الجغرافية السياسيةتقدير موقف

دبلوماسية الإمارات في القرن الأفريقي: مراجعات مرتقبة؟

دبلوماسية الإمارات في القرن الأفريقي: مراجعات مرتقبة؟

لم تكد المفاوضات الأمريكية- الإيرانية تلوح في أفق الشرق الأوسط بعد حرب شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران نهاية فبراير الفائت إلا وكانت الإمارات في موقع “المراقب” تمامًا وسط خسائر سياسية وعسكرية واقتصادية بالجملة ضربت الدولة الخليجية التي ظلت لعقدين تقريبًا تباهي بنموذجها السياسي “غير المسبوق” ودولة الرفاه مكتملة الأركان؛ وكان من تداعيات هذه “الصدمة” التي لحقت بها أن بادر عدد من أهم مسؤليها وصناع سياساتها الخارجية بالإعلان عن تغيرات مرتقبة في الدبلوماسية الإماراتية في عدة ملفات ومن بينها القارة الأفريقية والقرن الأفريقي على وجه الخصوص. وإذا أخذنا في الاعتبار طبيعة الدبلوماسية الإماراتية في القرن الأفريقي واصطفافها المطلق خلف السياسات الإسرائيلية والأمريكية، وتجاوز حدود تلك السياسات المعلنة إلى العمل على تقويض سيادة واستقرار عدد من دول الإقليم (أبرزها الصومال وإريتريا، وجيبوتي بدرجة مغايرة)، فإن التغيرات المرتقبة ستعني بشكل شبه حتمي مزيد من العنف والدبلوماسية الخشنة والمكشوفة بشكل فج بحيث تكون نقطة ارتكازها الانخراط في دولاب السياسة الإسرائيلية النشطة حاليًا في جنوبي البحر الأحمر، وتعميق الشراكة الاستراتيجية مع إثيوبيا، ومزيد من الضغط على مصالح الدول الإقليمية الأخرى خارج المظلة الإسرائيلية، ولاسيما السعودية وتركيا ومصر.

الإمارات وصدمة ما بعد “الحرب على إيران”

مثلت الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران (المدعومة بمستويات متباينة من قبل دول الخليج العربي، وبغض النظر عن ديناميات صنع القرار وما يتردد عن تجاوز واشنطن وتل أبيب التشاور مع هذه الدول في قرار الحرب من عدمه) نقطة تحول هامة في مخاوف دول القرن الأفريقي (بما في ذلك السودان) من تداعياتها، سواء الآنية التي لمستها بالفعل أم المرتقبة على المديين المتوسط والبعيد. ويأتي في قلب هذه المخاوف كيفية مواجهة الآثار الاقتصادية المؤلمة للحرب على الاقتصادات الهشة بالأساس، وترقب تغيير أبو ظبي سياساتها في الإقليم بعد سلسلة من اخفاقاتها الدبلوماسية والعسكرية في اليمن منذ نهاية العام 2025، وتوتر علاقاتها مع جيبوتي وإريتريا لمستويات غير مسبوقة، وتزايد حساسية السعودية ومصر تجاه أي دور إماراتي في البحر الأحمر (غير خاضع لرقابة لصيقة أو ضمن اتفاقات ثنائية حاكمة بين الدول الثلاث)، وما يعنيه ذلك من تصاعد احتمالات الفوضى في الإقليم (تحت لافتة إقامة علاقات دبلوماسية مع إقليم صوماليلاند الانفصالي على سبيل المثال). ومن الجهة المقابلة يبدو من التصريحات المتكررة من مسؤولين إماراتيين بعد الحرب بخصوص “تعلم بلادهم الدرس” وعزمها على تغيير سياساتها الإقليمية أن أبو ظبي ستتبنى منهجًا جديدًا تجاه دول القرن الأفريقي يتماهى تمامًا –وبدون أي هامش للمناورة أو الادعاء- مع سياسات إسرائيل في الإقليم في المقام الأول كشريك مثالي للإمارات في المرحلة المقبلة.

لكن ثمة متغير هام في وضع القرن الأفريقي في مقاربة الإمارات المرتقبة، كما سنفصل لاحقًا، ألا وهو تراجع قدرتها (كما حال بقية دول الخليج في واقع الأمر) على مواصلة نفس النهج الانتهازي الذي عززته معادلة استقرار الخليج مقابل فوضى القرن الأفريقي (The Conversation, March  9, 2026)، كما أن التراجع المتوقع لدور الإمارات في القرن الأفريقي (بسبب المشكلات الاقتصادية والأمنية والعسكرية وتكاليفها التي باتت تواجه الإمارات برغم ادعاءها خلاف ذلك) سيكون مصحوبًا بتبني سياسات خاطفة، مع تراجع اعتبارات السيادة في الدول المعنية واستباحتها بشكل أكبر، في علاقة شرطية إيجابية مع احتمالات تجدد الحرب بعد الهدنة الراهنة.

بأي حال، يتضح من قراءة مواقف أبو ظبي الأخيرة، مثل سحبها وديعة بقيمة 3.5 بليون دولار من البنك المركزي الباكستاني على خلفية مواقف إسلام آباد من الحرب في إيران وتبنيها مسارًا تفاوضيًا (استبعد عمليًا أي انخراط إماراتي فيه في دلالة على مدى هشاشة مكانة الإمارات الإقليمية والدولية فعليًا)، وما يدل عليه ذلك من تبني الإمارات مسألة الخيارات الصفرية لاسيما عند وضع هذه الخطوة إلى جانب التقارب المتصاعد في أبريل الجاري مع الهند (حسب مخرجات زيارة س. جاشانكار S. Jaishankar وزير الشؤون الخارجية الهندي لأبو ظبي وقمته مع وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد 9-12 أبريل الجاري)، وتوقعات وصوله لمستويات غير مسبوقة؛ وهو سيناريو قابل للتكرار في علاقات الإمارات بمختلف دول القرن الأفريقي، وكذلك بمصر وتركيا والسعودية.

وفي تجسيد لصدمة الدبلوماسية الإماراتية بعد توقف الحرب الراهنة أعلن مسؤولون إماراتيون إعادة ضبط أولويات سياسات بلادهم الخارجية فيما تترقب أبو ظبي مجريات وقف إطلاق النار المتفق عليه بين واشنطن وطهران. ولُخصت هذه العملية (إعادة ترتيب الأولويات) بإعلاء “المسؤولية على رد الفعل، والتعاون على الصراع”. وهو شعار يتنافي جوهريًا مع ما كانت تدعيه أبو ظبي بالأساس قبل 28 فبراير من سياسات التعاون ودعم نمو الدول المختلفة واستقرارها، كما لا يفوت أن هذا الموقف برمته يتسم بالنزعة التكتيكية بهدف تجاوز الصدمة الحالية، وذلك في ضوء حقيقة أن جوهر سياسات الإمارات الخارجية (ولاسيما في القرن الأفريقي) تخادمية وطفيلية بشكل شبه كامل، وتقوم على إسناد سياسات القوى الفاعلة مثل الولايات المتحدة وإسرائيل.

الإمارات وإثيوبيا: زواج كاثوليكي

دلت زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للإمارات في الأسبوع الثاني من اندلاع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران على عمق العلاقات بين البلدين، وآفاق نموها بالفعل. وبداية فقد جذب توقيت الزيارة، والتي وصفت بأنها لأعلى مسؤول للإمارات في خضم تعرضها لضربات إيرانية مكلفة، الانتباه، إذ كشفت الزيارة عن رؤية إثيوبيا للصراع والأزمة المستحكمة هناك كتهديد مباشر لها، وأن الزيارة حملت في جوهرها وزنًا رمزيًا ودبلوماسيًا، إذ نظرت أبو ظبي لآبي أحمد على أنه شريك حقيقي وموثوق في القرن الأفريقي في ظل متغيرات كاسحة في الشرق الأوسط مرورًا بالبحر الأحمر وسواحله الأفريقية، وعززت الزيارة مكانة إثيوبيا المميزة لدى أبو ظبي. كما رأى مراقبون في معهد الشؤون الخارجية الإثيوبية (17 مارس 2026) أن الزيارة مثلت انتقال إثيوبيا من مجرد شريك partner (يتلقى الاستثمارات والمساعدات من الإمارات) إلى محاور interlocutor يتفهم مخاوف الإمارات وقضاياها ويبدي استعدادًا لتنسيق العمل معها لمواجهتها. كما عززت الزيارة الصلات بين البلدين وتجسير فجوة هامة بالتعبير عن قدرة إثيوبيا على إسناد الإمارات سياسيًا (أو الوقوف معها في أزمتها)، ورأى هؤلاء المحللون أن هدف إثيوبيا من الزيارة لم يكن نيل نفوذ يفوق وسائلها، بل ضمان أن تظل أديس أبابا عاصمة ذات أهمية “عندما يتم النظر للشرق الأوسط والقرن الأفريقي كمسرح جيوسياسي واحد”.

وتتفق الإمارات مع الرؤية الإثيوبية تلك، وهي رؤية ليست جديدة في حد ذاتها لكن يعاد طرحها في توقيت بالغ الدقة والخطورة وربما يهدد باندلاع حرب إقليمية في حوض البحر الأحمر. كما تثمن الإمارات الموقف الإثيوبي بشكل واضح، كما بدا من الحفاوة الرسمية والشعبية الإماراتية الكبيرة خلال الزيارة.

وعلى حد وصف جمال بكر عبد الله (7 أبريل الجاري)، السفير الإثيوبي في الإمارات، فإن العلاقات بين البلدين قد دخلت (بالفعل) “حقبة استراتيجية جديدة مقدامة” أطلقتها زيارة آبي أحمد التي كانت “خطوة تاريخية”، عبرت خلالها أديس أبابا عن كامل تضامنها مع الإمارات في “حربها” مع إيران. وعززت الزيارة أيضًا توقعات استمرار توسع العلاقات الثنائية بين البلدين “مدفوعة بالأولويات المشتركة حول التنمية والاستقرار والنمو الاقتصادي” وفتح آفاق التعاون الاستراتيجي المرتقب.

الإمارات والصومال: نحو الاعتراف بصوماليلاند؟

تشي التغيرات التكتونية الحالية في الإمارات، وحتى مع ضعف التوقعات بحدوث تغييرات ملموسة في بناء السلطة هناك على المدى القريب، وصعوبة ترويجها لخطاب “الانتصار” في الحرب مع إيران، بانكماش إماراتي في القارة الأفريقية، على الأقل في الأعوام القليلة المقبلة، وتعويض ذلك باتخاذ خطوات صادمة أملًا في تحقيق تأثير أكبر. وعلى سبيل المثال فإن احتماء الإمارات بالمظلة الأمريكية- الإسرائيلية في أفريقيا سيدفع أبو ظبي لحسم مواقفها من مسائل حساسة مثل الاعتراف بصوماليلاند “دولة مستقلة ذات سيادة” وترقية علاقات أبوظبي بهرجيسا لمستويات جديدة. ويعزز هذا السيناريو عدة حقائق:

  • صعوبة تراجع الإمارات عن وضعها في صوماليلاند، والذي لخصه وليام واليس William Wallis (الفينانشيال تايمز 7 أبريل الجاري) على النحو التالي: إن الوضع القائم حاليًا في صوماليلاند يتلخص في (مجموعة حلفاء هم) الإمارات راعية (للإقليم والأكثر استثمارًا في بنيته الأساسية) بالفعل، وإسرائيل فاعل راهن (ورافعة عسكرية رئيسة)، وأجزاء من إدارة ترامب التي تتعاطف مع هرجيسا، وإثيوبيا المجاورة الساعية للوصول لمنفذ بحري (بشروط سيادية). ومن ثم فإن الإمارات هي التي تقود عمليًا جهود نيل صوماليلاند اعترافًا رسميًا، ويتوقع أن تقدم قريبًا على مثل هذه الخطوة.
  • عدم اكتراث الإمارات المتوقع بمخاوف دول مثل السعودية ومصر من أي اعتراف دولي بصوماليلاند دولة مستقلة (بالنظر إلى رؤية القاهرة والرياض لهذه الخطوة على أنها تخدم إسرائيل وسياساتها في البحر الأحمر التي تهدد كل منهما تهديدًا خطيرًا)، لاسيما أن علاقات الأولى مع مصر تشهد فتورًا حقيقيًا بغض النظر عن “الخطاب الرسمي” من البلدين.
  • اصطفاف الإمارات العميق خلف الرؤية الإسرائيلية لأمن البحر الأحمر، واستكمال التعاون بين البلدين في هذا المضمار بشكل أكثر علانية وجرأة كما في مسألتي الاعتراف بصوماليلاند والانتشار العسكري الثنائي في الإقليم (كما في التعاون اللوجيستي والعسكري عند مدخل البحر الأحمر، وفي صوماليلاند وبونتلاند في الصومال، وتنسيق الدعم لإثيوبيا، والضغط على بعض دول الحوض مثل جيبوتي وإريتريا).
  • رؤية الإمارات الراديكالية بتهديد وحدة الدول واستقرارها (مثلما الحال في السودان والصومال وليبيا) كمجاز لبسط نفوذها وأدوات نهبها لموارد تلك الدول. وفي هذا السياق يلاحظ أن تكنيك أبو ظبي يقوم بالأساس على العمل عبر “لوبي” لإقناع الولايات المتحدة –على سبيل المثال- بتبني رؤيتها، ثم الاصطفاف خلف تلك الرؤية كتابع وليس كقائد لها. ودلت على هذا التكنيك سوابق مثل اللجنة الرباعية الدولية المعنية بالسودان والتي تمكنت الإمارات من ضبط عمل الولايات المتحدة داخلها وفق أجندتها.
  • أن موقف الصين من الحرب الأمريكية على إيران، والذي مثل دعمًا كبيرًا لطهران مكنها من مقاومة الضغط الأمريكي- الإسرائيلي الهائل الذي حفزته افمارات ودول خليجية أخرى في رهان يبدو حتى اللحظة خاسرًا، يمثل طعنة حقيقية للإمارات ومكانتها الإقلييمة والدولية، ومن ثم فإن اعتراف أبو ظبي بصوماليلاند سيمثل ردًا معقولًا على التراجع الإماراتي، وما تعتبره أبو ظبي تحيزًا صينيًا لإيران له دلالات خطيرة مستقبلًا.

وهكذا فإن أغلب المؤشرات الراهنة، مضافًا لها مراجعة سلوك أبو ظبي في القرن الأفريقي في العقدين الأخيرين وجنوحها لخدمة السياسات الإسرائيلية، تشير إلى تحول إماراتي ملفت في ملفاتها في القرن الأفريقي، ولاسيما ملف الاعتراف بصوماليلاند بغض النظر عن تداعيات ذلك على مصالح مصر والسعودية وبقية دول حوض البحر الأحمر، وتهديده بوقوع حرب إقليمية حقيقية حال الإخلال بترتيبات الأمن فيه لصالح إسرائيل.

كاتب

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى