على هامش المنتدى الهندي- الأفريقي الرابع: بين مشروع الجنوب العالمي ودور “الطرف الثالث”؟
على هامش المنتدى الهندي- الأفريقي الرابع: بين مشروع الجنوب العالمي ودور "الطرف الثالث"؟
انطلق المنتدى الهندي-الأفريقي الرابع في العاصمة الهندية نيودلهي في الفترة من 28 إلى 31 مايو الماضي تحت شعار “الشراكة الهندية الأفريقية الاستراتيجية من أجل الابتكار والصمود والتحول الشامل” India Africa Strategic Partnership for Innovation, Resilience and Inclusive Transformation، والذي يحمل اختصارًا دالًا بالإنجليزية (IA SPIRIT)، مستلهمًا عبارة شهيرة لرئيس الووزراء الهندي مودي بأن هذه الشراكة “ليست رحلة جديدة، ولا بداية جديدة. بل وعد جديد بمستقبل عظيم لعلاقة عريقة”؛ وحسب الموقع الرسمي للمنتدى فإن هذا الشراكة تقوم على أعمدة رئيسة أهمها: التعاون السياسي والاستراتيجي؛ والسلم والأمن والحوكمة؛ والتحول الاقتصادي والتجارة؛ والزراعة والصحة؛ والتعليم والتنمية البشرية؛ وشراكة التنمية؛ وتكنولوجيا الفضاء والابتكار والذكاء الاصطناعي؛ والعمل المناخي والاستدامة البيئية؛ ثم التبادلات الثقافية والشعبية. وتتنوع هذهالأعمدة بشكل مفرط وإن كانت تتسق، نظريًا على الأقل، مع فكرة علاقات الهند مع نحو 50 دولة أفريقية وليس مع “قارة” واحدة كفهوم مضلل نوعًا ما في مقاربات علاقات القوى الكبرى والمتوسطة مع “أفريقيا”. لكن رغم هذا الزخم الكبير قبيل انعقاد المنتدى، كما يتمثل في جهود نيودلهي الحثيثة حتى اللحظات الأخيرة لمشاركة اكبر عدد ممكن من القادة الأفارقة، تظل معضلة علاقات الهند “بأفريقيا” قائمة في سؤال هل الهند تميل لعلاقات “ثنائية” مباشرة ومستقلة نسبيًا، أم أنها تفضل استكمال لعب دورها “كطرف ثالث” مكمل لعلاقات دول مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل والإمارات في أفريقيا؟
الهند وأفريقيا: تاريخ حافل وحاضر متواضع
قامت علاقات الهند وأفريقيا على أسس تاريخية ممتدة لآلاف السنين لاسيما إذا تم وضعها في سياق “عالم المحيط الهندي”، وعززتها نيودلهي في عهد ما بعد الاستعمار بقيادتها المهمة والمؤثرة لحركة عدم الانحياز في خمسينيات القرن الماضي، والتي كانت بدورها رافعة رئيسة في دعم حركات التحرر الوطني في أفريقيا وكذلك “دولة ما بعد الاستعمار” بها. واستمرت هذه العلاقة، التي وصفتها الباحثة الهندية مالانشا تشاكرابارتي Malancha Chakrabarty (2016) بالقائمة على مناهضة الاستعمار وتعاون الجنوب الجنوب حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي، إلى تبني نهج ليبرالي جديد يتسق مع تحرير الاقتصاد الهندي نفسه على نحو حول مقاربة الهند من التعاضد الأيديولوجي (مع أفريقيا) إلى الدبلوماسية الاقتصادية، واعتماد أولوية الحصول على الموارد الاقتصادية لاسيما مع تزايد اعتماد الهند على واردات البترول الخام والفحم والغاز الطبيعي بنسبة 79%، و18%، و15% على الترتيب منذ العام 2010-2011 (وحتى العقد الفائت على أقل تقدير)، الأمر الذي عزز نهم نيودلهي للموارد الأفريقية، والاتساق مع المقاربات المماثلة سواء الصينية أم الغربية وغيرها.
