تقدير موقف

مؤتمر برلين حول السودان إبريل 2026: السياق والسيناريوهات

مؤتمر برلين حول السودان إبريل 2026: السياق والسيناريوهات

يُعقد مؤتمر برلين في ظرف مصيري من تاريخ السودان، إذ لم تهدأ رحى الحرب بعد، بل تحول الصراع من نزاع داخلي إلى ساحة تتداخل فيها الأجندات الإقليمية والدولية، وتتصارع فيها مصالح مرتبطة بأمن البحر الأحمر، والنفوذ في القرن الإفريقي، والموارد الطبيعية كالذهب والأراضي والموانئ، فضلاً عن قضية الهجرة غير النظامية المتجهة إلى أوروبا.

يهدف المؤتمر، الذي يأتي بعد فشل مسارات التفاوض في جدة والاتحاد الأفريقي والإيغاد، إلى إعادة ضبط المسار السياسي. تقود ألمانيا المؤتمر بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وشركاء غربيين رئيسيين مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. لكنه ليس مؤتمر سلام مباشر بين الأطراف المتحاربة التي لم تُدعَ لحضوره، بل هو في جوهره “منصة تنسيق دولي خارجي” تسعى إلى “توحيد الموقف الدولي تجاه السودان”. بمعنى أنه موجّه للفاعلين الدوليين والإقليميين، وليس للقادة العسكريين أو لمعالجة الحرب بشكل فوري.

مؤتمر برلين: الأطراف والأهداف

تشمل قائمة المدعوين دولًا ومنظمات دولية، منها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة ووكالاتها والبنك الدولي ومؤسسات التمويل، إلى جانب أطراف إقليمية مؤثرة مثل مصر والسعودية والإمارات وإثيوبيا وتشاد وجنوب السودان، وهؤلاء لا يُدعون كمراقبين فحسب، بل كفاعلين مباشرين في النزاع بدرجات متفاوتة. أما القوى السودانية المدعوة فتمثل أطيافًا مدنية من ثورة ديسمبر وشخصيات مستقلة، مع احتمال وجود تمثيل غير رسمي وغير مباشر للجيش وقوات الدعم السريع. تكمن حساسية المؤتمر في حضور هذه القوى المدنية مع غياب الفاعلين العسكريين الأساسيين، مما يثير الجدل حول مدى شرعية تمثيلها للسودانيين، خصوصًا أنها لا تملك أي سيطرة على الأرض. وهذا يعكس طبيعة المؤتمر بوصفه لقاءً دوليًا ذا طابع سوداني لـ”إعادة الهندسة السياسية”، وليس آلية قادرة على وقف الحرب أو فتح تفاوض يؤدي إليها.

من الأهداف المعلنة: وقف إطلاق النار، وتسهيل المساعدات الإنسانية، ودعم مسار سياسي مدني، والحفاظ على وحدة السودان. لكن الأهم، من وجهة نظر المنظمين وشركائهم الدوليين، هي الأهداف غير المعلنة: إعادة ترتيب مراكز القوة المدنية، وخلق بديل سياسي مقبول دوليًا، وإعادة إنتاج “شريك مدني” يمكن التعامل معه، وتقليص شرعية الفاعلين العسكريين ودفعهم لقبول تسوية دولية مفروضة. كما يسعى المؤتمر إلى ضبط التنافس الإقليمي بين مصر والإمارات والسعودية، ومنع تحول السودان إلى ساحة صراع مفتوح بينهم، بهدف حماية المصالح الأوروبية في السودان وتأمين البحر الأحمر ووقف موجات الهجرة ومنع الانهيار الكامل للدولة السودانية.

هناك أسباب مشروعة تدفع بعض القوى السودانية للاعتراض على المؤتمر، منها: الإقصاء، وضعف تمثيل القوى المدنية للشعب وقضاياه الحقيقية على الأرض، وغياب معايير واضحة لاختيار المشاركين، وإمكانية التشكيك في حيادية الدول الراعية.

يرى البعض أن المؤتمر، وغيره من المبادرات الدولية، يمثل تدخلًا استعماريًا في الشأن الداخلي يسعى لفرض حلول مستوردة، بل مؤامرة لإعادة إنتاج نخب سياسية فاقدة الشرعية والوجود داخليًا. كما تعتبر بعض الدول الإقليمية أن المؤتمر أداة لتقليص نفوذها وإعادة توزيع الأدوار في السودان بما لا يخدم مصالحها. في المقابل، تركز القوى الإقليمية ذات المصالح الراسخة والجديدة، مثل السعودية ومصر، على بقاء الجيش واستقرار مؤسسات الدولة التقليدية، وتفضل السعودية لعب دور الوسيط بعيدًا عن رغبتها العميقة المتعلقة بالبحر الأحمر وشرق السودان.

مؤتمر برلين.. التحديات الفرص المخاطر

تبقى فرص نجاح المؤتمر الكامل محدودة لأسباب عدة: غياب الأطراف العسكرية الأساسية في النزاع بشكل مباشر، وتضارب المصالح الدولية والإقليمية، وضعف القوى المدنية على الأرض، وتبلور ملامح اقتصاد الحرب في السودان. لكن المؤتمر قد يحقق نجاحًا محدودًا في تحسين التنسيق الإنساني، وخلق ضغط دولي منظم على الجيش والمليشيا وداعميهما، مما قد يؤدي إلى وضع إطار سياسي مستقبلي وتهيئة الأرض لمفاوضات عسكرية لاحقة. ويظل هناك تخوف مشروع من تحول المؤتمر إلى مجرد منصة لإعادة توزيع النفوذ الدولي دون معالجة جذور الأزمة السودانية، مما يجعل الخاسر الأكبر هم السودانيون، رغم ادعاء ممثليهم المدعوين للمؤتمر حراسة مصالحهم.

تناول عدد من المحللين، ومنهم الدكتور صلاح البندر، رؤية متشائمة لمؤتمر برلين المزمع عقده في 14-15 أبريل الجاري، حيث حلل بعمق ودقة الجدول الزمني للأحداث السابقة المؤدية إليه وأهميته على السودان، وتناول الإيجابيات والسلبيات والتوقعات والسيناريوهات المحتملة لمخرجاته.

وصف البندر المؤتمر بأنه ليس عملية سلام، بل عملية إعادة هندسة سياسية تُسحب فيها السيادة السودانية تدريجيًا من تحت أقدام السودانيين. وقال: “أخطر ما في هذه المؤتمرات الدولية ليس أنها تهاجمك بعبارات فظة، بل أنها تفرغك من مضمونك بعبارات مهذبة. يُقال لك: ‘شمول’، لكن المقصود قد يكون تذويب الفارق بين الدولة ومن حمل السلاح ضدها. ويقال لك: ‘عملية سياسية سودانية الملكية’، لكن تصميمها وتمثيلها ورعايتها وصياغة مخرجاتها تكون كلها خارج السودان. ويقال لك: ‘حماية المدنيين’، لكن من دون تسمية صريحة لمن قتل المدنيين ومن سلحهم ومن مول الحرب ومن أبقى الباب مفتوحًا لاستمرارها”.

يدعو البندر إلى قراءة جادة للمؤتمر لا تتوقف عند سطح النصوص، بل عند سؤالين حاسمين: ماذا يريد الرعاة؟ وماذا يملكون أن يفعلوا؟ الأول: يريدون تثبيت إطار دولي لإدارة السودان يمنع الانهيار الكامل ويعطي العالم صورة أخلاقية عن نفسه، لكنه لا يقطع بالضرورة مع أسباب الكارثة. والثاني: يملكون أدوات ضغط لكنهم لا يملكون إرادة موحدة لحسم التناقضات التي مزقت المقاربة السابقة.

ثمة أهمية بالغة لهذا المؤتمر، وضرورة للوقوف ضد مخرجاته أيًا كانت، باعتبار أنه يرمي فقط إلى إعادة تمكين نفس الحكومة المدنية التي نفذت الخطة (ب) من أجندة “مشروع السودان الجديد” و”مشروع الشرق الأوسط الجديد” و”مشروع من النيل إلى الفرات”. وأهم معالم المؤتمر وأهدافه هو تمكين تلك الحكومة المدنية بنفس واجهاتها السياسية وأجندتها، وهي ذاتها التي رمت إليها سلسلة مؤتمرات من نفس النوع عُقدت في بريطانيا وغيرها منذ 2024م. فهذه المؤتمرات تتكامل وتتفق على هدف واحد هو: تمكين الذين ينادون بالحكومة المدنية بنفس أهدافهم ورؤيتهم ومشروعهم المتمثل في الخطة (ج)، والتي تشمل:

