًا مع دول القرن الإفريقي المتضامنة مع السعودية (10).
حيث استعادت علاقاتها مع جيبوتي، في سبتمبر/أيلول 2023، وبعدها بشهر واحد استعادت العلاقات الدبلوماسية مع الخرطوم، أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأسهمت بعدها في إعادة بناء التحالف العسكري مع الجيش السوداني في خضم الحرب الأهلية السودانية؛ حيث زوَّدته بطائرات مسيَّرة متطورة من طراز “مهاجر-6” وصواريخ موجَّهة؛ مما ساعده في تعديل موازين القوى الميدانية في الخرطوم وأم درمان ضد قوات الدعم السريع. وكانت إيران تطمح للحصول على موافقة سودانية بإقامة قاعدة بحرية لها على البحر الأحمر تسمح لها بمراقبة حركة المرور البحرية من وإلى قناة السويس وإسرائيل، لكن الخرطوم رفضت الاقتراح الإيراني لتجنب استعداء الولايات المتحدة والدول الأوروبية (11)
أما بالنسبة لإثيوبيا “الدولة المحورية في القرن الإفريقي، فقد نجحت طهران في توطيد علاقاتها معها، فخلال حرب تيغراي، نوفمبر/تشرين الثاني 2020-2022” والتوترات اللاحقة، زوَّدت طهران أديس أبابا بأنظمة طائرات مسيرة انتحارية متقدمة أسهمت في حسم المعارك لصالح الحكومة ومنع سقوط العاصمة ،هذا الدعم الفني العسكري عزَّز الحضور الاستخباراتي الإيراني في الهضبة الإثيوبية، ومنح طهران ورقة مناورة سياسية إضافية في منطقة القرن الأفريقي الحيوية خاصة بعد توقيعها في مايو/أيار 2025، مذكرة تفاهم لتعزيز العلاقات الأمنية والاستخباراتية مع أديس أبابا(12)
أما بالنسبة لإريتريا، تلك الدولة المعزولة وذات الموقع الإستراتيجي على البحر الأحمر، فقد سعت إيران لإيجاد موطئ في أرخبيل دهلك، فحصلت طهران بعد زيارة أفورقي لها، عام 2006، على قاعدة عسكرية في ميناء عصب؛ حيث أقامت منظومة صواريخ بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى تل أبيب، 2300 كيلو متر، مقابل استمرار الدعم الإيراني للنظام الإريتري عسكريًّا واقتصاديًّا، وبعدها بثلاث سنوات فقط، 2009، أعلن أفورقي دعم نظامه للبرنامج النووي الإيراني
ولقد استُخدمت القاعدة الإيرانية في إريتريا، أواخر عام 2025، في انطلاق الطائرات المسيرة صوب السودان، كما استخدمت طهران مينائي عصب ومصوع في إرسال مواد عسكرية دعم القوات المسلحة السودانية عبر ميناء بورتسودان(13).
أما بالنسبة للصومال، تلك الدولة السُّنِّية ذات الموقع الإستراتيجي المهم على المحيط الهندي، فبعد قطع العلاقات بين الجانبين بسبب الضغوط السعودية، عام 2016، وطَّدت إيران علاقاتها مع حركة شباب المجاهدين المناوئة للحكومة.ففي عام 2017، سمح فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني للحركة بالالتفاف على عقوبات الأمم المتحدة، من خلال منحها حق استخدام الموانئ الإيرانية نقاطَ عبور لإعادة تصدير الفحم؛ ما يدرُّ عليها عائدات، كما تردد قيام إيران بتسليح وتمويل الحركة لاستهداف المصالح الأميركية في القرن الإفريقي، بما في ذلك كينيا، كما قام الحوثيون، بإرسال السلاح للحركة لتهديد الملاحة في باب المندب والقيام بأعمال قرصنة تسهم في تهديد المصالح الغربية والأميركية بسبب العدوان على غزة. كما تعاون الحوثيون مع تنظيم الدولة في الصومال، والذي يتمركز في بونت لاند شمال شرق البلاد، من أجل الحصول على معلومات استخباراتية تُمكِّن الحركة من اعتراض حركة الملاحة البحرية في خليج عدن والبحر الأحمر، بهدف الضغط الدولي من أجل وقف إطلاق النار. وفي الفترة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2023 ومايو/أيار 2024، أفادت تقارير بأنهم أرسلوا مندوبين لهم إلى إقليم بونت لاند شمال شرق الصومال لتنسيق جمع المعلومات الاستخباراتية، وتحديد مواقع السفن في خليج عدن مقابل الحصول على طائرات مسيرة انتحارية قصيرة المدى وتدريب تقني(14).