ومثلت قمة المنتهدى الهندي- الأفريقي الأول (2008) بلورة جديدة لمقاربة الهند الأفريقية إذ أعلنت عن إطلاق آلية الإعفاء الجمركي التفضيلي، وعن خط ائتماني إضافي لدول أفريقيا بقيمة 5.4 بليون دولار وزيادة عدد المنح العلمية للطلاب الأفارقة. وتبنت القمة الثانية (2011) رؤية التركيز على التعاون في مجال الأمن الغذائي، ثم الالتزام بخط ائتماني آخر بقيمة 5 بليون دولار، ومساعدات ممنوحة بقيمة 700 مليون دولار “لإقامة مؤسسات جديدة في أفريقيا”. ومثلت القمة الثالثة حدثًا فارقًا في علاقات الهند بأفريقيا، إذ شاركت في القمة جميع الدول الأفريقية، وأعلنت نيودلهي عن خط ائتماني جديد بقيمة 10 بليون دولار ومساعدات ممنوحة بقيمة 600 مليون دولار و50 ألف منحة علمية إضافية للطلاب الأفارقة، وتلت القمة زيارات رفيعة المستوى قام بها كبار المسؤولون الهنود وأبرزهم الرئيس ونائبه ورئيس الوزراء؛ وعلى سبيل المثال ركزت جولة رئيس الوزراء الهندي لأفريقيا في يوليو 2016 على تحقيق تعاون أكبر في مجال الأمن البحري في “إقليم المحيط الهندي”.
وإجمالًا قدمت الهند لدول أفريقيا دعمًا ماليًا تمثل في توفير قروض تفضيلية بقيمة 12 بليون دولار (على مدار نحو عقدين كاملين) لتمويل مشروعات أكثر من 200 مشروع في 43 دولة. لكن هذا الرقم يبدو متواضعًا للغاية عند الأخذ في الاعتبار المدى الزمني (حوالي 450 مليون دولار سنويًا) ونظيره الجغرافي الممتد على 43 دولة (أي أن نصيب الدولة حسابيًا في حدود 10-15 مليون دولار سنويًا)، وأوضح مسؤولون على صلة بالقمة المرتقبة عزم نيودلهي التركيز على المشروعات المشتركة من أجل التصنيع المحلي، وتكرير النفط، والتصنيع كمسار بديل لتصدير المواد الخام. وبالتزامن مع ذلك انخرطت الشركات الهندية في مساعي الحصول على الليثيوم والمعادن الأرضية النادرة في دول مثل زامبيا وناميبيا لتوفير المواد الخام اللازمة لصناعات هندية صاعدة مثل مصانع البطاريات وسلاسل الإمداد المتجددة ومراكز تنمية المهارات، وربطها مستقبلًا بصناعات مماثلة في أفريقيا.
ولا يتوقع أن تمضي الهند قدمًا في هذا المسار خارج المظلة الأمريكية، والتنسيق المطلق مع أطراف ثالثة أهمها إسرائيل والإمارات. وتتفاوت مقبولية هذا الدور أفريقيًا من دولة لأخرى بطبيعة الحال، مما يضفي تجريدًا مخلًا لدور دولة بحجم الهند وبتاريخها النضالي المتشابك مع أفريقيا إلى دولة تقبل القيام بأدوار تابعة، أو تخادمية، لدول صغيرة الحجم والمقبولية في القارة الأفريقية.
القمة ودعم الجنوب العالمي
ينظر مراقبون للمنتدى الهندي الأفريقي على أنها حالة هامة لاختبار قدرة دول الجنوب العالمي، أو المستعمرات السابقة، على وضع قواعد للانخراط في السياسة الدولية تكون الأولوية فيها لبناء القدرات المتبادل بدلًا ساتنزاف موارد هذه الدول على نحو مستدام من قبل القوى الدولية الكبرى والمتوسطة؛ لاسيما أن تجربة الهند بتحقيق تقدم اقتصادي نسبي وحكم ديمقراطي بالرغم من الإرث الاستعماري التاريخي المرير يمكن ان تمثل تجربة تنموية نموذجية يمكن لدول القارة الأفريقية الاقتداء بها. لكن الاختبار الحقيقي في نيودلهي سيكون مدى قدرة الهند على خلق فرص عمل ونقل التكنولوجيا إلى الدول الأفريقية في العقد المقبل؛ لاسيما أن نيودلهي تصف قمتها بأنها “منصة لتعاون الجنوب- الجنوب” بين المستعمرات السابقة. كما ستمثل القمة اختبارًا حقيقيًا لنجاح أجندة طموحة وضعتها الهند أمام أكثر من 40 زعيم أفريقي يتوقع حضورهم فعالياتها، وربما كان أهم مضامينها تكوين “تكتل للمعادن الهامة” يركز على سلاسل القيمة المحلية (أي توطين قطاع التعدين الصناعي وتجاوز فكرة تصدير المواد الخام من المانجم مباشرة للدول المستوردة دون أية عمليات إضافية محليًا)، وهي الفكرة التي يترقب أن تلفت الأنظار في القمة حال تحققها.
بأي حال فإن القمة تمثل فرصة ممتازة للهند للترويج لقيادتها (إلى جانب الصين وروسيا والبرازيل) للجنوب العالمي، وأن مسارها التنموي في السنوات الأخيرة يمثل نموذجًا هامًا لبقية دول الجنوب العالمي، ولاسيما في أفريقيا. وقد طرحت نيودلهي ذلك في وقت مبكر من هذا العام خلال قمة AI Impact Summit (نيودلهي، فبراير 2026) على لسان رئيس الوزراء مودي الذي أكد ان تلك القمة “تستدعي الفخر في الجنوب العالمي”، وعلى وجوب استخدام الذكاء الاصطناعي في قيادة التنمية في الجنوب العالمي.
لكن يبدو أن الهند تعول كثيرًا على الانخراط في “الجنوب العالمي” وعدم التمرد على أطره العامة (حتى لو شكليًا)؛ واتضح ذلك في تذبذب موقف الهند من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من الدعم المطلق لهذه الحرب والتصعيد ضد إيران إلى تراجع نسبي مع قرب نهاية مايو، وما لاحظه مراقبون من اتساق مواقف نيودلهي بشكل أكبر مع ضغوط الجنوب العالمي (بقيادة الصين وروسيا هذه المرة) لوقف تصعيد الحرب والعمل على وضع نهاية سلمية لها لتفادي مزيد من التداعيات السلبية لها.
الهند ومعضلة الطرف الثالث: حالة القرن الأفريقي
تدلل مقاربة الهند نحو القرن الأفريقي، الذي يمثل -مع امتداداته في شرق أفريقيا وداخل البحر الأحمر- رأس جسر حقيقي لسياسات نيودلهي الأفريقية، على اصطفاف الهند تقليديا خلف السياسات الأمريكية والمواقف الإقليمية (في الإقليم أو في دول جواره) الداعمة لتلك السياسات بشكل تام. ويرجع ذلك إلى عدة اعتبارات منها:
يتضح من الإشارات السابقة، مع تفهم أنها تأتي في سياق رؤية الهند لدورها الإقليمي منذ وصول رئيس الوزراء مودي للحكم في العام 2014، جنوح الهند للعب دور “الطرف” الثالث في تغيير الوضع في القرن الأفريقي على المدى البعيد. وربما يتضح ذلك من خلال رصد تشبيك العلاقات بين الهند والقوى الإقلييمة الأخرى التي لا ترى غضاضة في الاعتداء على سيادة دول القرن الأفريقي والعمل على تفكيكها علنًا؛ وعلى سبيل المثال عززت شركة موانئ دبي العالمية نهاية فبراير الفائت (وقبل ساعات من وقوع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران) وجودها في طرق الملاحة بين دول القرن الأفريقي والهند بالاستحواذ على شركة DW World Chennai“لتعزيز قدرة شركة موانئ دبي العالمية الأم على تقديم وصلات مستمرة ودقيقة التوقيت في أرجاء ممر الهند- الشرق الأوسط (البحري)”.
بأي حال فإن الهند امام اختبار حقيقي لدورها في الجنوب العالمي، وعدم تعزيز صورتها كطرف داعم لسياسات “استعمارية جديدة” تقودها الولايات المتحدة وعدد من حلفاءها في أفريقيا. ورغم ما يمكن ملاحظته من وقوع الهند في فلك السياسات الأمريكية بشكل كامل، فإن طموح نيودلهي بالاضطلاع بدور في الجنوب العالمي ربما يكبح جماح هذا التطرف الهندي في أفريقيا لصالح مقاربة ثنائية تعزز مبدأ الربح للجميع: أي الهند والدول الأفريقية، وهو الأمر الذي سيكشف عنه ما سيسفر عنه المنتدى نهاية مايو الجاري.




