الحوار الوطني الإثيوبي: الآمال الشعبية العظيمة وتحديات الإمبراطورية!
الحوار الوطني الإثيوبي: الآمال الشعبية العظيمة وتحديات الإمبراطورية!
بدأ في 8 يوليو الجاري وصول وفود ممثلة للإثيوبيين في الشتات للمشاركة في الحوار الوطني الإثيوبي المقرر إطلاقه رسميًا في 15 يوليو المقبل، ووصلت العاصمة الإثيوبية وفودٌ من الإمارات والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة والسويد، على أن تستمر هذه العملية بوصول وفد من جنوب أفريقيا قبيل انطلاق المنتدى بأيام قليلة (12 يوليو تقديرًا). وأعلن المفوض الرئيس للحوار بروفيسور ميسفين أرايا Mesfin Araya في 8 الجاري اكتمال ملامح سير الحوار الوطني والاستعداد لانطلاقه بكامل طاقته بعد فترة من الاستعدادات السياسية واللوجيستية الحاسمة.
ركائز أجندة الحوار الوطني: أن تأتي متأخرًا؟
برز اسم رئيس الوزراء الإثيوبي منذ تقلده السلطة قبل نحو عشرة سنوات كزعيم إصلاحي يطمح لتحقيق توافق وطني فارق في حاضر إثيوبيا ومستقبلها؛ غير أن قيادته للبلاد كشفت عن صدام متزايد بين رؤاه الشخصية لهذا “الإصلاح” (وامتزاجه بنزعة إمبراطورية/ استبدادية واضحة وتطلعات الشعب الإثيوبي لاسيما في الأقاليم المهمشة تاريخيًا. ومن هنا يمكن النظر للحوار الوطني الإثيوبي المرتقب انطلاقه على أنه خطوة متأخرة نسبيًا، على الأقل قياسًا لقيادة آبي أحمد وما سبق أن أعلنته من خطوات مماثلة لم تكتمل سابقًا. بأي حال فإنه ثمة تفاؤل إثيوبي إزاؤ الحوار المزمع، والذي اشتملت أجندته على عدة ركائز كشفت عنها المفوضية المعنية به (Ethiopian National Dialogue Commission, June 26, 2026)، ويمكن إجمال رؤيتها العامة على النحو التالي:
- تعكس ركائز الأجندة آراء وأولويات تم جمعها من مشاورات مستمرة في أرجاء جميع الولايات الإقليمية، وإدارات المدن، والمؤسسات الفيدرالية، وأفراد من الشتات الإثيوبي.
- تغطي الركائز قضايا متنوعة للغاية يوقن الإثيوبيون حاجتها لنقاش وطني، بما في ذلك بناء الدولة، وبناء الأمة، والأمور الدستورية والحكومية، وحكم القانون، واستقلال المؤسسات العامة، وبناء السلام، والمصالحة، وقضايا أخرى ذات أهمية وطنية إثيوبية.
- التزامت المفوضية بإجراء حوار شامل وشفاف وذو مصداقية يمكن الإثيوبيين من جميع مناحي الحياة من المشاركة في نقاشات هامة، وبناء تفاهم متبادل، والعمل نحو رؤية شمتركة من أجل مستقبل سلمي وديمقراطي ومزدهر لجميع الإثيوبيين.
وتضمنت الأجندة، على وجه الدقة، 8 ركائز رئيسة يمكن رصدها على النحو التالي:
- بناء الأمة: وتتناول هذه الركيزة قضايا الهوية والملكية الوطنية، وسبل تعزيز هوية وقيم وطنية مشتركة، وتناول المسائل المتعلقة باللغة والحفاظ على الثقافة والتاريخ والتراث ومسائل أخرى ذات صلة.
- بناء الدولة وشكل الحكم والنظام السياسي والتمثيل السياسي والنظم الانتخابية، وتركز هذه الركيزة على قضايا بناء الدولة وشكلها، أنماط بناء الدولة ونظام الحكم System of Governance، وحق تقرير المصير، ووتعريف وتفسير “الأمم، والجنسيات، والشعوب”، وحدود مدد تولي القادة الفيدراليين وعلى مستوى الولايات الإقليمية، والعلاقات الحكومية البينية intergovernmental relations، وتفاصيل متشعبة لإدارة الحكم المحلي في إثيوبيا، ونظام التعددية الحزبية، وغيرها.
- المدن الفيدرالية: وهي ركيزة تتعلق بطرق عمل أديس أبابا ودير داوا باتعبارهما المدينتين الفيدراليتين في إثيوبيا.
- الشؤون الدينية والشكاوى التاريخية والمصالحة: وتناقش هذه الركيزة ذات الأهمية الفائقة في المجتمع الإثيوبي مسألتي العلمانية والحرية الديينة، وما تصفه الأجندة “بالحفاظ على توازن صحي بين العلمانية وحرية (اعتناق) الأديان”، والحرية الدينية وقيودها الدستورية، وحماية مؤسسات الأقليات الدينية، والممارسات والقضايا المتضاربة مع القيم الثقافية والدينية، إضافة إلى قضايا ذات صلة من بينها المظالم التاريخية والمصالحة.
- البناء المؤسساتي وحكم القانون وحقوق الإنسان: وتتناول هذه الركيزة مسائل حقوق الإنسان، والأطر الدستورية والقانونية اللازمة لحماية هذه الحقوق، وحقوق الشخاص المشردين داخليًا، وحقوق ذوي الإعاقة، وحكم القانون، والمحاسبية، والعدالة وبناء المؤسسات، وحياد المؤسسات الديقنراطية واستقلالها وإمكانية الوصول لها.
- القضايا السوسيو-اقتصادية والفلاحين والرعاة: وتقارب الركيزة قضايا ذات صلة أبرزها حقوق المرأة، وإدارة الموارد والتوزيع العادل للسلطة، وملكية الأراضي الزراعية، والإجماع الوطني والتمثيل والحكومة الشاملة، وحقوق العمال وظروف العمل العادلة، والتنمية المستدامة والحماية البيئية.
- الفساد والحكم الرشيد: تختصر هذه الركيزة اهتمامها على تحديات الحكم الرشيد؛ وبناء نظم مناهضة للفساد، وتطوير نظم الحكم الرشيد، ومسائل ذات صلة.
- بناء السلام: وتعالج هذه الركيزة الأسباب الجذرية للصراع وسبل التسوية؛ والقضايا المتعلقة بالصراعات والفاعلين/ المجموعات المسلحة، وأسس السلام المستدام، وديناميات تسوية الصراعات التقليدية وأبرزها الاعتراف بالمشكلة، وتقوية سبل حلها والتكامل مع النظم الحديثة.؛ ومسائل المصالحة والعفو؛ وافتاقات وقف إطلاق النار والسلام، والعدالة الانتقالية، ودور المؤسسات الدينية في عملية بناء السلام.
ومن الواضح ثراء أجندة الحوار الوطني بحيث يبدو أنها تشمل مختلف الاهتمامات بين المواطنين الإثيوبين، وتحاول أن تجيب على تحديات خطيرة واجهت إثيوبيا بدءًا من تنامي المعارضة السياسية لسياسات نظام آبي أحمد ووصولًا لخطر تفكك الدولة الإثيوبية، لكن هذا التوسع الكبير في قضايا احوار الوطني المرتقب يكشف- دون قصد- عن عجز نظام آبي أحمد عن الوفاء بتعهداته التي بالغ في الدعاية لها منذ وصوله.
الحوار الوطني وبداية ولاية جديدة لآبي أحمد: تقويم السلطة أم تكريسها؟
تسير إجراءات عقد الحوار الوطني الإثيوبي جنبًا إلى جنب مع استعدادات مماثلة تقريبا بترتيب بدء ولاية جديدة لآبي احمد بعد فوزه وحزبه الحاكم في الانتخابات العامة الأخيرة التي شهدتها البلاد مطلع يونيو الفائت. واتضح من اللمسات الأخيرة الراهنة قبيل انطلاق الحوار حجم تدخل نظام آبي أحمد في وضع بنود الحوار وآليات النقاش وربما صياغة النتائج المتوقعة نهاية يوليو الجاري. وحسب مجريات الحلقات التعريفية الأخيرة التي يقودها بروفيسور أرايا (Ethiopian News Agency, July 11, 2026) فإن منصة الحوار الوطني ستمكن المواطنين من مناقشة قضايا تتعلق بشكل محدد بالسلام وبناء الأمة وحقوق الإنسان والتنمية الاجتماعية. كما أعلن أن المؤتمر سيمثل منصة هامة لمعالجة سوء الفهم والفجوات التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة في إثيوبيا وعملية بناء الدولة بها “عبر مقاربة سلمية و(أسلوب) حل المشكلات بشكل جماعي”. واقترب خطاب بروفيسور أرايا من خطاب آبي أحمد بشكل ملفت في تأكيده أن “الوحدة” Unity قد لعبت دورًا محوريًا في ترسيخ سيادة إثيوبيا وهويتها الوطنية، ومقارنة بذلك –حسب أرايا- فإن الاستعداد لمناقشة مفتوحة للمظالم التاريخية يعكس التزامًا جماعيًا بتجاوز التحديات عبر الحوار والإجماع.
لكن يلاحظ على هذه المؤشرات وتفاعلاتها عدة ملاحظات دالة في السياق الحالي:
- أن الحوار الوطني تقرر عقده بعد ضمان آبي أحمد قيادة البلاد في فترة ولاية جديدة، رغم الدعوات الشعبية الحثيثة والمكثفة التي كانت تدعو لمثل هذا الحوار منذ الشهور الأولى لتولي آبي أحمد باعتبارها هذا الحوار خطوة منطقية بعد وصوله للحكم (ومسألة كانت في قمة وعوده للشعب الإثيوبي). وكذلك بالرغم من تفويت نظام آبي أحمد توقيتات كانت مهمة للغاية لتفادي توسع أزمات إنسانية وسياسية خطيرة في أقاليم التيجراي وأوروميا وأمهرا وغيرها منذ العام 2018.
- رغم الطائفة الواسعة من المشاركين في الحوار من داخل إثيوبيا ومن خارجها (خاصة الشتات من الولايات المتحدة والإمارات وجنوب أفريقيا) فإن الحوار سيدفع بقوة نحو تعزيز ولاية آبي أحمد ونظامه على الإشراف على تطبيق مخرجاته بشكل كامل تقريبًا، مما يعني –عمليًا- تعضيد شرعية هذا النظام في الأعوام الأربعة التالية.
- لم تشر أجندة الحوار إلى أي اختبار حقيقي لشرعية نظام آبي أحمد بعد الانتخابات الأخيرة التي طعنت في شرعيتها كثير من الأحزاب والمؤسسات الإثيوبية المعارضة أو التي لم تشارك بالأساس في هذه العملية الانتخابية (وأبرزها إقليم التيجراي الذي لم يشارك كلية في هذه الانتخابات)، مما يعني اتساق الحوار بشكل كامل مع منهج ىبي أحمد في الحكم وقوامه القفز فوق المشكلات الراهنة.
- لم تتضح على وجه الدقة طبيعة مشاركة ممثلين من أقاليم التيجراي وأوروميا والأمهرا. وكانت مفوضية الحوار الوطنية قد دعت “المعنيين في إقليم تيجراي للمشاركة في الحوار منذ أبريل الماضي، لكن التوترات في الإقليم وارتباك أوضاعه حالت دون المشاركة الفعالة والحقيقية لممثلي الإقليم في الحوار الجاري، رغم إعلانه إجراء أكثر من 22 لقاءً تشاوريًا مع معنيين من إقليم التيجراي حتى نهاية أبريل 2026.
- استبق رئيس الوزراء آبي أحمد التوقعات المرتفعة بخروج الحوار الوطني بنتائج “ملزمة” لحكومته في مختلف الملفات بطرح مشاريع مضادة لمثل هذه التوقعات. وعلى سبيل المثال سلم حزب الازدهار لمفوضية الحوار الوطني مطلع يوليو الجاري مقترحًا بوضع قيود دستورية على فترة الحكومة بفترتين اثنتين فقط في السلطة، ما يعني ضمنيًا الإقرار بولاية الحكومة الحالية (والتالية حتى العام 2034)، ومن ثم تفادي أية مقترحات قد يتم تقديمها لتكوين حكومة وحدة وطنية أو حكومة انتقالية يكون حزب الازدهار شريكًا فيها.
- كما يبدو أن تركيز الحوار على قضايا مثل حقوق الإنسان والحكم الرشيد يستهدف في جانب منه تخفيف الضغوط الدولية (ولاسيما الأمريكية) على أديس أبابا في هذا الملف. وتجدر الإشارة هنا إلى عقد الكونجس الأمريكي (Borkena, July 10, 2026) جلسات استماع افتراضية حول ملف حقوق الإنسان في إثيوبيا في جهد تقوده مفوضية توم لانتوس لحقوق الإنسان Tom Lantos Human Rights Commission (TLHRC)، وضمت الجلسة أعضاء بالكونجرس وموظفين به ومتخصصون في السياسات الخارجية ومنظمات إنسانية ونشطاء في مجال حقوق الإنسان “لمناقشة أوضاع حقوق الإنسان المتدهورة في إثيوبيا”.
بأي حال فإن الحوار الوطني الإثيوبي يكتسب أهمية من كونه أداة مستحدثة لتطوير مستقبل إثيوبيا السياسي وتقديم حلول أو خطط طريق لتسوية كثير من مشكلات إثيوبيا العالقة منذ عقود، ومن بينها مسائل تقرير المصير وتمثيل الشعوب الإثيوبية تمثيلًا عادلًا وتوزيع عادل للثروة وغيرها من القضايا الهامة؛ لكن التأجيل المستمر للحوار (منذ العام 2024 على وجه التحديد) فيما كانت البلاد تواجه أزمات سياسية بالغة الخطورة، وإطلاق الحوار بالتزامن مع ترسيخ آبي أحمد لفترة ولاية جديدة لحكومته يوحي بأن الحوار سيكون عملية تجميلية لنظام آبي أحمد، لاسيما ان إلزامية قراراته لهذا النظام غير مؤكدة، الأمر الذي يدل عليه تدخل حزب الازدهار الحاكم بمقترحات تشمل كافة ركائز الحوار، وتتسم –هذه المقترحات- بخدمة مصالح الحزب والدفاع عن مواقفه في وجه أية مطالب أو مقترحات معارضة فدارة آبي أحمد للبلاد.




