صفقة السلاح الباكستاني للسودان: التقاطعات والآفاق
صفقة السلاح الباكستاني للسودان: التقاطعات والآفاق
تشهد البيئة الإقليمية المحيطة بالسودان تحولات متسارعة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية، في ظل تصاعد التنافس بين القوى الإقليمية الكبرى. وفي هذا السياق، برزت تقارير عن محادثات بين المملكة العربية السعودية وباكستان بشأن صفقة عسكرية كبيرة تتعلق بطائرات مقاتلة من طراز JF-17 ثاندر، وهي طائرات من الجيل الرابع مطوّرة بالتعاون مع الصين.
وتتجاوز أهمية هذه الصفقة بعدها العسكري المباشر، إذ ترتبط بسياق أوسع من التنسيق الأمني المتنامي بين الرياض وإسلام آباد، وسط تكهنات بامتداده إلى مجالات استراتيجية حساسة، فضلاً عن مؤشرات على انخراط تركيا في ترتيبات إقليمية ناشئة قد تأخذ طابع تحالف ثلاثي غير معلن. ويُنظر إلى هذه التحركات بوصفها جزءاً من جهود إعادة تشكيل توازن الردع في مواجهة تحديات إقليمية، لا سيما في ما يتعلق بإيران و”إسرائيل”.
ضمن هذا الإطار، تبرز فرضية توظيف السعودية لجزء من التزاماتها المالية تجاه باكستان—المقدرة بنحو ملياري دولار—في تمويل صفقة تسليح قد تصل قيمتها إلى أربعة مليارات دولار، على أن يتم توجيه هذه القدرات العسكرية لاحقاً إلى السودان، دعماً للحكومة القائمة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في خضم الحرب المستمرة مع قوات الدعم السريع.
صفقة السلاح الباكستاني – جدل الوقائع
خلال الفترة الماضية، تزايدت الأنباء حول إلغاء أو تعثر صفقة سلاح باكستانية موجهة للجيش السوداني، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والتحليلية. غير أن مراجعة المعطيات المتاحة تكشف أن الحديث عن “إلغاء صفقة” يفتقر إلى أساس واقعي، في ظل عدم الإعلان أصلاً عن توقيع اتفاق رسمي ملزم بين الأطراف المعنية.
وفي هذا السياق، أوضحت مصادر متخصصة—من بينها منصة “القدرات العسكرية السودانية”—أن ما جرى تداوله لا يتجاوز كونه تضخيماً إعلامياً لتفاعلات طبيعية تحدث في معارض الدفاع الدولية، مثل معرض الدفاع العالمي بالرياض 2026، حيث تقتصر التحركات على استكشاف تقني وتبادل للخبرات دون أن ترقى إلى مستوى التعاقد.
كما نفت مصادر عسكرية سودانية المزاعم التي ربطت تعثر الصفقة بضعف الثقة بين الرياض والخرطوم أو بتوترات سياسية مرتبطة بعلاقات السودان الخارجية، مؤكدة أن التعاون الدفاعي مع دول مثل باكستان وتركيا يتم وفق أطر مؤسسية واضحة، بعيداً عن القراءات الاستخباراتية الغربية التي تميل إلى تفسير التطورات من منظور تنافسي.
وعليه، يمكن القول إن المشهد لا يزال في مرحلة “التفاوض الاستكشافي”، حيث تتداخل الاعتبارات الفنية مع الحسابات السياسية، دون الوصول إلى نقطة الحسم التعاقدي، لكن ذلك لا ينفي أن السودان تلقى مساعدات عسكرية معتبرة خلال الفترة الماضية ساهمت في ترجيح كفة الجيش السوداني العسكرية ضد مليشيا الدعم السريع في عدد من محاور القتال.
وقد أفضت الحرب السودانية، التي اندلعت منذ عام 2023، إلى إعادة تشكيل طبيعة الصراع، بحيث لم يعد شأناً داخلياً صرفاً، بل تحول إلى ساحة تنافس إقليمي بين قوى تسعى إلى تأمين مصالحها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، تُظهر المعطيات أن المملكة العربية السعودية تميل إلى دعم الحكومة السودانية المعترف بها دولياً، في حين تُتهم دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم مليشيا الدعم السريع. وقد أدى هذا التباين إلى نشوء نمط وصفه البعض بأنه “صراع بالوكالة”، حيث تسعى كل دولة إلى ترجيح كفة حلفائها دون الانخراط المباشر في المواجهة.
ويكتسب السودان أهمية خاصة في هذا التنافس لاعتبارات عدة، أبرزها موقعه الجيوسياسي الرابط بين القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فضلاً عن موارده الطبيعية وإمكاناته الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، ترى الرياض أن الحفاظ على استقرار السودان—أو على الأقل منع سقوط الحكومة الحالية—يمثل مصلحة استراتيجية لا يمكن التفريط فيها.
وفي ضوء ذلك، تبدو صفقة الطائرات الباكستانية جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز قدرات الجيش السوداني، بما يمكنه من مواجهة التسليح الاماراتي المتواصل لمليشيا الدعم السريع، خاصة في مجالات مثل الطائرات المسيّرة والتقنيات الحديثة للحرب الإلكترونية.
وتأتي التحركات الباكستانية والتنسيق السعودي في إطار سعي أوسع لتعزيز لباكستان حضورها في سوق السلاح العالمية، مستفيدة من خبراتها العسكرية ومن شراكاتها التقنية مع الصين. وقد برز هذا التوجه بشكل أوضح عقب المواجهات العسكرية الأخيرة مع الهند، والتي أظهرت قدرات متقدمة لسلاح الجو الباكستاني، لا سيما في استخدام المنظومات الصينية. وفي هذا السياق، تعمل إسلام آباد على تسويق طائرات JF-17 ومنظومات دفاعية أخرى كبدائل أقل تكلفة مقارنة بالمنتجات الغربية، مستهدفة الأسواق الناشئة والدول التي تواجه قيوداً سياسية أو مالية في الحصول على السلاح الغربي.
أما بالنسبة للسودان، فإن التوجه نحو السلاح الباكستاني-الصيني قد يوفر له فرصة لتحديث قدراته العسكرية بتكلفة أقل، مع مرونة أكبر في شروط التعاقد، خاصة في ظل الدعم المالي المحتمل من السعودية.
التحول في الموقف السعودي
يعكس الانخراط السعودي المتزايد في الملف السوداني تحولاً ملحوظاً في السياسة الخارجية للمملكة، من التركيز على الأدوات الدبلوماسية والقوة الناعمة إلى تبني مقاربة أكثر حزماً تقوم على مزيج من الأدوات السياسية والعسكرية.
ويُعزى هذا التحول إلى إدراك متأخر نسبياً لطبيعة التنافس الإقليمي، خاصة مع الدور المتنامي للإمارات في مناطق متعددة، من القرن الأفريقي إلى ليبيا. وقد دفع ذلك الرياض إلى إعادة تقييم استراتيجيتها، بما يضمن حماية مصالحها الحيوية ومنع تآكل نفوذها.
كما تشير بعض التحليلات إلى أن السعودية باتت أكثر استعداداً للتعامل مع تعقيدات الواقع السياسي، بما في ذلك الانخراط غير المباشر في دعم أطراف داخلية، وهو ما يمثل تحولاً عن نهجها السابق الذي كان يقتصر على دعم الحكومات الرسمية.
وحول التأثيرات المحتملة للنشاط السعودي الباكستاني على مسار الصراع يمكن القول أنه في حال إتمام صفقة السلاح الباكستاني بتمويل سعودي، فمن المرجح أن يكون لها تأثيرا ملموسا على موازين القوى في السودان، وذلك من خلال:
- تعزيز القدرات الجوية للجيش السوداني، بما يمكنه من استعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات.
- تحسين أنظمة الدفاع الجوي، بما يحد من فعالية الطائرات المسيّرة التي تستخدمها قوات الدعم السريع.
- رفع كفاءة العمليات المشتركة عبر إدخال منظومات حديثة للتنسيق والاستطلاع.
غير أن هذا التأثير سيظل مرتبطاً بعدة عوامل، من بينها قدرة الجيش على استيعاب هذه التقنيات، واستمرار الدعم اللوجستي، فضلاً عن ردود فعل الأطراف الإقليمية الأخرى.
السيناريوهات المستقبلية
تكشف صفقة السلاح الباكستاني بتمويل سعودي للسودان عن تداخل معقد بين الأبعاد العسكرية والسياسية والإقليمية، حيث لم تعد القضية مجرد صفقة تسليح، بل باتت جزءاً من صراع أوسع على النفوذ في المنطقة.
ويبدو أن السودان قد تحول بالفعل إلى ساحة اختبار لتوازنات جديدة، تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية مثل السعودية والإمارات، إلى جانب أدوار دولية صاعدة كباكستان وتركيا. وفي ظل هذه التعقيدات، يبقى مستقبل الصراع مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين التصعيد والتسوية، تبعاً لقدرة الأطراف على إدارة تناقضاتها والتوصل إلى صيغة توازن مستدام، ويمكن استشراف عدد من السيناريوهات المحتملة لتطورات المشهد، يمكن حصرها في الآتي:
أولا: سيناريو التصعيد:
حيث سيؤدي تدفق هذا السلاح المتطور إلى تصعيد العمليات العسكرية للجيش وتحقيق انتصارات متعددة، مع احتمال زيادة الإمارات لدعمها المقابل لمليشيا الدعم السريع، ما يطيل أمد الصراع.
ثانيا: سيناريو التوازن العسكري:
بحيث تسهم الصفقة في تحقيق نوع من التوازن بين الطرفين، ما قد يدفعهما إلى العودة إلى طاولة المفاوضات وفق سياقات متعددة.
ثالثا: سيناريو الاحتواء الإقليمي:
في حال نجحت الضغوط الدولية والإقليمية في ضبط إيقاع التدخلات، قد يتم احتواء الصراع ضمن حدود معينة تمهيداً لتسوية سياسية.
مراجع
الحقيقة الكاملة.. هل ألغت السعودية صفقة الـ 1.5 مليار دولار للجيش السوداني؟ ، نبض السودان، 25 مارس 2026، الرابط: https://nabdsudan.net/232571
السعودية توسّطت بين باكستان والسودان لتمويل صفقة طائرات مقاتلة وسط تنافسها الإقليمي مع الإمارات، ناشونال انترست، 17 يناير 2026، الرابط: https://www.facebook.com/GLFPost/posts/ا122280358214073751/
حسين قطايا، “ذا ناشونال إنترست”: لماذا تتوسط السعودية في صفقة طائرات مقاتلة بين باكستان والسودان؟، قناة الميادين، الرابط: https://www.almayadeen.net/press/
عماد حسن، السودان الآن: هل سيقلب السلاح الباكستاني معادلة الصراع؟، دوتشي فيله، ١٤ يناير ٢٠٢٦، الرابط: https://p.dw.com/p/56o7U
براندون ج. ويشرت، لماذا تتوسط السعودية في صفقة طائرات مقاتلة بين باكستان والسودان؟، مجلة “ذا ناشونال إنترست” الأميركية، 20 يناير 2026.





