بعد الغاء الصومال اتفاقياتها مع الامارات: هل بدأت حقبة ما بعد النفوذ الإماراتي في القرن الأفريقي؟
بعد الغاء الصومال اتفاقياتها مع الامارات: هل بدأت حقبة ما بعد النفوذ الإماراتي في القرن الأفريقي؟
لم يكن قرار الحكومة الصومالية في مطلع عام 2026 بإلغاء كافة اتفاقياتها مع دولة الإمارات العربية المتحدة مجرد زوبعة في فنجان الخلافات الدبلوماسية العابرة، بل كان بمثابة “الزلزال الجيوسياسي” الذي تمددت موجاته الارتدادية لتطال كافة سواحل القرن الأفريقي وشرق القارة. لقد انتهت تلك الحقبة التي كان يُنظر فيها إلى عقود الموانئ والامتيازات اللوجستية بوصفها قدراً محتوماً تمليه الحاجة الماسة لرؤوس الأموال الخليجية، لتبدأ مرحلة جديدة تتسم بـ “القلق الاستراتيجي” وإعادة تعريف مفهوم الشراكة. إن السؤال الذي طرحناه في يناير حول تمايل شبكة النفوذ الإماراتية لم يعد اليوم مجرد تساؤل استشرافي، بل أصبح واقعاً تفرضه المعطيات الميدانية في مقديشو، دار السلام، جيبوتي، وحتى نيروبي. نحن الآن أمام مشهد يتجاوز فكرة التنافس التجاري إلى صراع إرادات بين “طموح التوسع” الإماراتي و”صحوة السيادة” الأفريقية، وهو صراع أجبر أبوظبي على الانتقال من وضعية الهجوم والانتشار السريع إلى وضعية الدفاع ومحاولة احتواء الخسائر، في ظل دخول لاعبين إقليميين ودوليين جدد استثمروا في “اللحظة الصومالية” لإعادة رسم موازين القوى في البحر الأحمر والمحيط الهندي.
ردود فعل الأطراف المعنية
شهد قرار الغاء الاتفاقيات مع الامارات انقساماً واضحاً داخل الصومال فالولايات الإقليمية أرض الصومال(Somaliland)، بونتلاند، وجوبالاند، أعلنت رفضها لقرار الحكومة الفيدرالية، وأكدت استمرار شراكاتها مع أبوظبي، معتبرة القرار غير ملزم لها قانونياً. أما الإمارات فبدأت بسحب بعض أفرادها ومعداتها من القواعد العسكرية (مثل بوصاصو) عقب حظر الصومال للرحلات العسكرية والشحن الإماراتية، واعتبارا من فبراير 2026 شددت مقديشو الرقابة على المجال الجوي، مما دفع الإمارات بالفعل إلى نقل أطقم التدريب والمعدات الحساسة من القواعد التي تقع في مناطق نفوذ الحكومة الفيدرالية أو القريبة منها، واصبحت التحركات العسكرية الإماراتية الان تتركز بشكل شبه كامل في “بربرة” و”بوصاصو”، حيث تجد هناك بيئة سياسية حليفة توفر لها الحصانة من قرارات مقديشو.
كما أصدرت شركة موانئ دبي العالمية بياناً ترفض فيه القرار، مؤكدة استمرار عملياتها في ميناء بربرة والقرن الأفريقي بمعزل عن الخلافات السياسية بين الحكومات. واستراتيجية موانئ دبي (DP World) حالياً تعتمد على مبدأ “فصل التجارة عن السيادة”؛ فهي تعتبر أن عقودها موقعة مع سلطات محلية تمتلك السيطرة الفعلية على الأرض، وتستند إلى تحكيمات دولية سابقة (مثل قضية دوراليه في جيبوتي) لتعزيز موقفها القانوني بأن الحكومات لا تملك حق الإلغاء الأحادي للعقود التجارية المستقرة.
الوضع الحالي لا تزال العلاقة في حالة “قطيعة رسمية” من جانب الحكومة المركزية في مقديشو، بينما تستمر العلاقات الاقتصادية والأمنية بشكل مباشر بين الإمارات والأقاليم ذات الحكم الذاتي، مما يعمق الفجوة السياسية بين مقديشو وتلك الأقاليم.
المنعطف الصومالي كسر حاجز “التبعية” والرهان على القوى البديلة
إن ما جرى في الصومال بعد قرار الإلغاء الشامل لم يكن مجرد قطيعة إجرائية، بل كان عملية “تأميم استراتيجي” للموقف الوطني الصومالي. فالحكومة الفيدرالية في مقديشو، التي كانت تُتهم بالضعف وعدم القدرة على السيطرة على أقاليمها، وجدت في ملف الاتفاقيات الإماراتية فرصة ذهبية لترميم شرعيتها الداخلية وفرض سيادتها على كامل التراب الوطني. لقد كشفت التطورات التي تلت يناير 2026 أن الصومال لم يتحرك من فراغ، بل كان يستند إلى شبكة أمان بديلة بدأت ملامحها تظهر بوضوح من خلال تعميق التحالف الأمني والعسكري مع تركيا، وتوسيع الشراكة الاقتصادية مع قطر والصين. هذه القوى قدمت لمقديشو نموذجاً مغايراً يقوم على “بناء المؤسسات” بدلاً من “إدارة الأصول”، وهو ما شجع الحكومة الصومالية على المضي قدماً في إحكام قبضتها على موانئ بربرة وبوساسو، متحديةً بذلك نفوذ “موانئ دبي العالمية” الذي كان يستند إلى تفاهمات مع سلطات الأقاليم بعيداً عن المركز. والأهم من ذلك، أن الصومال نجح في تحويل قضية “السيادة الجوية” واختراق الأجواء من حادثة فنية إلى قضية رأي عام قاري، مما أحرج النموذج الإماراتي الذي بات يُنظر إليه في عدد من الأوساط الأفريقية بوصفه نموذجاً يتجاوز الشراكة الاقتصادية نحو التدخل في الهندسة السياسية والأمنية للدول المضيفة.
تعيين أول سفير اسرائيلي في أرض الصومال: وفي تطور دراماتيكي يعمق من تعقيدات المشهد، جاء تعيين إسرائيل لأول سفير لها في أرض الصومال (Somaliland) 15 أبريل 2026، ليمثل تحدياً مباشراً وصريحاً لسيادة الحكومة الفيدرالية في مقديشو، وصبّاً للزيت على نيران التوتر المشتعلة أصلاً بين الصومال والإمارات. هذا الاختراق الدبلوماسي الإسرائيلي، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه ثمرة لوساطة إماراتية خلف الكواليس وضمن روح اتفاقيات إبراهيم، لا يمثل مجرد اعتراف بكيان انفصالي، بل هو محاولة لترسيخ محور أمني جديد يربط أبوظبي وتل أبيب بهرجيسا. بالنسبة لمقديشو، فإن هذا التعيين يثبت هواجسها التي ذكرناها سابقاً حول استخدام الإمارات لعقود الموانئ كبوابة لصناعة نفوذ موازٍ يهدد وحدة البلاد؛ حيث ترى الحكومة الصومالية أن الوجود الدبلوماسي والأمني الإسرائيلي في شمال البلاد هو امتداد للاستراتيجية الإماراتية الرامية إلى تطويق مقديشو سياسياً. هذا المحور الجديد لا يستفز الصومال فحسب، بل يثير حفيظة قوى إقليمية أخرى مثل تركيا وقطر، ويحول منطقة القرن الأفريقي إلى ساحة استقطاب دولي حاد، تتقاطع فيه طموحات الاعتراف بالدولة في هرجيسا مع صراع المحاور الخليجية والترتيبات الأمنية الإسرائيلية في البحر الأحمر، مما يجعل من شبكة النفوذ الإماراتية لاعباً محورياً في عملية إعادة تقسيم النفوذ، ولكن بكلفة سياسية باهظة قد تدفع مقديشو نحو مزيد من الارتماء في أحضان المحاور المناهضة لهذا الوجود
جبهة اليمن أرض الصومال: وفي مشهدٍ يجسّد ذروة الهندسة الجيوسياسية الإماراتية في المنطقة، تبرز جبهة اليمن ليس فقط كساحة نفوذ مستقلة، بل كحلقة وصل استراتيجية تربط بين ضفتي خليج عدن عبر تعاون خفي ومعلن بين المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن وسلطات «أرض الصومال» (Somaliland). إن هذا التقاطع في المصالح، الذي يحظى برعاية ودعم إماراتي سخي، يتجاوز مجرد التنسيق الأمني التقليدي ليشكل «محوراً موازياً» يهدف إلى خلق واقع سياسي وجغرافي جديد يلتف على السلطات المركزية في كل من مقديشو وعدن. فبالنسبة لأبوظبي، يمثل هذا التحالف الثنائي (عدن-هرجيسا) الضمانة المثالية لتأمين سلسلة موانئها الممتدة من عدن والمكلا وسقطرى وصولاً إلى بربرة، مما يمنحها سيطرة شبه مطلقة على ممرات التجارة والطاقة في واحد من أخطر المضائق العالمية. ومع ذلك، فإن هذا الدعم الإماراتي الصريح لطموحات «الانتقالي» و«أرض الصومال» في الانفصال أو الحكم الذاتي، هو الذي أشعل فتيل الغضب السيادي في مقديشو، حيث رأت الحكومة الصومالية في هذا التعاون تهديداً وجودياً لوحدة أراضيها وتفتيتاً متعمداً لبنية الدولة الوطنية. وبذلك، لم يعد اليمن بالنسبة للإمارات مجرد ملف عسكري، بل تحول إلى «مختبر» لتصدير نموذج الوكلاء المحليين إلى القرن الأفريقي؛ وهو النموذج الذي بات اليوم يواجه انتكاسة كبرى مع نجاح مقديشو في فك الارتباط الاستراتيجي، مما وضع هذا المحور (الانتقالي-أرض الصومال) في حالة من الانكشاف السياسي، وأثبت لدول المنطقة أن الرهان على الكيانات الموازية بدلاً من الدول الشرعية هو رهان محفوف بالمخاطر الأمنية والقانونية التي قد تطيح بمنجزات الاستثمار في لحظة صدام سيادي واحدة.”
تنزانيا و”عدوى مقديشو” عندما يتحول الشارع إلى مفاوض صلب
بالانتقال إلى تنزانيا، نجد أن “الزلزال الصومالي” قد منح المعارضة والحراك الشعبي هناك وقوداً جديداً لمناهضة صفقة موانئ دبي في ميناء دار السلام. فبعد أن كانت الحكومة التنزانية تراهن على عامل الوقت لفرض الأمر الواقع، وجدت نفسها في الربع الثاني من عام 2026 أمام ضغوط برلمانية وشعبية تطالب بمراجعة “البنود السرية” في الاتفاقية أسوةً بما فعله الصوماليون. إن المعضلة التنزانية تكمن في أن الإمارات راهنت على استقرار النظام السياسي وقدرته على تمرير الصفقات الكبرى، لكنها تناست قوة “النزعة القومية” التنزانية التي ترى في الموانئ أصولاً مقدسة لا تقبل القسمة على عقود امتياز تمتد لثلاثة عقود. هذا الضغط دفع الحكومة في دار السلام خاصة بعد أزمة الانتخابات الرئاسية، إلى محاولة “تلطيف” بنود الاتفاق عبر بروتوكولات إضافية تمنح الجانب الوطني سلطات إشرافية أكبر، وهو ما يمثل تراجعاً تكتيكياً عن الصيغة الأصلية التي كانت تطمح إليها أبوظبي. إن ما يحدث في تنزانيا اليوم هو تجسيد لـ “مقاومة النموذج” حيث لم يعد النفوذ الإماراتي كافياً لفرض الصمت السياسي، وباتت كلفة الاستمرار في الصفقة تهدد الاستقرار الانتخابي للحزب الحاكم، مما يضع نفوذ الإمارات في هذا البلد الاستراتيجي على كف عفريت المنافسة مع البدائل الصينية والأوروبية التي بدأت تعرض شروطاً أكثر مرونة وأقل مدة زمنية.
كينيا والملاذ البراغماتي تحت ضغط التنافس الخليجي-الخليجي
في المقابل، تبدو كينيا حتى اللحظة بمثابة “رأس الجسر” الأخير الذي يحاول من خلاله النفوذ الإماراتي الصمود والانتشار. فالعلاقة بين نيروبي وأبوظبي، المدعومة باتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA)، تبدو أكثر متانة نظراً لطبيعة النخبة الكينية البراغماتية التي تنظر إلى الاقتصاد بمنأى عن الحساسيات السيادية التقليدية. وبالرغم من ذلك، فإن هذا النفوذ لم يعد يتحرك في “مساحة فارغة” كما كان في السابق؛ إذ دخلت المملكة العربية السعودية بقوة على خط المنافسة في كينيا، مقدمةً عروضاً استثمارية ضخمة في قطاعات الطاقة المتجددة والمناطق اللوجستية، مما خلق حالة من “المنافسة الخليجية” التي تصب في مصلحة المفاوض الكيني. إن التحدي الذي يواجه الإمارات في كينيا هو أن هذه الشراكة باتت مرتبطة بشكل عضوي بالتحالفات الأمنية مع إسرائيل، وهو ما قد يجعل الاستثمارات الإماراتية هناك هدفاً للضغوط السياسية في حال تصاعدت التوترات الإقليمية. وبذلك، فإن كينيا التي كانت تُعتبر ساحة توسع آمنة، باتت اليوم تتطلب من أبوظبي جهداً دبلوماسياً ومالياً مضاعفاً للحفاظ على تفوقها أمام الاندفاعة السعودية والوجود الصيني الراسخ، مما يعني أن “صافي الربح” السياسي للإمارات في نيروبي بدأ يتآكل بفعل كلفة المنافسة العالية.
جيبوتي والتحول نحو “الأمن الجماعي” بعيداً عن الاحتكار
أما في جيبوتي، فقد أثبتت أحداث الأشهر الأخيرة أن خروج الإمارات من ميناء دوراليه لم يكن سحابة صيف، بل كان إيذاناً بنهاية عهد “الاحتكار الخليجي الواحد”. إن استقرار السيادة الجيبوتية على موانئها عبر شركات وطنية، مدعومة بتفاهمات استراتيجية مع السعودية والصين، قد خلق نموذجاً جديداً لإدارة الممرات المائية يعتمد على “تعدد الشركاء” بدلاً من تسليم المفاتيح لجهة واحدة. لقد أدركت جيبوتي أن التوازن بين القواعد العسكرية الدولية (الأمريكية، الصينية، الفرنسية) وبين الاستثمارات المينائية يتطلب شريكاً يتسم بالهدوء السياسي، وهو ما وجدته في الرياض التي بدأت تملأ الفراغ الإماراتي برؤية قائمة على التكامل اللوجستي ضمن “رؤية 2030” السعودية، بعيداً عن صدامات النفوذ التي اتسمت بها السياسة الإماراتية في السنوات الماضية. هذا التحول في جيبوتي يمثل ضربة موجعة لشبكة النفوذ الإماراتية، لأنها خسرت بذلك أهم “عقدة” في سلسلة الموانئ التي كانت تربط دبي بشرق أفريقيا، مما اضطر سفنها اللوجستية للبحث عن مسارات بديلة أكثر كلفة وأقل كفاءة.
التداعيات السودانية وظلال “الشك” الاستراتيجي
لا يمكن فهم تراجع أو “تمايل” شبكة النفوذ الإماراتية في القرن الأفريقي دون النظر إلى ما وراء الحدود الصومالية والجيبوتية، وتحديداً نحو الأزمة السودانية. فالاتهامات المتزايدة للدور الإماراتي في السودان قد ألقت بظلالها على صورة أبوظبي في عموم القارة. لقد بدأ القادة الأفارقة يتوجسون من أن الاستثمارات الإماراتية في الموانئ قد تكون مجرد غطاء لأجندات أمنية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل الأنظمة السياسية في دولهم. هذا “الشك الاستراتيجي” هو الذي دفع حكومات مثل الصومال وتنزانيا إلى التشدد في مراجعة العقود؛ فالخوف لم يعد من “الخسارة المالية” بل من “الاختراق الأمني”. إن الصورة الذهنية للإمارات كـ “شريك تنموي” بدأت تهتز لتحل محلها صورة “اللاعب الجيوسياسي الطموح” الذي قد يضحي باستقرار الدول المضيفة في سبيل مصالحه الخاصة. هذا التحول في الصورة الذهنية هو أخطر ما يواجه النفوذ الإماراتي اليوم، لأن استعادة الثقة في السياسة الدولية أصعب بكثير من بناء الأرصفة والموانئ.
الموانئ الأفريقية بين مطرقة النفوذ الإماراتي وسندان الصواريخ الإيرانية
وعلاوة على الهواجس السيادية والداخلية، برز في الآونة الأخيرة بُعد أمني واستراتيجي جديد بدأ يلقي بظلاله على حسابات دول شرق أفريقيا المضيفة للأصول الإماراتية، وهو اتساع رقعة العدوان الايراني على الخليج وعلى الامارات بالتحديد، ليشمل ممرات الملاحة الدولية في المحيط الهندي والبحر الأحمر. فقد تسرب خوف مكتوم لدى شعوب المنطقة، من أن تتحول موانئها ومنشآتها اللوجستية، التي تديرها شركات إماراتية، إلى أهداف مشروعة أو ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية، لاسيما بعد أن أظهرت طهران قدرتها على اطلاق صواريخ بعيدة المدى وصلت مداها الى القاعدة العسكرية المشتركة بين المملكة المتحدة وأمريكا في جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، وبالتالي فإن صواريخ ايران قادرة على الوصول إلى مسافات بعيدة تتجاوز الحدود التقليدية للمواجهة. هذا القلق الأفريقي يرتكز على فرضية أن الوجود الاستراتيجي الكثيف لأبوظبي في موانئ مثل مومباسا أو دار السلام قد يغري الخصوم باستهداف هذه المصالح الحيوية لضرب عصب الاقتصاد الإماراتي في الخارج، مما يضع تلك الدول الأفريقية في مواجهة مخاطر أمنية وعسكرية لا ناقة لها فيها ولا جمل. ونتيجة لذلك، قد تبدأ بعض هذه الدول في إعادة تقييم جدوى الارتباط بالبنية التحتية الإماراتية، ليس فقط من منظور اقتصادي، بل كضرورة لتجنب الانخراط القسري في حرب الوكالة الدائرة بين ضفتي الخليج، وهو ما يعزز من توجه هذه العواصم نحو تنويع الشركاء الدوليين والبحث عن ضمانات أمنية تحيد موانئها عن الصراعات الكبرى، تجنباً لسيناريوهات الاستهداف التي قد تحول هذه الأصول التنموية إلى عبء أمني يهدد الاستقرار الوطني.”
آفاق المستقبل: نحو إعادة صياغة قسرية للنموذج الإماراتي
في الختام يمكن القول إن شبكة النفوذ الإماراتية في القرن الأفريقي تمر اليوم بمرحلة “المخاض العسير”. فما بين القطيعة في مقديشو، والمقاومة الشعبية في دار السلام، والمنافسة الشرسة في نيروبي، والبديل السعودي في جيبوتي، تجد أبوظبي نفسها مضطرة لإجراء مراجعة شاملة لنمط حضورها في أفريقيا. إن استمرار المراهنة على “دبلوماسية العقود الطويلة” والتدخلات الأمنية الموازية لم يعد مجدياً في بيئة أفريقية باتت أكثر وعياً بحقوقها السيادية وأكثر قدرة على المناورة بين القوى الدولية المتصارعة. إن شبكة النفوذ لا تنهار بالمعنى الحرفي، نظراً لضخامة الاستثمارات القائمة، لكنها تفقد مرونتها وتأثيرها السياسي العابر للحدود.
إن الدرس المستفاد من تجربة الأشهر الماضية هو أن “الموانئ” قد تكون بوابات للثروة، ولكنها أيضاً قد تتحول إلى ثغرات للسيادة إذا لم تُبنَ على أسس من الشفافية والعدالة والمصالح المشتركة. بالنسبة لدول المنطقة، فإن هذا التراجع الإماراتي يفتح الباب أمام حقبة من “التوازن الذكي”، حيث يمكن لهذه الدول أن توظف التنافس الدولي لتحويل موانئها من مراكز نفوذ للقوى الخارجية إلى محركات حقيقية للتنمية الوطنية، تقل فيها التبعية وتزداد فيها حصة القرار السيادي. أما بالنسبة للإمارات، فإن خيارها الوحيد للبقاء كلاعب مؤثر هو التحول نحو نموذج “الشراكة الشفافة” الذي يحترم بنية الدولة الوطنية ويتجنب اللعب في المربعات الأمنية الحساسة، وإلا فإن “عدوى الإلغاء” التي بدأت في مقديشو قد تجد طريقها إلى مرافئ أخرى، لتتحول شبكة النفوذ التي بنيت على مدار عقدين من الزمن إلى مجرد ذكريات لاستثمار سياسي لم يقرأ جيدا روح التحولات الأفريقية بشكل صحيح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
تركيا في الصومال: على خُطى الصينيين.. “الربح للجميع” https://masr360.net/2026/02/10/turkish-presence-somalia-china-model-egypt-cooperation/
Israel Appoints First Ambassador to Somaliland https://www.dawan.africa/news/israel-appoints-first-ambassador-to-somaliland
- Strategic Reversal in the Gulf: How UAE Regional Setbacks Threaten Tanzania’s $1 Billion Investment Portfolio and Post-Election Donor Strategy.
محللون: إفريقيا ليست بمعزل عن مخاطر الحرب على إيران
https://www.arab48.com/%D8%A3%