كما حرصت طهران -وإن كان بدرجة أقل- على توطيد علاقاتها بكلٍّ من كينيا وتنزانيا بسبب أهميتهما الإستراتيجية بالقرب من القرن الإفريقي من ناحية، ولأن الأولى تعد إحدى الدول المحورية لواشنطن وتل أبيب في آن واحد في شرق افريقيا. (15)
مستقبل الحضور في الإيراني القرن الأفريقي
يُعد مستقبل الحضور الإيراني في القرن الأفريقي مرهونًا بجملة من المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية التي ستحدد مدى قدرة طهران على المحافظة على نفوذها أو توسيعه خلال السنوات المقبلة. فمنذ استئناف إيران لعلاقاتها مع السودان في عام 2023، وتزايد انخراطها في قضايا البحر الأحمر، بدا واضحًا أن المنطقة أصبحت تمثل أحد المحاور المهمة في الاستراتيجية الإيرانية الهادفة إلى توسيع مجالها الحيوي خارج الشرق الأوسط. ولا يقتصر هذا التوجه على البعد الأمني أو العسكري فحسب، بل يشمل أيضًا أبعادًا سياسية واقتصادية ودبلوماسية، انطلاقًا من إدراك إيران للأهمية الاستراتيجية للقرن الأفريقي بوصفه حلقة وصل بين الخليج العربي والبحر الأحمر والمحيط الهندي، فضلًا عن كونه ساحة متزايدة الأهمية في التنافس بين القوى الإقليمية والدولية.(16)
وتتمتع الاستراتيجية الإيرانية بعدد من المقومات التي قد تساعدها على تحقيق قدر من النجاح في المنطقة. فإيران تمتلك خبرة طويلة في إدارة النفوذ الخارجي عبر أدوات غير تقليدية، تعتمد على بناء العلاقات السياسية والأمنية، وتقديم الدعم العسكري والفني، وإقامة شراكات اقتصادية محدودة منخفضة التكلفة مقارنة بالقوى الكبرى. كما أن استمرار حالة عدم الاستقرار في بعض دول القرن الأفريقي، ولا سيما السودان والصومال، يخلق بيئات يمكن لإيران استثمارها لتوسيع شبكة علاقاتها مع الحكومات أو الفاعلين المحليين. ويضاف إلى ذلك أن تنامي الشراكة الإيرانية مع كل من روسيا والصين، في إطار التوجه نحو عالم متعدد الأقطاب، قد يوفر لطهران هامشًا أوسع للحركة في أفريقيا، خاصة إذا تراجعت الهيمنة الغربية التقليدية أو انشغلت الولايات المتحدة بأولويات أخرى في مناطق مختلفة من العالم.(17)
وفي المقابل، تواجه إيران تحديات كبيرة قد تحد من فرص نجاح استراتيجيتها في القرن الأفريقي. فعلى المستوى الداخلي، لا تزال العقوبات الأمريكية والغربية تمثل أحد أبرز القيود التي تحد من قدرة طهران على تمويل مشاريع اقتصادية أو استثمارية واسعة في الخارج، كما أن الأوضاع الاقتصادية الداخلية، وما تشهده من ضغوط على الموازنة العامة وارتفاع معدلات التضخم، قد تدفع صانع القرار الإيراني إلى إعادة ترتيب أولوياته الخارجية بما يتناسب مع الإمكانات المتاحة. وإلى جانب ذلك، فإن أي تغيرات في القيادة السياسية الإيرانية أو في توجهات السياسة الخارجية قد تؤثر في حجم الاهتمام الموجه نحو القارة الأفريقية عمومًا والقرن الأفريقي على وجه الخصوص. أما على المستوى الإقليمي، فإن إيران تدخل ساحة تتسم بدرجة عالية من التنافس بين عدد من القوى الفاعلة، وفي مقدمتها السعودية والإمارات وتركيا وإسرائيل، وهي جميعًا تمتلك مصالح استراتيجية متنامية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وقد أدى هذا التنافس إلى زيادة الاستثمارات في الموانئ والقواعد العسكرية وشبكات النقل البحري، فضلًا عن توسيع التعاون الأمني والعسكري مع دول المنطقة. كما تحرص معظم دول القرن الأفريقي على اتباع سياسة خارجية متوازنة تقوم على تنويع الشركاء وعدم الانحياز الكامل لأي محور إقليمي، وهو ما يفرض على إيران قيودًا إضافية ويجعل قدرتها على بناء تحالفات حصرية أمرًا بالغ الصعوبة. كذلك، فإن استمرار النزاعات المسلحة والأزمات السياسية في السودان والصومال وإثيوبيا يخلق بيئة مزدوجة؛ فمن جهة قد يفتح المجال أمام توسيع النفوذ الإيراني، لكنه من جهة أخرى يزيد من مخاطر الانخراط في أزمات معقدة يصعب التحكم في مساراتها.(18)
وعلى المستوى الدولي، يظل الحضور الإيراني في القرن الأفريقي مرتبطًا بطبيعة المنافسة بين القوى الكبرى. فالولايات المتحدة ما زالت تحتفظ بوجود عسكري واستخباراتي مهم في جيبوتي والبحر الأحمر، كما عزز الاتحاد الأوروبي واليابان والصين وتركيا من وجودهم العسكري واللوجستي في المنطقة، الأمر الذي يجعل القرن الأفريقي أحد أكثر الأقاليم ازدحامًا بالقواعد العسكرية الأجنبية. وفي هذا السياق، تنظر القوى الغربية بعين القلق إلى أي توسع إيراني قد يهدد أمن الملاحة الدولية أو يمنح طهران قدرة أكبر على التأثير في حركة التجارة والطاقة عبر مضيق باب المندب، وهو ما قد يدفعها إلى تشديد الضغوط السياسية والاقتصادية على الدول التي تنخرط في شراكات استراتيجية مع إيران.(19)
انطلاقًا من هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الحضور الإيراني في القرن الأفريقي. يتمثل في التالي (20)
السيناريو الأول، ، في سيناريو التوسع التدريجي، حيث تواصل إيران تعزيز حضورها عبر توسيع علاقاتها الدبلوماسية، وزيادة التعاون الأمني والعسكري المحدود، وتنفيذ مشروعات اقتصادية واستثمارية انتقائية، مع الحرص على تجنب الصدام المباشر مع القوى الدولية والإقليمية المنافسة. ويستند هذا السيناريو إلى سياسة النفس الطويل التي تتبعها إيران عادة في بناء النفوذ، والتي تقوم على التدرج واستثمار التحولات الإقليمية دون تحمل أعباء مالية أو عسكرية كبيرة.
السيناريو الثاني ، فهو سيناريو الاحتواء والتراجع، ويقوم على افتراض نجاح الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين في احتواء التمدد الإيراني من خلال تشديد العقوبات، وزيادة الضغوط الدبلوماسية، وتعزيز الشراكات الأمنية مع دول القرن الأفريقي، بما يحد من قدرة طهران على توسيع نفوذها. وفي هذه الحالة قد يقتصر الوجود الإيراني على العلاقات الدبلوماسية التقليدية وبعض أشكال التعاون الاقتصادي المحدود، دون أن يتحول إلى نفوذ سياسي أو أمني مؤثر.
السيناريو الثالث ، التصعيد الإقليمي، والذي يفترض حدوث مواجهة واسعة في الشرق الأوسط أو البحر الأحمر تؤدي إلى انتقال التنافس الإيراني مع الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى القرن الأفريقي. وفي ظل هذا السيناريو قد تسعى إيران إلى تعزيز حضورها العسكري أو الاستخباراتي بالقرب من باب المندب، أو توسيع تعاونها مع بعض الحكومات والقوى المحلية، في مقابل تحركات مضادة من القوى الإقليمية والدولية، بما يحول القرن الأفريقي إلى إحدى ساحات الصراع غير المباشر بين المحاور المتنافسة.
وبناءً على ما سبق، فإن مستقبل الحضور الإيراني في القرن الأفريقي سيظل مرتبطًا بقدرة طهران على الموازنة بين طموحاتها الاستراتيجية وإمكاناتها الاقتصادية، كما سيتأثر بمسار الصراعات الإقليمية، ومستقبل أمن البحر الأحمر، وطبيعة التنافس الدولي في أفريقيا. ومن المرجح أن تستمر إيران في اتباع سياسة النفوذ المرن والانتقائي، القائمة على بناء الشراكات التدريجية والاستفادة من الفراغات الجيوسياسية، أكثر من سعيها إلى فرض هيمنة مباشرة على المنطقة. وعليه، فإن الحضور الإيراني مرشح للاستمرار وربما التوسع بصورة محدودة، إلا أنه سيبقى محكومًا بقيود داخلية وخارجية تحول دون تحوله إلى نفوذ مهيمن، ليظل أحد العناصر المؤثرة في معادلات الأمن الإقليمي والتوازنات الجيوسياسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر خلال المستقبل المنظور.
