السياسات العامةتقدير موقف

السودان والإتحاد الإفريقي .. متى ينتهي مسلسل التجميد؟

السودان والإتحاد الإفريقي .. متى ينتهي مسلسل التجميد؟

انعقدت الدورة العادية الثامنة والأربعون للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي يومي 11 و12 فبراير 2026، واختتمت أعمالها بقمة رؤساء الدول والحكومات في 14 و15 فبراير، وسط اهتمام خاص بملف السودان ومستقبل عضويته في المنظمة القارية. وقد أقر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بعدم التوصل إلى توافق كامل داخل مجلس السلم والأمن الإفريقي بشأن إنهاء تجميد عضوية السودان، رغم الجهود الدبلوماسية المكثفة التي تقودها القاهرة، والتي تتولى رئاسة المجلس خلال شهر فبراير 2026، للدفع نحو إعادة الخرطوم إلى مقعدها القاري.

وأكد الوزير المصري أن بلاده تعمل بقوة لإقناع الدول الأعضاء بضرورة إنهاء تعليق عضوية السودان، معتبراً أن استمرار التجميد لا يتسق مع مكانة السودان التاريخية كدولة مؤسسة لمنظمة الوحدة الإفريقية، ولاحقاً الاتحاد الإفريقي. كما شدد على أهمية التعامل مع مؤسسات الحكم القائمة، ممثلة في مجلس السيادة والحكومة الانتقالية برئاسة الدكتور كامل إدريس، باعتبارها واقعاً سياسياً يستوجب الانخراط والتفاعل. وفي هذا السياق، كشف عبد العاطي عن مبادرات مصرية عملية، شملت دعوة وزير الخارجية السوداني للمشاركة في جلسة غير رسمية لمجلس السلم والأمن الإفريقي، بهدف الاستماع إلى رؤية الحكومة السودانية بشأن تطورات الأزمة، إلى جانب الترتيب لزيارة وفد من المجلس إلى السودان، في خطوة تهدف إلى تقييم الأوضاع على الأرض وتعزيز الاعتراف بشرعية المؤسسات القائمة.

ورغم هذه التحركات، أقر الوزير المصري بوجود تباينات داخل المجلس، حيث لم يتحقق الإجماع المطلوب لاتخاذ قرار رفع التجميد، وهو ما يعكس استمرار الانقسام داخل الاتحاد الإفريقي بشأن كيفية التعامل مع الأزمة السودانية وتعقيداتها السياسية والأمنية. وفي الوقت ذاته، شدد على ضرورة دعم أي جهود تؤدي إلى وقف إطلاق النار، وتوفير الحماية للمدنيين، وإطلاق عملية سياسية شاملة دون تدخلات خارجية، بما يعزز استقرار السودان ويحفظ سيادته ووحدته.

تجميد العضوية: الخلفيات القانونية والسياسية

يستند الاتحاد الإفريقي في قراراته المتعلقة بتجميد عضوية الدول إلى إطار قانوني يهدف إلى حماية النظام الدستوري ومنع الاستيلاء على السلطة بوسائل غير مشروعة، حيث تنص المادة 30 من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، إلى جانب إعلان لومي لعام 2000 والميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم، على تعليق عضوية أي دولة تشهد تغييراً غير دستوري للحكومة، ويشمل مفهوم التغيير غير الدستوري عدة حالات، أبرزها الانقلابات العسكرية ضد حكومات منتخبة ديمقراطياً، أو تدخل جماعات مسلحة أو مرتزقة للإطاحة بالحكومات، أو رفض تسليم السلطة بعد انتخابات حرة، أو تعديل الدساتير بصورة تتعارض مع مبادئ التداول السلمي للسلطة. كما يمنح الميثاق مجلس السلم والأمن الإفريقي صلاحية تعليق عضوية الدولة المعنية فور وقوع مثل هذه الحالات، مع الاستمرار في الجهود الدبلوماسية لإعادة النظام الدستوري.

وقد تم تجميد عضوية السودان في أكتوبر 2021، عقب القرارات التي اتخذها قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق عبد الفتاح البرهان، والتي شملت حل الحكومة الانتقالية وإعلان حالة الطوارئ، وهو ما اعتبره الاتحاد الإفريقي تغييراً غير دستوري للسلطة. ومنذ ذلك التاريخ، ظل السودان خارج مؤسسات الاتحاد، رغم استمرار التزامه بتعهداته القانونية والحقوقية تجاه المنظمة.

في المقابل، ينص الميثاق الإفريقي للديمقراطية على إمكانية رفع التعليق فور تسوية الوضع الذي أدى إليه، حيث يوصي مجلس السلم والأمن مؤتمر الاتحاد بإعادة الدولة المعنية إلى عضويتها الكاملة. غير أن هذا الشرط ظل محل جدل في الحالة السودانية، خاصة في ظل استمرار النزاع المسلح وتعقيدات المشهد السياسي، رغم تشكيل حكومة مدنية برئاسة الدكتور كامل إدريس، وهو ما ترى الخرطوم أنه يمثل خطوة نحو استعادة النظام المؤسسي.

كما يؤكد الميثاق أهمية بناء مؤسسات ديمقراطية قوية، وتعزيز سيادة القانون، وتطوير النظام السياسي، وتنظيم انتخابات حرة، وهي شروط ينظر إليها الاتحاد الإفريقي باعتبارها مؤشرات رئيسية على اكتمال الانتقال السياسي. وبذلك، فإن مسألة رفع التجميد لا ترتبط فقط بوجود حكومة مدنية، بل بمدى استقرار النظام السياسي وقدرته على إدارة انتقال ديمقراطي مستدام.

مجلس السلم والأمن الإفريقي: الدور والوظيفة

يعد مجلس السلم والأمن الإفريقي أحد أهم أجهزة الاتحاد الإفريقي، حيث تأسس عام 2003 بهدف تعزيز السلام والاستقرار في القارة، ومنع النزاعات وإدارتها وتسويتها. ويتكون المجلس من 15 دولة عضو، يتم انتخابها وفق معايير تضمن التوازن الإقليمي والقدرة على المساهمة في جهود حفظ السلام، وتشمل مهام المجلس وضع سياسات الأمن الجماعي، وتعزيز الحكم الرشيد، ودعم الديمقراطية، ومكافحة الإرهاب، والمساهمة في إعادة الإعمار بعد النزاعات. كما يمتلك المجلس صلاحية اتخاذ قرارات ملزمة، بما في ذلك فرض العقوبات أو تعليق عضوية الدول التي تشهد تغييرات غير دستورية.

وفي الحالة السودانية، لعب المجلس دوراً محورياً منذ اندلاع الأزمة السياسية في عام 2021، حيث اتخذ قرار تعليق العضوية، وظل يتابع التطورات السياسية والأمنية، ويصدر بيانات دورية تحدد موقف الاتحاد الإفريقي من الأزمة.

وتأتي رئاسة مصر الحالية للمجلس في لحظة حاسمة، حيث تسعى القاهرة، بالتنسيق مع دول إفريقية وعربية، إلى إعادة السودان إلى موقعه داخل الاتحاد، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن استمرار عزله قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويحد من قدرة الاتحاد على التأثير الإيجابي في مسار الأزمة.

موقف السودان: بين الدفاع عن الشرعية والسعي لاستعادة العضوية

في خطوة ذات دلالة سياسية مهمة، خاطب وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم مجلس السلم والأمن الإفريقي، في أول مشاركة رسمية للسودان منذ تعليق عضويته. وخلال كلمته، دعا الوزير المجلس إلى إنهاء تعليق عضوية السودان، مؤكداً أن بلاده تواجه تمرداً مسلحاً مدعوماً من جهات خارجية، وأن الحكومة ملتزمة بإيجاد حل سياسي شامل للأزمة.

وأشار الوزير إلى أن الحرب الحالية لم تكن خياراً للحكومة، بل فرضت عليها نتيجة تمرد مسلح استهدف مؤسسات الدولة، متهماً جهات إقليمية بتقديم دعم عسكري للمليشيات، بما في ذلك الأسلحة المتطورة والطائرات المسيّرة. كما أكد انفتاح الحكومة السودانية على المبادرات السياسية، بما في ذلك إعلان جدة الصادر في مايو 2023، والذي يهدف إلى وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف للحوار السياسي.

ويعكس هذا الخطاب محاولة السودان إعادة صياغة روايته للأزمة أمام الاتحاد الإفريقي، من خلال تقديم نفسه كدولة تواجه تمرداً مسلحاً، وليس كطرف في صراع على السلطة، وهو ما يمثل تحولاً مهماً في الاستراتيجية الدبلوماسية السودانية.

تحولات الموقف الإفريقي: مؤشرات على مراجعة تدريجية

يمثل البيان الصادر عن مجلس السلم والأمن الإفريقي في اجتماعه الوزاري رقم (1330) بتاريخ 12 فبراير 2026 نقطة تحول مهمة في مقاربة الاتحاد الإفريقي للأزمة السودانية، فقد اتسمت لغة البيان بوضوح أكبر في توصيف طبيعة الصراع، حيث أدان الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع، بما في ذلك القتل الجماعي والتهجير القسري وتدمير البنية التحتية، مع التأكيد على ضرورة المساءلة القانونية.

كما رفض المجلس أي محاولات لتشكيل حكومات موازية خارج الإطار الدستوري، داعياً الدول الأعضاء إلى عدم الاعتراف بها، وهو موقف يعزز مبدأ وحدة الدولة السودانية وسيادتها. وفي تطور مهم، أدان المجلس أيضاً التدخلات الخارجية في النزاع، وكلف لجنة العقوبات بالتحقيق في الجهات التي تقدم دعماً للأطراف المتحاربة.

ورحب البيان بخارطة الطريق التي قدمتها الحكومة السودانية للسلام، والتي تتضمن وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإطلاق عملية إصلاح سياسي وأمني، وهو ما يعكس استعداد الاتحاد الإفريقي للتعامل مع المبادرات الحكومية كإطار محتمل للحل السياسي.

كما رحب المجلس بعودة الحكومة إلى العاصمة الخرطوم، واعتبر ذلك خطوة نحو استعادة مؤسسات الدولة، إلى جانب دعمه لإعادة فتح مكتب الاتحاد الإفريقي في السودان، وهي خطوات تشير إلى انفتاح متزايد على إعادة دمج السودان في المنظومة القارية.

يمكن تفسير هذا التحول النسبي في موقف الاتحاد الإفريقي بعدة عوامل رئيسية، أبرزها تزايد التقارير التي توثق الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين، مما أدى إلى إعادة تقييم طبيعة الصراع. كما لعبت المخاوف الإقليمية من تداعيات استمرار النزاع دوراً مهماً، خاصة في ظل تأثيراته على أمن البحر الأحمر ودول الجوار.

إلى جانب ذلك، أدركت العديد من الدول الإفريقية خطورة سابقة الاعتراف بسلطات موازية، لما قد يشكله ذلك من تهديد لبنية الدولة الوطنية في القارة. كما ساهمت التحولات الدولية، التي أكدت على مبدأ سيادة الدول ورفض التدخلات الخارجية، في تعزيز موقف الحكومة السودانية.

فك التجميد بين التعجيل والتأجيل.. السيناريوهات المتوقعة

تشير المعطيات الراهنة إلى أن ملف تجميد عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي يمر بمرحلة إعادة تقييم، تعكس توازناً بين الالتزام بالمبادئ القانونية للاتحاد، والرغبة في التعامل مع الواقع السياسي والأمني المعقد في السودان. وبينما لا يزال رفع التجميد مرهوناً بتحقيق توافق داخل مجلس السلم والأمن الإفريقي، فإن التحولات الأخيرة في الخطاب والمواقف الإفريقية تشير إلى انفتاح متزايد على إعادة دمج السودان في المنظومة القارية.

ويبقى مستقبل هذا الملف مرتبطاً بقدرة السودان على تحقيق تقدم في مسار السلام والاستقرار السياسي، وتعزيز شرعية مؤسساته، بما يمكنه من استعادة موقعه الطبيعي داخل الاتحاد الإفريقي، وفي ضوء التطورات الأخيرة، يمكن تصور عدة سيناريوهات بشأن مستقبل عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي، وفك تجميد العضوية:

السيناريو الأول: يتمثل في رفع التجميد خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا نجحت الحكومة السودانية في تحقيق تقدم ملموس في تنفيذ خارطة الطريق السياسية، وتعزيز الاستقرار المؤسسي، ووضع خطة مقبولة للبدء في عملية انتخابية بمؤسسات وآليات مناسبة.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار التجميد لفترة إضافية، بهدف مراقبة التطورات السياسية وضمان استدامة الاستقرار، وهو خيار قد تلجأ إليه بعض الدول التي ترى ضرورة توفر ضمانات إضافية.

ويبقى السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً، وهو المتمثل في استمرار التجميد لفترة طويلة، في حال تصاعد النزاع أو تعثر العملية السياسية، وهو ما قد يؤدي إلى تعميق عزلة السودان إقليمياً.

مراجع

القاهرة: لا توافق في مجلس السلم الأفريقي حول إنهاء تعليق عضوية السودان، سودان تربيون، 12 فبراير 2026، الرابط:

https://sudantribune.net/article/310582

السودان يطالب بمقعده في الاتحاد الأفريقي ويحذر من تأجيج خارجي للصراع، سودان تربيون، 12 فبراير 2026، الرابط:

https://sudantribune.net/article/310572

مجدي عبد العزيز، عودة إلى بيان مجلس السلم والأمن الأفريقي – تحوّل نوعي في مقاربة الاتحاد لأزمة السودان، الرواية الأولى، 15 فبراير 2026، الرابط:

https://alrewayaalola.net

كاتب

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى