بين بروتوكولات الاستقبال الملكي الفخم في قاعدة الصخير الجوية بالمنامة، والتحركات الميدانية المعقدة في جبهات القتال بالسودان، تظل الدبلوماسية السودانية تبحث عن مسارات لتثبيت الشرعية وصناعة تحالفات مرنة تضمن بقاء الدولة ومؤسستها العسكرية. في الثالث عشر من مايو 2026، اختتم رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، زيارة خاطفة إلى مملكة البحرين، محاطة بحفاوة استثنائية من الملك حمد بن عيسى آل خليفة، الذي كسر قيود البروتوكول ليكون في مقدمة مستقبليه.
تأتي هذه الزيارة في سياق جولة خليجية مكثفة شملت عدة دول، لتطرح تساؤلات جوهرية حول أبعاد هذا التحرك الدبلوماسي الرفيع؛ فهل هي محاولة لكسر عزلة تروج لها المليشيا وداعميها، أم أنها تدشين لمنصة تفاوضية بديلة، أم مناورة استباقية لترتيبات دولية وإقليمية تبحث مستقبل السودان بعد الحرب.
دلالات الاستقبال: معركة الشرعية وتفنيد العزلة
حمل المشهد البروتوكولي في المنامة رسائل سياسية بالغة الأهمية للداخل والخارج على السواء. ففي الوقت الذي تسعى فيه مليشيا الدعم السريع عبر آلتها الإعلامية والسياسية إلى تصوير القيادة العسكرية السودانية على أنها معزولة دولياً وإقليمياً، جاء استقبال ملك البحرين للبرهان بصفته “رئيس الدولة” وبمراسم ملكية كاملة ليجهض هذه السردية.
ولم تكن الحفاوة مجرد مجاملة دبلوماسية، بل عكست تقاطعاً في المصالح الأمنية والسياسية، وحملت رسائل مختلفة، منها:
– تضامن سوداني مع البحرين: جدد البرهان إدانة السودان للعدوان الإيراني الذي استهدف البحرين، مؤكداً مساندة الخرطوم للمنامة في كل ما تتخذه من تدابير لحماية سيادتها. هذا الموقف يمنح الدبلوماسية العسكرية السودانية رصيداً ك كحليف موثوق في منظومة الأمن العربي.
-تثبيت الشرعية : في المقابل، يمثل الدعم البحريني اعترافاً صريحاً وواضحاً بأن الحكومة السودانية بقيادة البرهان وبشقها المدني قيادة رئيس الوزراء كامل إدريس هي العنوان الشرعي الوحيد للدولة السودانية، وأن أي تعامل مع “المليشيا” لا يتعدى كونه تعاملاً مع جماعة متمردة بلا غطاء قانوني أو سياسي.
كواليس المنامة إعادة التموضع
خلف هذا الستار البروتوكولي، كشفت بعض المصادر الإعلامية أن العاصمة البحرينية تحولت منذ السابع من مايو 2026 إلى “غرفة انتظار” ومقر لقاءات سرية غير رسمية، جمعت مبعوثين أمريكيين وأوروبيين بمستشارين عسكريين من الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع، وجهات ذات صلة بها.
إن اختيار المنامة كأرض محايدة للمرة الثانية – بعد أن احتضنت سابقاً لقاءات بين الفريق شمس الدين كباشي ونائب قائد المليشيا – يعكس رغبة دولية (أمريكية-أوروبية) في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بعيداً عن صخب المنصات التقليدية وضغوط المحاور الإقليمية الكبرى. وتهدف هذه اللقاءات إلى:
- اختبار جدية الطرفين في الحوار.
- التمهيد لاتفاقيات أولية تشمل وقفاً محلياً لإطلاق النار يتزامن مع ضغوط أوروبية لتبرير تعهدات برلين المالية البالغة 1.5 مليار دولار.
- التخفيف من وطأة الوضع الإنساني المتردي بعد تقارير أممية مقلقة عن مقتل مئات المدنيين وتدمير البنيات التحتية بضربات الطائرات المسيّرة التي تقف ورائها المليشيا وداعميها.
تكشف جولة البرهان التي شملت الرياض ومسقط والمنامة أن المسار التفاوضي للأزمة السودانية دخل طوراً جديداً تجاوز جمود “منبر جدة” وتعثر مبادرات الاتحاد الأفريقي- الذي ما زال معلقا لعضوية السودان فيه- والهيئة الإقليمية المعنية بالتنمية في أفريقيا “إيقاد”، والتي جمد السودان عضويته فيها احتجاجاً على سلوكها السياسي.
كما تشير معلومات إلى تحرك واشنطن وأوروبا عبر البحرين لخلق حالة توازن تقلل من الهيمنة المباشرة للمحاور الإقليمية المتصارعة، مع إبقاء الخليج في دائرة التأثير. وتعد البحرين، جغرافياً وسياسياً، قريبة من أبوظبي؛ مما يعني أن زيارات البرهان الخارجية ربما شملت تقديم تعهدات متبادلة تضمن قبول دولة الإمارات بمسار تفاوضي معها وفق شروط الحكومة السودانية وبرعاية غربية. كما أن الاتفاق الثنائي الأخير بين الإمارات وبريطانيا لإدانة الهجمات على المدنيين ربما يعيد أبوظبي إلى الواجهة عبر بوابة أوروبية قوية تمنحها مقعداً على منصة التفاوض دون الصدام المباشر مع الرياض أو القاهرة.
في المقابل، تتابع الرياض المشهد بحذر؛ إذ تبحث عن تسوية تحافظ على تماسك الجيش السوداني كضامن وحيد لمنع تمدد الفوضى نحو البحر الأحمر، بينما تستثمر مسقط دورها كوسيط هادئ لاستيعاب التقاطعات المعقدة للملف السوداني مع أطراف مثل إثيوبيا.
السودان بعد الحرب .. ضغوط الغرف المغلقة والتوازنات الداخلية
بالتوازي مع هذه التحركات، سربت أوساط دبلوماسية نقاشات تدور خلف أبواب مغلقة حول شكل الدولة والحكومة السودانية بعد إنهاء الحرب، هذه النقاشات تزامنت مع التعيينات العسكرية الأخيرة داخل الجيش السوداني، وفي مقدمتها تعيين الفريق ياسر العطا رئيساً للأركان، وهو ما أثار مخاوف بعض القوى الإقليمية من تنامي نفوذ التيار الإسلامي داخل مركز القرار العسكري.
ويدور حديث أن رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان يواجه معادلة ضاغطة، تبدأ عسكرياً وسياسياً، حيث يواجه ضغوطاً خارجية متصاعدة، لا سيما بعد رفع واشنطن حظر السلاح عن إثيوبيا وتغاضيها عن التمدد العسكري في المنطقة.
وميدانياً حيث يستفيد الجيش من الانشقاقات المتتابعة في صفوف مليشيا الدعم السريع، والتي أضعفت بالتأكيد موقف محمد حمدان دقلو (حميدتي) التفاوضي بشكل كبير وملموس.
لذلك، يظهر التشدد في الخطاب العلني للبرهان (“لا كلام ولا سلام”) وتهديدات حميدتي بالمقابل، كسلوك نمطي يسبق أي تسوية، بهدف رفع السقف التفاوضي وانتزاع أكبر قدر من التنازلات داخل غرف المنامة المغلقة.
سيناريوهات المستقبل ومآلات الحركة الدبلوماسية
زيارة البرهان للبحرين لم تكن مجرد محطة بروتوكولية في مسار العلاقات الثنائية، بل كانت مناورة دبلوماسية رفيعة المستوى في توقيت بالغ الحساسية والدقة، مما أكد أن الزيارة أرسلت رسائل واضحة في عدة اتجاهات: إلى الداخل السوداني بأن الشرعية الدستورية والعسكرية لا تزال ثابتة في وجدان المحيط العربي؛ وإلى القوى الدولية بأن الجيش مستعد للانخراط في مسارات تفاوضية مرنة ومحايدة؛ وإلى الأطراف الإقليمية بأن أي ترتيبات تخص مستقبل السودان لا يمكن أن تمر دون المرور عبر بوابة الحكومة السودانية الحالية والمؤسسة العسكرية العريقة.
وبانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، يظل السؤال قائماً: هل تكون المنامة بوابة الخروج بالسودان إلى بر الأمان، أم أنها مجرد محطة لالتقاط الأنفاس قبل جولة جديدة من صراع الإرادات؟، وأمام هذه المعطيات المتشابكة، يتبلور المشهد السوداني بين ثلاثة مسارات ومشاهد محتملة، هي:
المسار الأول: انتزاع الدعم وتثبيت الموقع
نجاح الفريق البرهان في استثمار جولته الخليجية لانتزاع دعم سياسي واقتصادي يثبّت موقعه كرئيس للمرحلة الانتقالية، مقابل إبداء مرونة في التعاطي مع “خارطة طريق برلين” أو “مسار المنامة” الجديد، مع تقديم ضمانات بشأن طبيعة التعيينات العسكرية ومستقبل التيارات السياسية في السلطة.
المسار الثاني: الانتقال السلس داخل المؤسسة العسكرية
استمرار الضغوط الإقليمية والدولية الهادئة لتهيئة انتقال القيادة داخل المؤسسة العسكرية؛ بحيث يتم الحفاظ على الجيش كمظلة شرعية ووحيدة للدولة السودانية لمنع انهيارها، مع تغيير رأس القيادة كجزء من صفقة تسوية شاملة تحظى بقبول الأطراف الدولية والإقليمية.
المسار الثالث: التجميد الميداني والهدن المحلية
وهو السيناريو الأقرب على المدى القصير، حيث من المؤمل أن تنجح لقاءات المنامة السرية في صياغة “هدنة محلية مؤقتة” كاختبار للنوايا، يتم البناء عليها لاحقاً للانتقال إلى مفاوضات أوسع، مما يمنح الجيش وقتاً لترتيب صفوفه، ويمنح القوى الغربية مبرراً للمضي قدماً في خطط الإغاثة والتعهدات المالية.





