الماشاف ودبلوماسية التنمية الإسرائيلية في القرن الأفريقي: التنمية في خدمة النفوذ
الماشاف ودبلوماسية التنمية الإسرائيلية في القرن الأفريقي: التنمية في خدمة النفوذ
عُرفت إسرائيل بالتركيز على المساعدات التنموية في أفريقيا منذ تأسيس “الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي” في العام 1958 إعمالًا لرؤية وزيرة الخارجية جولدا مائير ورئيس الوزراء بن غوريون حينذاك وقوامها “مساعدة الدول النامية على تجاوز تحديات التنمية عبر مشاركة المعرفة والتكنولوجيات”؛ ويتزامن مع التوجه الإسرائيلي الراهن لتوطيد صلات تل أبيب مع دول القرن الأفريقي استغلال متزايد لحاجة هذه الدول لمشروعات تنموية ملحة، وجعلها رافعة لمقبولية الاستراتيجيات الإسرائيلية الراهنة والمستقبلية في المنطقة والتي يتوقع تحقيقها قفزات كبيرة. ويمكن ملاحظة أهم ملامح تحرك “الماشاف” في القرن الأفريقي على النحو التالي:
إسرائيل وأرض الصومال: دبلوماسية “التنمية من أجل الاستراتيجية العسكرية”
بادر الماشاف عقب الإعلان عن إرسال “أرض الصومال” سفيرًا لها في إسرائيل نهاية فبراير بعقد دورة هامة بالتعاون مع مركز التعاون الدولي بوزارة الشؤون الخارجية لهيئة المياه بأرض الصومال Somaliland Water Authority والإدارة العامة لوزارة المياه في أرض الصومال؛ وركزت الدورة التدريبية على تشييد وتطوير وتخطيط قطاع المياه في أرض الصومال، وتقوية التعاون المهني بين الجانبين.
وراكمت إسرائيل على هذه الخطوة في مارس 2026 مع احتدام تداعيات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران ومخاوف تمددها إلى جنوبي البحر الأحمر ودخول جماعة الحوثيون رسميًا في الحرب؛ وأشارت صفحة الماشاف على “انستغرام” إلى ذلك إشارة ذات دلالة كبيرة، إذ جاء في تعليق لها (6 مارس 2026) مرفق بصورة لوفد أرض الصومالي: “خلال أيام تحدي “عملية الأسد الصاعد”، فيما اتسمت الحياة اليومية في إسرائيل بصافرات الإنذار والتحذيرات المقلقة، يواصل وفد هيئة المياه القومية بأرض الصومال Somaliland National Water Authority (SNWA) برنامجه التدريبي في مركز التدريب الزراعي في الماشاف”؛ وهكذا يمكن وضع التدريب في سياق تعزيز المفاوضات بين تل أبيب وهرجيسا لتفعيل تعاون عسكري لمواجهة احتمالات مثل هذا التطور؛ كما أكمل الوفد الموجود في إسرائيل (Horn Diplomat, March 11) من “أرض الصومال” برنامجه التدريبي هناك الذي تم برعاية مركز التدريب الزراعي التابع للماشاف MATC-MASHAV Agricultural Training Center بغرض تقوية “معرفة المشاركون ومهاراتهم العملية في إدارة المياه وتقديم الخدمات اللازمة بطرق حديثة”. ورأى المشاركون الصوماليون أن التدري بكان مفيدًا من جهة دعمهم في افسهام في جهد أرض الصومال “لتحسين خدمات المياه ومواجهة تحديات توفير المياه”، وأشارت صفحة الماشاف على “فيسبوك” منتصف مارس 2026 أن وفد أرض الصومال قد زار أيضًا أحد المشروعات التي طورها معهد آرافا للدراسات البيئية Arava Institute for Environmental Studies بالشراكة مع مدرسة الفُراء الإقليمية Al-Furaa Regional School والعديد من شركات التكنولوجيا الزراعية العاملة في إسرائيل ومن بينها مشروعات قائمة وسط مجتمعات البدويين في إسرائيل. لكن مسئولين إسرائيليين أشاروا إلى أن الخطوة مجرد جزء من برنامج تعاون دولي (تنموي) أكبر يهدف لتعزيز القدرات الفنية في أرض الصومال وتعزيز حلول إدارة مياه مستدامة فيها.
التدريب الزراعي الإسرائيلي في القرن الأفريقي
جدد مركز التدريب الزراعي بماشاف MATC- MASHAV Agricultural Training Center أنشطته بشكل متصاعد في دول القرن الأفريقي “التي تعاني من ندرة مائية مزمنة”، وبالتركيز على استقبال وفود متخصصة من هذه الدول لتلقي برامج تدريب مكثفة في إسرائيل (لاسيما من إثيوبيا وجنوب السودان و”أرض الصومال”). وحسب آخر تقرير سنوي للماشاف (2024) فإن أولويات أنشطته تأتي على النحو التالي: الأمن الغذائي والزراعة والتغير المناخ؛ والتعليم للجميع؛ والطب والصحة العامة، والبحوث والتنمية؛ وتنمية المجتمع، ووالابتكار وريادة الأعمال، ومساواة الجندر وتمكين المرأة؛ والتنمية الريفية والحضرية؛ والمساعدات الإنسانية. ويتضح من ترتيب هذه الأولويات تقاطعها (لاسيما الأول منها) مع اهتمامات دول القرن الأفريقي الرئيسة.
وترجع أهمية اهتمام مركز التدريب الزراعي بالقرن الأفريقي إلى خبرته الكبيرة في التعامل مع بيئات مشابهة مناخيًا وجغرافيًا مع القرن الأفريقي. فالمركز قد تأسس في العام 1963 وركز منذ ذلك الوقت على بناء القدرات البشرية ونقل المعرفة والدعم التخصصي في مجالات الزراعة وإدارة المياه والبيئة والتنمية الريفية، وهي مجالات رئيسة لمواجهة تحديات التنمية في القرن الأفريقي في الوقت نفسه. كما يقدم المركز أنشطته التدريبية باللغات الإنجليزية والفرنسية والعربية (وهي لغات شائعة في القرن الأفريقي)، إلى جانب الروسية والأسبانية مع تطلب شرط غجادة اللغة الإنجليزية في جميع الأحوال. وربط المركز في الآونة الأخيرة أنشطته بتحقيق “أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة UN Sustainable Development Goals (SDGs) من أجل “تحقيق عالم أفضل” (حسب منصة المركز على الإنترنت)، ويؤكد المركز قناعته “بالشراكات العالمية من أجل التنمية المستدامة” والعمل بالتعاون مع هيئات وككالات التنمية الدولية لتحسين التعاون الثنائي والإقليمي ومتعدد الأطراف “من أجل التشارك في المعرفة”، ومن أهم هذه الجهات اليونسكو وفاو ومنظمة الصحة العالمية وإيكواس وهيئة التنمية الدولية الأمريكية وعدد آخر من أهم الهيئات العاملة في أفريقيا وفي القرن الأفريقي على وجه التحديد؛ الأمر الذي يوفر مظلة مثالية للتواجد الحالي والمستقبلي في دول القرن الأفريقي، وتمويلًا معقولًا لأنشطته يضمن تأثيره واستدامته وتعزيز صورة إسرائيل كشريك تنموي لدول الإقليم.
كما تمثل سابقة المركز الناجحة في العمل في نيجيريا في مجال رعي الماشية (مايو 2025) تجربة قابلة للتكرار على نطاق موسع في القرن الأفريقي الغني بالثروة الحيوانية والذي يحتاج لسبل رعي حديثة وناجعة بشكل أكبر. ويتيح المركز أمام الخبراء من دول اقلرن الأفريقي فرص الالتحاق بدورات مهمة تشمل الإطلاع على تجربة رعي الماشية في إسرائيل (ولاسيما في مزارع البدو هناك)، وسبل تغذية الماشية الحديثة، والصحة والتحكم في المرض، وإجراءات الأمن الحيوي وإدارة صحة الحيوان، ونظم الإنتاج والإدارة، وغيرها من التخصصات. وقد وسع المركز أنشطته في منتصف العام الماضي لتشمل كينيا (الواقعة في القرن الأفريقي الكبير) ومالاوي ونقل إليهما هذه التجربة كاملة؛ ما يعني استعدادًا لتكرارها في بقية دول القرن الأفريقي لاسيما في إثيوبيا والصومال (وإقليم “أرض الصومال”).
مشروع “نيكون أولام فيتنشرز”: تحقيق ثورة زراعية في إثيوبيا؟
يعتمد نشاط الماشاف في القرن الأفريقي بقوة على ما يعرف بتيكون أولام فيننشرز Tikkun Olam Ventures (TOV)؛ والذي يعرف نفسه بالأداة الناجعة “لاستخدام التكنولوجيا الزراعية الإسرائيلية في مساعدة مزارعي أفريقيا الأكثر فقرًا” وصغار المزارعين في المجتمعات النامية بالقارة الأفريقية (في المقام الحالي). وقد دخل مشروع ماشاف “تيكون أولام فينشرز” Tikkun Olam Ventures مراحله التطبيقية منذ ديسمبر 2025. ووصلت مبادرة الماشاف في العام 2025 إلى أكثر من ثمانية آلاف مزارع إثيوبي وفرت لهم استخدام التكنولوجيات الزراعية الإسرائيلية المبتكرة من اجل تحسين الإنتاجية والمحاصيل وعائدات الأسر. ويتوقع أن يتوسع البرنامج ليشمل عشرات الالاف من المزارعين الإثيوبيين في مراحل متدرجة بهدف تقوية قطاع البستنة في البلاد.
وعول المشروع على خبرة ممتدة لنشاط الماشاف في إثيوبيا في العقود السابقة، ونجاحه في كونه حلقة الوصل المثالية بين التكنولوجيا الزراعية والمعرفة الإسرائيلية بحاجات ملايين الإثيوبيين من صغار المزارعين لتطور حجم المحاصيل وتحسين ظروف معيشتهم “لاسيما أن فلاحي إثيوبيا من بين نحو 1.5 بليون فلاح في أرجاء العالم لا يزالون يستخدمون السبل التقليدية في الزراعة”، حسب موقع تيكون أولام.
وبدأ المشروع برنامجًا استكشافيًا لمدة عامين في إثيوبيا امتد في سبعة مواقع (ويتوقع أن يتوسع في مجال تقديم قروض للشركات الزراعية التي تدعم بدورها ما بين 300-400 مزارع إثيوبي يقومون بزراعة الطماطم والبصل والفلفل الحار باستخدام نظام الري بالتنقيط وفق التقنية الإسرائيلية. ويهدف البرنامج إل تحقيق هدف نهائي (على مدار خمسة أعوام تنتهي في العام 2030) بتقديم تدريب مكثف لنحو 4-5 آلاف مزارع إثيوبي سنويًا على مدار الأعوام الخمسة. ويتوقع أن يكون هؤلاء المزارعون طليعة تحول زراعي ملموس في إثيوبيا، وعلى نحو يعزز الشراكة الاستراتييجة بين إثيوبيا وإسرائيل في مختلف المجالات.
دبلوماسية الرعاية الصحية: إثيوبيا وجنوب السودان.
يقدم الماشاف دعمًا مهمًا في قطاع الرعاية الصحية في إثيوبيا منذ نهاية العام 2025، لاسيما عبر التعاون المباشر مع مستشفى جامعة هواسا Hawassa University Hospital (التي تقدم خدمات طبية موسعة لنحو 20 مليون نسمة في إثيوبيا). كما قدم الماشاف تدريبًا مكثفًا (نهاية أغسطس 2025) لنحو 100 طبيب من منطقة أديس أبابا (بالتعاون مع وزارة الصحة الإثيوبية)، وقد استضافت فعاليات التدريب المستشفى التخصصي الشامل أليرت ALERT Comprehensive Specialized Hospital في أديس أبابا، ومنح الوفد الإسرائيلي الزائر لتدريب الأطباء الإثيوبيين معدات التشخيص الأساسية ووحدات العناية المركزة لدعم البنية الأساسية المحلية. وشكل برنامج بناء القدرات هذا جزءًا من تعاون قائم بين الشريكين الإثيوبي والإسرائيلي في القطاع الطبي والتركيز على تقوية النظم وإصلاح المرافق والتدريب التخصصي.
كما ركز الماشاف في دعمه للرعاية الصحية في أفريقيا على حالة جنوب السودان، إذ عمل على تقوية قدرات جوبا الصحية في قطاعات الطوارئ والرعاية المركزة في المستشفيات العامة العاملة بالفعل، والربط بين تنمية البنية الأساسية والتدريب العيادي المستمر ودعم التشغيل. وقد نجح المشروع بالفعل في تقوية القدرة العيادية/ السريرية المستدامة عبر دمج وحدات لارعاية المتقدمة داخل المؤسسات العامة والاستثمار في الفرق الطبية المحلية (وهو تكرار موسع لمشروع مماثل للماشاف في إريتريا في العام 1999، وكينيا 2010، واوغندا 2004، وغانا 2010، وجنوب السودان نفسها في العام 2022، وتشاد 2022.
الماشاف وجنوب السودان
هرع الماشاف لمساعدة جنوب السودان لمواجهة العديد من مشكلاته الطبية والإنسانية بشكل واضح منذ العام الماضي. فقد ساعد الماشاف بجهد مهم في مساعدة جوبا على مواجهة تفشي وباء الكوليرا (أغسطس 2025)؛ وكانت تلك الجهود مدعومة بتمويل أوروبي مهم (حسب سفارة إسرائيل في العاصمة النمساوية فيينا)؛ وشملت مساعدات الماشاف تلك إمدادات طبية أساسية لمعالجة المرضى ومعدات تنقية مياه الشرب وقفازات طبية وغيرها من مستلزمات النظافة الشخصية لمنع الكوليرا، ومساعدات غذائية يتم توزيعها على المواطنين في بعض المناطق المنكوبة. ووجه بتقديم هذه المساعدات وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر. وتعاون الماشاف في تلك الجهود مع IsraAID، وهي منظمة غير حكومية إسرائيلية ناشطة في جنوب السودان.
كما أطلق الماشاف في 25 فبراير 2026 حملة موسعة لتوزيع المعونات الإنسانية في جوبا بجنوب السودان بالشراكة مع IsraAid من أجل دعم الأسرة المشردة التي تواجه تحديات صحية ومتعلقة بالأمن الغذائي بشكل مستدام. وتمت عملية الإطلاق بحضور سفير إسرائيل في جوبا وعدد من كبار المسؤولين الجنوب سودانيين ونائب رئيس الماشاف.
وبنظرة على موقع IsraAID، التي تأسست كمنظمة مظلية لمجموعة من المنظمات الإسرائيلية الفاعلة والعاملة في الإغاثة من الكوارث والتنمية الدولية منذ العام 2001، يلاحظ أنها أكبر منظمة غير حكومية إسرائيلية عاملة في مجال الإغاثة الإنسانية، وأن جنوب السودان واحدة من أربع دول أفريقية تنشط فيها المنظمة (إلى جانب أوغندا ورواندا ومالاوي).
خلاصة
يلاحظ من تتبع خريطة أنشطة الماشاف في القرن االأفريقي ما يلي:
- أنها تتسم بمقاربة أعمق وأسرع مقارنة ببقية أنشطة الماشاف في القارة الأفريقية (لاسيما كل من زامبيا وغانا ونيجيريا).
- هناك توجه لرفع سقف الدعم المالي المقدم للماشاف للتوسع في القرن الأفريقي وأفريقيا، وربما عبر أطراف ثالثة (مثل ألمانيا والإمارات)
- هناك خطط مستقبلية لإرسال مزيد من الخبراء الإسرائيليين في مجال التنمية، ومتوقع بطبيعة الحال أن يكون هؤلاء الخبراء متمرسون في أعمال تقنية وأمنية وعسكرية معقدة.