  1. مواصلة تصفية الحساب مع الخصوم السياسي (العدو المصطنع) الذي يمثل في الواقع كل الشعب بديمغرافيته وهويته، والسودان بجغرافيته، والجيش بهيئته وعقيدته، والمكونات العسكرية والأمنية الأخرى التي رفضت مشروع الحكومة المدنية (2019-2022).
  2. مواصلة مشروع “السودان العلماني الجديد” بفرض العلمانية، وتغيير ديمغرافية السودان وجغرافيته.
  3. مواصلة التمهيد لمشروع “من النيل إلى الفرات” وتهيئة السودان لما بعد الحرب على إيران، ليتكامل ويدخل السودان بجغرافيته واقتصاده في ذلك المشروع.
  4. مواصلة إفشال الدولة السودانية واقتلاعها واقتلاع الأمة من جذورها التاريخية والثقافية والدينية والإثنية.
  5. تنفيذ مشروع أفرقة السودان، بدعوى أن التاريخ والحضارة السودانية وحضارة وادي النيل هي حضارة أفريقية بحتة، وأن ديانة هذه الحضارة هي ما قبل التحول السياسي الذي أحدثته مملكة سنار بإنهاء آخر مملكة مسيحية (مملكة علوة).
  6. إكمال تحطيم “السودان القديم” وتقديم “السودان الجديد”، وهو المشروع القائم منذ 1983م بقيام تمرد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، والمتزامن مع مشروع برنارد لويس لإعادة تقسيم المنطقة.
  7. نقل الحرب من المواجهة مع الدعم السريع بالمليشيات الأفريقية، التي أثبتت عدم جدواها في تنفيذ مشروع السودان الجديد عبر أجندة الحكومة المدنية، إلى واجهة أعرض هي “حرب الطوق الأفريقي” بجيوش رسمية وشبه رسمية، وذلك بعد زيارة حميدتي إلى أوغندا.

خاتمة ومطلوبات

تكمن خطورة مؤتمر برلين في أنه سيخرج بعبارات جيدة تخفي وراءها ترتيبات سيئة. قد يُقال: “وقف فوري لإطلاق النار”، لكن من دون نص ملزم على وقف التمويل والتسليح والتجنيد الخارجي للمليشيا. قد يُقال: “مسار سياسي شامل”، لكن من دون حسم لموقع الدولة ومؤسساتها، ومن دون اشتراط واضح لنزع السلاح والمساءلة قبل أي معادلة سياسية جديدة. قد يُقال: “تمكين المدنيين”، لكن من خلال انتقاء مدنيين على المقاس الدولي لا على مقاس التمثيل السوداني الحقيقي. وقد يُقال: “حماية وحدة السودان”، لكن من دون مواجهة فعلية للقوى والسياسات التي ضربت هذه الوحدة على الأرض طوال السنوات الماضية.

كذلك، بعد الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها الإمارات، يصبح من الطبيعي أن يكون هناك اتجاه للتخلي الجزئي عن دعمها للميليشيات في السودان، والبحث عن صيغة مرتبطة بالتسوية السياسية. وبسبب الأوضاع الحالية في الخليج التي جعلت الغرب والإمارات غير قادرين على مواصلة تمويل مليشيا الدعم السريع كما في السابق، فإنهم يتجهون لعقد مؤتمر برلين ليس لصنع السلام، بل لفرض أجندتهم الخاصة وإنهاء الصراع بشروط تراعي مصالحهم المتعثرة.

خلاصة القول: مؤتمر برلين ليس حلاً، لكنه محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني من الخارج. ونجاحه لا يُقاس بوقف الحرب فورًا، بل بقدرته على إنتاج صيغة مقبولة للحكم قابلة للتنفيذ يستطيع السودانيون التوافق عليها. وإذا لم يفلح في ذلك، فعندها لا يكون المؤتمر منصة سلام، بل يصبح مائدة تفاوض على السودان، أو ما يشبه الفرصة الأخيرة لفكرة الدولة السودانية إذا لم تحسن الدفاع عن نفسها.

مراجع

  • صلاح بندر، مؤتمر برلين عن السودان .. مرافعات تداعيات واستحقاقات، عزة برس، 4 أبريل 2026، الرابط: https://azzapress.com/archives/134765
  • مؤتمر برلين.. تمويل الأجندة أم صنع السلام؟، باج نيوز، 7 أبريل 2026، الرابط: https://sl1nk.com/i1amk1a
  • سيد علي أبوامنة، مؤتمر برلين حول السودان (15 أبريل 2026) السياق، الأطراف، والأهداف .. قراءة تحليليّة، 5/4/2026، الرابط: https://acesse.one/zgylm6h

كاتب

  • محمد خليفة صديق

    محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

محمد خليفة صديق

محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى