الاستخباراتالنزاعات الداخلية والإقليمية

روسيا توطد علاقاتها مع مدغشقر: تحولات الجنوب الأفريقي المراوغة!

روسيا توطد علاقاتها مع مدغشقر: تحولات الجنوب الأفريقي المراوغة!

فيما كانت تجري على بُعد آلاف الأميال البحرية من جزيرة مدغشقر حربًا أمريكية شعواء على إيران كان الكولونيل ميشيل راندرينيرينا القائم برئاسة الدولة الجزرية الكبيرة منذ أكتوبر 2025 عقب انقلاب عسكري، يستقبل في أكبر موانئ بلاده شحنة مساعدات عسكرية وغير عسكرية (تشمل طائرات هيليكوبتر وشاحنات وأرز) من روسيا (بلومبرج، 8 أبريل). ووجه الرئيس المالاجاشي شكرًا خاصًا “لأخيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هذه الهعبات”، التي رأى أنها “تميز استمرارًا للعلاقات الودية الممتدة بين مدغشقر وروسيا”، والتي ستعمل بلاده على بعثها وتقويتها. وقد أكدت هذه الخطوة صحة التقارير التي ظهرت في ديسمبر الماضي عن دعم روسيا للمجلس العسكري في مدغشقر بالأسلحة والخبراء العسكريين بعد نحو شهرين فقط من الانقلاب على الرئيس السابق أندري راجولينا وفراره إلى فرنسا. ويكشف هذا التوجه، مع وضعه جنبًا إلى جنب حق النقض الذي استخدمته موسكو (وبكين) ضد مشروع قرار بحريني في مجلس الأمن  (7 أبريل) يقضي “بتشجيع الدول على تنسيق جهودها لحماية النقل التجاري في مضيق هرمز”، وما وصفت به العاصمتان مشروع القرار بأنه “إجراء متحيز ضد إيران”، عن تحرك روسي متسارع في دول أفريقية متنوعة استغلالًا لحالة الانكشاف الاستراتيجي الراهنة التي تمر بها الولايات المتحدة وحروبها المتنقلة من فنزويلا إلى إيران إلى التهديد بحرب في كوبا.

روسيا ومدغشقر: تعزيز “الجنوب العالمي”؟

أظهرت موسكو، التي تؤكد في خطابها السياسي الدولي على أجندة الجنوب العالمي ومواجهة الهيمنة الأمريكية- الغربية، بكل وضوح عقب انقلاب 12 أكتوبر 2025 في مدغشقر استعدادًا لبناء صلات مع القيادة الجديدة، وإرساء نمط متكرر في علاقات روسيا بالدول الأفريقية التي سقطت بها حكومات إثر انقلابات عسكرية. وفي غضون ما يقل عن ستة أشهر فقط من انقلاب 12 أكتوبر بدت صحة توجهات موسكو، إذ استضاف الرئيس الروسي بوتين الرئيس المالاجاشي الجديد راندريانيرينا -في أول زيارة خارجية للأخير- في الكرملين، خلافًا لسوابق رؤساء مدغشقر بتكريس أولى زياراتهم الخارجية تقليديًا إلى باريس.

تقوم روسيا بتقوية علاقاتها مع مدغشقر أملًا في الوصول لموارد الأخيرة الاستراتيجية وتأمين حركة سفنها في الطرق البحرية في المحيط الهندي. وجاءت هذه الجهود بشكل مكثف منذ انقلاب أكتوبر 2025 في أكبر جزر أفريقيا، وهو الانقلاب الذي خلق فرصًا جديدة لتوسيع موسكو وجودها في أفريقيا. وكان الرئيس بوتين قد أكد عقب لقاء له مع زعيم مدغشقر راندريانيرينا أنه “يمكنني القول الآن أن مدغشقر واحدة من شركائها المهمين في أفريقيا”. كما لاحظت تقارير غربية متوجسة من هذا التحرك الروسي (8 أبريل الجاري) أن ممثلين من بنك Promsvyazbank الروسي (المملوك للدولة) قد زاروا الجزيرة لاستكشاف فرص التعاون المالي والتجاري معها، مع ملاحظة ملفتة بتكوين حزب سياسي في مدغشقر يحمل اسم “أصدقاء روسيا” يهدف بالأساس لتعزيز صلات أوثق لبلادهم مع دول البريكس (ولاسيما روسيا والصين وجنوب أفريقيا).

ورصدت تقارير غربية إقدام شركات إعلامية استخباراتية روسية على التخطيط لحملات تشويه “لإجبار” رئيس مدغشقر راجولينا على “السعي لنيل مساعدة روسيا مرة أخرى في العام 2023. وحسب تقرير نشر أخيرًا لمنصة Forbidden Stories (13 مارس 2026) فإن خبراء كانوا على إطلاع على مقاربة روسية مع راجولينا خلال فترة رئاسته الثانية، كما لاحظوا محاولة موسكو التواصل مع عدد من المرشحين خلال حملة انتخابات العام 2018 في مدغشقر، وان راجولينا كان قد تعهد أنه في حال فوزه في تلك الانتخابات “سيتحرك نحو علاقات اوثق مع الاتحاد الروسي”، مما يشير هنا إلى عمق الاهتمام الروسي بالوضع السياسي في مدغشقر، وأن التحرك الحالي هو بناء على سنوات من الاهتمام المرتبط، بطبيعة الحال، بمصالح روسيا الاقتصادية والأمنية في المحيط الهندي وجنوب أفريقيا. وبفوز راجولينا اعتبر “العملاء الروس” أن “مدغشقر باتت أول دولة أفريقية حقق فيها التدخل السريع والفعال للمتخصصين الروس في مجال الاستشارات السياسية والإعلامية تأثيرًا لمستوى إمكانية تغيير نتائج انتخابات رئاسية.

ووفقًا لتقارير “سرية” حينذاك (في العام 2018-2019) فإن حكومة راجولينا اتخذت مواقف في الأمم المتحدة تصورتها القوى الغربية “منحازة نسبيًا لموسكو فيما يتعلق بغزو الأخيرة لأوكرانيا”، او على الأقل أنها لم تنحز للمصالح الغربية. لكن مواقف راجولينا تغيرت سريعًا بفضل ضغوط دبلوماسية من الولايات المتحدة وأوروبا ، والتي نجحت بشكل واضح في ظل “سلبية وزارة الخارجية الروسية وعجز السفارة الروسية في مدغشقر” عن ترجمة الاهتمام بالأخيرة إلى واقع ملموس؛ الأمر الذي اتضح في غعادة تموضع راجولينا في النهاية بحيث نأى بحكومته ونفسه عن الكرملين.

وقد عبر الرئيس المالاجاشي راندريانيرينا خلال زيارة العمل الهامة التي قام بها لموسكو (فبراير 2026) عن أمله في نقل الشراكة الروسية- المالاجاشية إلى مستوى جديد وتوسيع التعاون الاقتصادي، والبناء على علاقات تعاون قائمة منذ 55 عامًا “فيما تستعد مدغشقر لبناء شراكات جديدة مع الاتحاد الروسي”. كما أكد راندريانيرينا التزامه القوي بتقوية العلاقات

روسيا تدعم مدغشقر عسكريًا: حدود الدعم والتأثير

أسرعت روسيا عقب انقلاب أكتوبر 2025 في مدغشقر إلى التقارب مع الأخيرة، ووعدتها بتقديم كل الدعم الممكن. وسرعان أن وردت تقارير في يناير 2026 ببدء تلقي مدغشقر معدات عسكريًا وتدريبًا أمنيًا وعسكريًا من قبل روسيا مع استقبال موسكو عددٌ من كبار المسؤلين المالاجاشيين للتدريب في روسيا. كما أوردت صحف أوروبية مهمة (مثل البايس الإسبانية وبلومبرج) عقد لقاءات بين قيادة الفيالق الأفريقية (الفرع الأفريقي السابق لفاغنر) والرئيس راندريانيرينا، وقدم هؤلاء القادة عرضًا له بتوفير الحماية الشخصية بعد شكاوى منهم بتعرضه لمؤامرات مختلفة تستهدف اغتياله.

ومنحت روسيا خلال الربع الأول من العام الجاري مدغشقر مجموعة متنوعة من المعدات العسكرية بما فيها طائرتي هيليكوبتر من طراز Mi-8 وستة شاحنات من طراز KamAZ (في فبراير 2026) لمساعدات قوات الدفاع المدني المالاجاشية في مواجهة تداعيات إعصاري فيتيا وجيزاني، إضافة إلى عدد ضئيل من الأسلحة الصغيرة وما لا يقل عن عربتين مسلحتين من طراز BMP-3 تم نقلها في أبريل الجاري لاستخدامات عسكرية مباشرة لا تتعلق بمواجهة الكوارث. ووصف وزير الدفاع المالاجاشي إيلي رازافيتومبو Ely Razafitombo هذه المساعدات الروسية “بالأصول الاستراتيجية للجيش المالاجاشي”.

وقد أكدت تقارير روسية مختلفة (2 أبريل الجاري) هذه التفاصيل بشكل أو بآخر، إذ ركزت على ما وصفته “بإمداد روسيا مدغشقر بأسلحة لحكومتها العسكرية” وشملت هذه الإمدادات عربات قتال مشاة من طراز BMP-3 ووصفتها بأنها “المعدات الأكثر حداثة وقوة التي تتلقاها مدغشقر في تاريخها”، إلى جانب نظم دفاع جوي محمولة بشريًا. وحسب لقطات مفرج عنها كان ثمة ما لا يقل عن عربتين BMP-3 (السابق الإشارة لهما)، فيما يظل العدد الإجمالي للعربات التي تم نقلها لمدغشقر غير معروف. كما وفرت روسيا للجيش المالاجاشي ذخيرة ومعدات لقوات المشاة. ولفتت هذه التقارير الانتباه إلى كون هذه العربات الأحدث من نوعها التي تدخل الخدمة في الجيش المالاجاشي. كما كشفت هذه التقارير أن الاتحاد الروسي قد نقل في 24 فبراير الفائت، أو قبل أقل من أسبوع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، شحنة مساعدات وحمولة تزن 63 طنًا إلى مدغشقر كانت مصنفة رسميًا “مساعدات إنسانية” لمساعدة مدغشقر عقب إعصار فيتيا، ونقلت هذه “المساعدات” طائرتان روسيتان عسكريتان من طراز II-76ن و An-124 تابعتان لوزارة الدفاع الروسية ووزارة أوضاع الطوارئ Ministry of Emergency Situations  بالاتحاد الروسي.

روسيا ومدغشقر وسياق الجنوب الأفريقي

يلاحظ بشكل عام سعي روسيا -من وراء توطيد علاقاتها مع مدغشقر- إلى حزمة من الأهداف، ولا يقتصر ذلك بطبيعة الحال على الشق الأمني- العسكري أو حتى الجيواستراتيجي بعيد المدى؛ بل ربما تريد روسيا زيادة نفوذها في الإقليم في أفرييقا الجنوبية من أجل كسب مزيد من السيطرة في قناة موزمبيق بالغة الأهمية في مشروع روسيا لتوسيع إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى جنوب أفريقيا (ومن ثم تمتين العلاقات مع بريتوريا الساعية بقوة للفكاك من أزمة طاقوية مزمنة تهدد قطاعها اقتصادها بتراجعات خطيرة). وكانت روسيا قد حاولت أكثر من مرة تعزيز مواقفها تلك عن طريق مدغشقر حتى جاءت فرصة ما بعد انقلاب أكتوبر 2025 لتمثل اللحظة المثالية لتلك الجهود الروسية.

في منتصف أبريل 2026 اتهمت الحكومة الأنجولية مواطنين روسيين “بارتكاب أعمال الإرهاب والتخريب” كجزء من حملة التشويه الإعلامي التي تستهدف إذكاء نيران الاحتجاجات المناهضة للحكومة قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة. وحسب تقارير غربية (14 أبريل) فإن أنجولا كانت من أواخر الدول الأفريقية التي تواجه عمليات روسية مماثلة تديرها مجموعة من عناصر من “مجموعة فاغنر” التي تم حلها، وتعرف المجموعة المشكلة كأحد أذرع فاغنر باسم African  Politology (التي يصفها موقع “مشروع فاغنر” على النحو التالي: تابعة ليفجيني بريجوزين زعيم فاغنر الراحل، وتطور استراتيجيات وآليات لحث الدول الغربية على سحب تواجدها في أفريقيا، والانخراط في سلسلة من مهام التأثير الروسي في أفريقيا في جمهورية أفريقيا الوسطى، على أن تشمل تحجيم النفوذ الغربي، ونزع المصداقية عن الأمم المتحدة والقيام برفع قضايا ضد المنافذ الإعلامية الغربية). ويمكن قراءة اتهامات الحكومة الأنجولية، إلى جانب خطوات أخرى تقوم بها دولة مثل جنوب أفريقيا لاسترضاء الإدارة الأمريكية، في سياق سعي دول أفريقيا الجنوبية لتفادي التهديدات الأمريكية المستمرة بمحاصرتها اقتصاديًا وسياسيًا عبر أكثر من أداة أمريكية.

ويمكن فهم الخطوة الأنجولية في سياق الجهود الأمريكية اللاهثة لتدارك المتغيرات الراهنة مثل نمو النفوذ الروسي عقب انهماك واشنطن في حربها على إيران. وأوردت تقارير مهمة (Critical Threats, April 22, 2026) توجه الإدارة الأمريكية راهنًا لملاحقة هذا التوسع الروسي، لاسيما في صلة موسكو “بالنظم الاستبدادية” حسب رواية واشنطن. وما لاحظه التقرير من انفتاح عدد من هذه النظم (وربما منها مدغشقر) على مقاربة واشنطن “كجزء من جهود تنويع شراكتها” لكن مع توجه ملحوظ من قبل هذه الدول الأفريقية “لتوازن صلاتها” مع القوى الدولية الكبيرة والمتوسطة، مما يوحي بأجواء الحرب الباردة من جديد، وما وفرته من هوامش لحركة الدول الأفريقية لتحقيق مسار تنموي وسياسي وطني معقول.

وفي المحصلة، تكتسب روسيا نفوذاً سياسياً متزايداً في دائرة الرئيس المالاجاشي راندريانيرينا، وعلى سبيل المثال فإن موسكو توظف علاقتها الممتدة مع سيتيني راندرياناسولونيايكو  Siteny Randrianasoloniaiko، رئيس الجمعية الوطنية المالاجشية وحليفها القديم المقرب من راندريانيرينا، للتأثير على المجلس العسكري لصالحها. كما أفادت  “أفريكا إنتليجنس” Africa Intelligence في مارس أن الشبكات السياسية المالاجشية المرتبطة بروسيا قد شهدت “عودة للنشاط” في العاصمة أنتاناناريفو، في إطار تحسن العلاقات بين البلدين، وبدعم شعبي ملحوظ لاسيما في صفوف الشباب. وعلى سبيل المثال أطلق سياسي على صلة بشبكات روسية في مدغشقر حزباً سياسياً موالياً لروسيا يدعو إلى توثيق العلاقات مع روسيا ودول أخرى في مجموعة البريكس.وأبدى المجلس العسكري اهتماماً بالتعاون مع البريكس في الأسابيع الأخيرة. وأطلقت الإذاعة الوطنية المالاجشية برنامجاً حول العلاقات مع روسيا بالتعاون مع وكالة أنباء مرتبطة بالاستخبارات الخارجية الروسية في أبريل الجاري؛ الأمر الذي يكشف أهمية العلاقات الروسية- المالاجاشية وصلتها بمجمل سياسات روسيا في الجنوب العالمي وأفريقيا الجنوبية.

كاتب

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى