تصاعد هجمات بوكو حرام يعيد التوتر الأمني إلى حوض بحيرة تشاد
تصاعد هجمات بوكو حرام يعيد التوتر الأمني إلى حوض بحيرة تشاد
شهدت منطقة حوض بحيرة تشاد خلال الأيام القليلة الماضية؛ تصعيدًا كبيرًا بعد الهجمات الإرهابية التي نفذتها جماعة بوكو حرام الإرهابية على قواعد عسكرية في تشاد ونيجيريا، وأسفرت عن مقتل أكثر من 50 جنديًّا وإصابة العشرات من جيشي البلدين (1).
وقد اعتمدت الجماعة في هجماتها الأخيرة على تكتيكات جديدة، تقوم على الكر والفر، وعمليات التسلل، مستندة إلى خبرات محلية ومعلومات ميدانية، وسط مخاوف من عودة التصعيد الأمني في حوض بحيرة تشاد.
وتواصل جماعة بوكو حرام وفصائلُ مُنْشَقَّةٌ عنها؛ شنَّ هجماتٍ نوعية تستهدف مواقعَ عسكرية ومدنية في المنطقة، حتى مع مقتل عدد من قادتها البارزين، واعتقال آخرين في تشاد والنيجر ونيجيريا، إذْ قُتِل زعيم الجماعة إبراهيم باكورة المعروف بلقب: أبي أميمة في النيجر، كما قُبضَ على مسلم محمد يوسف نجل مؤسس الجماعة في أغسطس 2025 بالعاصمة التشادية أنجمينا.
كما أسهمت حالة عدم الاستقرار الأمني في المنطقة؛ إلى تنامي ظاهرة اختطاف المدنيين على يد عصابات مسلحة تابعة للجماعة، وأخرى مستقلة؛ مقابل طلب فدى مالية، ما فاقم من التحديات الأمنية والإنسانية التي تواجهها دول حوض بحيرة تشاد.
هجمات متكررة تعيد الجماعة إلى الواجهة:
تُعَدُّ منطقة بحيرة تشاد الممتدَّة عبر دول تشاد ونيجيريا والنيجر والكاميرون؛ إحدى أبرز البُؤَر لنشاط الجماعات الجهادية في غرب أفريقيا، إذ تحولت منذ العام 2009 إلى ملاذ لمقاتلي جماعة بوكو حرام وتنظيم داعش، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة، وضعف الرقابة الحدودية بين الدول الأربعة.
وقد شهدت دول منطقة حوض بحيرة تشاد في الأشهر القليلة الماضية؛ تصعيدًا عنيفًا تجاوز الأنماط التقليدية السابقة، إذ لُوحظ تزايد الوتيرة في هجمات فصيل “جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد” التابعة لبوكو حرام، التي استهدفت مواقع عسكرية ومدنية إلى جانب تنفيذهم لعمليات خطف وهجمات مباغتة على القوات الأمنية في نيجيريا والنيجر والكاميرون وتشاد (2).
وتعد مناطق شمال شرق نيجيريا وخاصة ولاية بورنو؛ من أكثر المناطق تضرُّرًا من نشاط الجماعة، إذْ تواصل الفصائل المسلحة تنفيذ هجمات متفرقة على القرى والقواعد العسكرية مستغلة التحديات الأمنية واتساع المناطق الحدودية.
أما في تشاد؛ فقد برزت التطورات الأمنية بصورة أكثر حدة خلال المدة الأخيرة وذلك بعد تعرض مواقعَ عسكريةٍ تشاديةٍ لسلسلة هجمات دامية في إقليم البحيرة، ففي أكتوبر من العام 2024 أدى الهجوم العنيف على قاعدة “بركرام” في إقليم البحيرة إلى مقتل نحو 40 جنديًّا تشاديًّا وإصابة العديد منهم، ما دفعَ السلطات التشادية إلى إطلاق عملية عسكرية باسم (حسكنيت)، وذلك لتعقب الجماعة وتنفيذ عمليات تمشيط واسعة في المنطقة.
وقد تعرضت وحدة عسكرية متقدمة من قوات الدفاع والأمن التشادية في مارس الماضي؛ لهجوم جديد شنَّتْهُ جماعة بوكو حرام في منطقة بحيرة تشاد، ما أدى إلى مقتل جنديين وإصابة آخرين، قبل أن تشهد قاعدة “بركة تورلوم” مساء يوم 4 مايو 2026 إلى هجومٍ دامٍ أدى إلى مقتل نحو 27 جنديًّا من بينهم ضباط كبار وإصابة آخرين، ما دفع الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ في الإقليم مدة عشرين يومًا إلى جانب فرض حظر تجول وإغلاق للحدود.
كما أدانت العديد من منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية في الداخل، إلى جانب بعض الدول والمنظمات الإقليمية والدولية؛ هذه الهجماتِ، داعيةً إلى ضرورة التكاتف وتوحيد الجهود لمواجهة التهديدات المتصاعدة للجماعات الإرهابية في المنطقة.
غارات جوية واسعة ودعوات أممية لفتح تحقيق:
في إطار التصعيد العسكري المتواصل على الجماعة الإرهابية عقب هجماتها الأخيرة؛ كثّفت القوات الجوية التشادية خلال الأيام الماضية عملياتها على مواقع يُشتبه في ارتباطها بتنظيم بوكو حرام في بحيرة تشاد (3).
واستهدفت العمليات الجوية سلسلة من الغارات المركزة التي طالت الجزر والممرات الوعرة داخل بحيرة تشاد، وهي مناطق تُعد ملاذًا تقليديًّا للجماعات الإرهابية.
وقد اعتمدت القوات التشادية على طائرات قتالية ومروحيات هجومية، إلى جانب طائرات مسيّرة تركية الصنع من طراز “أنكا” و“أكسونغور” لتنفيذ ضربات دقيقة استهدفت مواقع لوجستية، ومراكز يُعتقد أنها تُستخدم لتجميع وتحرك العناصر الإرهابية.
في المقابل؛ دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى فتح تحقيقات مستقلة ومحايدة بشأن العمليات الجوية في منطقة بحيرة تشاد، وذلك عقب تقارير تحدثت عن احتمال سقوط ضحايا مدنيين (4)، من بينهم صيادون وسكان محليون كانوا في مناطق قريبة من مواقع الاستهداف أثناء تنفيذ الغارات، مؤكدة أن هذه التطورات تثير مخاوف جدية في إطار القانون الدولي الإنساني، خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
وشددت الأمم المتحدة على ضرورة ضمان الشفافية والمساءلة في العمليات العسكرية الجارية على الجماعات المتطرفة، محذرة من أن استمرار العمليات دون رقابة دقيقة قد يزيد من تعقيد الوضع الإنساني في المنطقة.
من جهتها رفضت الحكومة التشادية هذه الاتهامات بنحوٍ قاطع، مؤكدة أن عملياتها تستهدف حصريًا مواقع الجماعات الإرهابية، وأنها تأتي في إطار الدفاع المشروع عن الأمن الوطني وحماية المدنيين من تهديدات الجماعات المسلحة (5).
التداعيات الإنسانية للنزاع:
تشير أحدث التقارير من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)؛ إلى أن الوضع في حوض بحيرة تشاد لا يزال في تدهور مستمر جراء تزايد نشاط جماعة بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية، إذْ بلغ عدد النازحين داخليًا في المنطقة نحو 2.9 مليون شخص حتى منتصف عام 2025 مع تسجيل زيادة في أعداد اللاجئين والنازحين العائدين؛ نتيجةً لاستمرار غياب الأمن في مناطق واسعة من شمال شرق نيجيريا وتشاد والنيجر والكاميرون.
كما تُظهر البيانات أن الأزمة لم تعد تقتصر على النزوح فقط؛ بل أصبحت أزمة متعددة الأبعاد، إذ يواجه نحو 10 ملايين السكان انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، مع تقديرات تشير إلى أن نحو 4.9 ملايين من الأشخاص في المنطقة؛ مُعَرَّضُون لمستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية خلال عام 2025.
وفي سياق متصل؛ تؤكد تقارير إنسانية حديثة أن العمليات العسكرية والهجمات المتكررة للجماعات المسلحة أدت إلى إغلاق مئات المدارس (أكثر من 1800 مدرسة في بعض مناطق الحوض) مما حَرَمَ آلاف الأطفال من التعليم، وزاد من مخاطر التجنيد القسري والانخراط في النزاع.
كما يبدو أن الجماعة الإرهابية أصبحت تمتلك قدرة أكبر على قراءة تحركات القوات العسكرية في دول المنطقة، وفهم أنماط انتشارها، سواءً من خلال خبرتها الميدانية المتراكمة في الإقليم، أو عبر شبكات دعم ومصادر معلومات ميدانية غير مباشرة.
ومع استمرار العمليات العسكرية طيلة سنواتٍ مضتْ، والجهود الإقليمية والدولية لاحتواء نشاط الجماعات الإرهابية في المنطقة، وعلى رأسها بوكو حرام؛ إلا أنها لا تزال قادرةً على إعادة التموضع وشن هجمات مؤثرة بين الحين والآخر.
ويعود سبب استمرار هذا النمط من التصعيد؛ إلى مجموعة من العوامل المتداخلة من بينها طبيعة البيئة الجغرافية المعقدة لحوض بحيرة تشاد، إذْ تتيح البحيرة وجزرها المتناثرة ملاذات آمنة يصعب على جيوش المنطقة الوصول إليها بسهولة، ما يمنح العناصر المسلحة هامشًا واسعًا للمناورة والاختباء وإعادة الانتشار.
كما أسهمتْ التحولات الإقليمية والدولية الأخيرة في تعقيد المشهد الأمني، ولا سيما انسحاب القوات الفرنسية من عدد من دول غرب أفريقيا، وما ترتب عليه من فراغ أمني نسبي، وإعادة تَشَكُّل لخريطة التعاون العسكري والاستخباراتي في المنطقة.
كما أن انسحاب النيجر في أبريل 2025 من القوة المتعددة الجنسيات في حوض بحيرة تشاد (6)، وهي آلية إقليمية تأسست عام 2015 وتضم تشاد ونيجيريا والكاميرون إلى جانب النيجر؛ أدى إلى تداعيات أمنية مباشرة تمثلت في تراجع مستوى التنسيق العسكري والاستخباراتي بين دول الحوض، ما أسهم في خلق ثغرات أمنية استغلتها الجماعات المسلحة وعلى رأسها بوكو حرام وتنظيم داعش في غرب أفريقيا؛ لتنفيذ هجمات متكررة مع زيادة الضغط على تشاد ونيجيريا اللتين أصبحتا تتحملان العبء الأكبر في عمليات المواجهة (7).
الهوامش:
1- يورونيوز عربية، “هجوم لبوكو حرام على قاعدة عسكرية في تشاد يخلّف أكثر من 20 قتيلًا”، 5 مايو 2026.
2-مركز CASS للدراسات الاستراتيجية، “تصاعد هجمات بوكو حرام وتنظيم الدولة في نيجيريا”، 20 أبريل 2026.
3- منصة بي إل نيوز، “الجيش التشادي يشن غارات جوية مكثفة على مواقع بوكو حرام”، 10 مايو 2026.
4-فرانس 24 العربية، “الأمم المتحدة تطالب نيجيريا وتشاد بإجراء تحقيقات بعد مقتل مدنيين”، 13 مايو 2026.
5- وكالة الأنباء التشادية، “الحكومة التشادية ترفض اتهامات أممية بشأن العمليات العسكرية”، 15 مايو 2026.
6 – الجزيرة نت، “النيجر تسحب قواتها من تحالف مكافحة الإرهاب”، 1 أبريل 2025.
7- إرم نيوز، “تقرير حول تداعيات انسحاب النيجر من “قوة بحيرة تشاد”، 30 مارس 2025.