الخاتمة
يمكــن القــول إن نجــاح إيـران فـي اسـتخدام القرن الأفريقي كمنصة لإظهار قوتها الإقليميـة الدوليـــة، ســـوف يظـــل رهـــن بمـــدى قـــدرتها علـــى الاســـتفادة مـــن التحـــولات الاسـتراتيجيـة التـي يشـهدها العـالم، ومـدى قـدرتها علـى تحمـل الضغوط والالتفـاف علـى العقوبـات، وكسـب النفـوذ و تعظـيم المكانـة فـي القرن الأفريقي، ومنـاوأة منافسيها مواجهـة والولايات المتحدة. ويبدو أن خطة إيران لتحقيق أهدافها المختلفـة فـي والقـرن الأفريقي، هي خطة ذات أبعاد متعددة، تبـدأ بتعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية ، ومن المتوقع أن يتحول القرن الأفريقي إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية والدولية، حيث سيصبح استمرار التوازن بين القوى تحديًا مستمرًا، وهو ما يجعل مراقبة التطورات في القرن الأفريقي أمرًا حاسمًا لفهم مستقبل الاستقرار الإقليمي .
المراجع
1- شعبان مبروك، السياسة الخارجية الإيرانية في إفريقيا، دراسات استراتيجية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، العدد 166، 2015، ص 70.
2- عبد الله أوفى، الأذرع الطويلة لإيران في إفريقيا، موقع إضاءات، 21 يوليو 2016.
3- بوزيدي يحيى، السياسة الإيرانية والسياسة التركية تجاه إفريقيا: دراسة مقارنة، موقع قراءات إفريقية، 19 مايو 2016.
4- محمد عمر، معركة النفوذ الكبرى في القرن الإفريقي، موقع إضاءات، 23 يونيو 2016.
5- ناجي شهود، عسكرة التنافس الدولي والإقليمي في القرن الإفريقي، مجلة السياسة الدولية، العدد 212، أبريل 2018، ص 92.
6- أبو بكر الدسوقي، الأمن في القرن الإفريقي: التحدي والاستجابة، مجلة السياسة الدولية، العدد 212، أبريل 2018، ص 90.
7- سمير بدوي، تأثيرات الصراعات الحدودية في القرن الإفريقي: إريتريا نموذجًا، مجلة السياسة الدولية، العدد 212، أبريل 2018، ص 103.
8- نرمين توفيق، كيف تهدد التنظيمات الإرهابية الأمن في القرن الإفريقي، مجلة السياسة الدولية، العدد 212، أبريل 2018، ص 132.
9- إياد بندر، السياسة الخارجية الإيرانية تجاه منطقة القرن الإفريقي وأثرها على أمن الخليج العربي (2005–2021)، مركز الجزيرة للدراسات، 12 أغسطس 2024.
10- نجلاء مرعي، النفوذ الإيراني في القرن الإفريقي والبحر الأحمر: السياقات والتداعيات، القاهرة: دار العربي للنشر والتوزيع، 2024. وقد صدر الكتاب حديثًا ويتناول تحديدًا النفوذ الإيراني في المنطقة وأبعاده الجيوسياسية. المركز العربي للبحوث والدراسات
11- بدر حسن شافعي، تداعيات الحرب على نفوذ إيران في أفريقيا، مركز الجزيرة للدراسات، 21 يونيو 2026.
12- القرن الإفريقي يدفع فاتورة صراع النفوذ الأمريكي الصيني، البوابة نيوز، 15 أبريل 2017.
13. Institut français des relations internationales (IFRI), L’Iran en Afrique : ambitions, stratégies et limites, Paris.
14. Institut de relations internationales et stratégiques (IRIS), L’Iran et l’Afrique : une stratégie d’influence à l’épreuve des réalités africaines, Paris.
15. Fondation pour la recherche stratégique (FRS), L’Iran et la mer Rouge : enjeux stratégiques et rivalités régionales, Paris.
16. Fondation Jean-Jaurès, L’Iran en Afrique : entre diplomatie, économie et influence religieuse, Paris.
17. Le Monde diplomatique, L’Iran cherche des relais en Afrique, Paris.
18. Le Monde, L’Iran renforce ses relations avec l’Afrique, Paris.
19. France 24, Iran : une offensive diplomatique en Afrique, Paris.
20. RFI, L’Iran veut renforcer sa présence économique et diplomatique en Afrique, Paris.





