النزاع السيادي بين فرنسا ومدغشقر: خيارات ملغاشية لاستعادة الجزر المتنازع عليها
على الرغم من زوال الاستعمار الأوروبي وانتزاع الدول الإفريقية لاستقلالها وسيادتها التامة قبل عقود، لا تزال بعض القضايا المتعلقة بالنزاعات السيادية وبقايا النفوذ الاستعماري في القارة عالقةً دون تسوية، فالوجود الفرنسي في جزر إيبارس، الواقعة في قناة موزمبيق، لا يزال يثير نزاعًا متصاعدًا بين فرنسا وجمهورية مدغشقر التي تدّعي أحقيتها في استعادة تلك الجزر إلى سيادتها الوطنية بوصفها جزءًا من إقليمها.
إلا أن مطالب الاسترداد من قبل الدولة الملغاشية لا تزال تجابه، حتى الآن، بالرفض من قبل حكومة المستعمر القديم التي تظهر تمسكها بالسيادة المطلقة على هذه الجزر، وتعرض بدلًا من ذلك مقترحًا يتضمن الإدارة المشتركة، ومع ذلك أظهر الموقف الفرنسي خلال جولتين من المباحثات أن باريس لا نية لديها لتقديم أيّة تنازلات، وأنها تستهدف من وراء مناوراتها الدبلوماسية تكريس الوضع الراهن الذي يرمي إلى ترسيخ مكانتها كفاعل مؤثر وشرعي في منطقة المحيط الهندي، دون أدنى مراعاة لمصالح الطرف الآخر.
من هنا، تسعى هذه الورقة إلى تتبّع الجذور التاريخية للنزاع الفرنسي- الملغاشي وتطوراته حول جزر إيبارس، واستيضاح الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لهذه الجزر بالنسبة لفرنسا ضمن استراتيجيتها الأوسع نطاقًا في منطقة الإندو – باسيفيك، ومن ثم تقديم مقترح يتضمن عددًا من التدابير القانونية والسياسية التي يمكن لحكومة مدغشقر أن تبني عليها في إطار جهودها لاستعادة سيادتها الإقليمية على الجزر المُتنازع عليها مع فرنسا.
خلفية تاريخية للنزاع الفرنسي-الملغاشي
تعد فرنسا من أوائل القوى الأوروبية التي نجحت في بسط نفوذها في منطقة المُحيط الهندي؛ حيث ترتد جذور الوجود الفرنسي في المنطقة إلى النصف الثاني من القرن السابع عشر عندما أسست الحكومة الفرنسية ما يعرف بشركة الهند الشرقية الفرنسية، أسوةً بشركتي الهند الهولندية والبريطانية، لكن النفوذ الفرنسي بلغ ذروته بحلول نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين تمكنت باريس من بسط سيطرتها على عدد من الأقاليم والدول الجزرية وتحويلها إلى مستعمرات تابعة لها، مثل مدغشقر وتوابعها من الجزر المتناثرة المحيطة بها عام 1896، وجزر القمر عام 1912.
ظلت تلك الأقاليم جزءًا من الإمبراطورية الفرنسية في إفريقيا حتى انبلاج حركات التحرر الوطني ضد القوى الاستعمارية التي أرغمت في نهاية المطاف على منح الاستقلال التام لتلك المستعمرات، لكن الحكومة الفرنسية قبل توقيعها اتفاقية الاستقلال مع مدغشقر عام 1960، لجأت إلى إصدار مرسوم يقضي بفصل الجزر المتناثرة في قناة موزمبيق، والتي يشار إليها اختصارًا بجزر إيبارس Éparses، عن سلطة الحاكم العام في أنتاناناريفو ونقلها إلى سلطة الوزير المسؤول عن المقاطعات والأقاليم الخارجية.
وخلال السنوات التالية للاستقلال، أثارت حكومة مدغشقر مسألة السيادة على تلك الجزر وطالبت باستعادتها من فرنسا باعتبارها جزءًا من إقليمها، وعلى الرغم من تأكيد الأمم المتحدة في قراريها الصادرين عن الجمعية العامة عام 1979، و1980 لشرعية تلك المطالب بوصفها استمرارًا لجهود تصفية وإزالة الاستعمار، إلا أن باريس أعلنت تمسكها بالسيادة الكاملة على الجزر، واصفةً إياها بأنها تشكل جزءًا من أقاليمها في ما وراء البحار، تلا ذلك تعزيز وجودها العسكري في الجزر بشكل دائم.
ظل ملف النزاع حول جزر إيبارس ساكنًا دون حراك لسنوات طويلة بين البلدين، قبل أن تعيد الحكومة الملغاشية تأكيد أحقيتها التاريخية في استعادة الجزر، ما دفع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرونEmmanuel Macron ، عام 2019، إلى دعوة نظيره الملغاشي أندريه راجولينا Andry Rajoelina إلى تسوية هذا النزاع، لكن دون اللجوء إلى القضاء أو التحكيم الدولي، بل عبر إطار ثنائي يتضمن تشكيل لجنة مشتركة بين البلدين بهدف التوصل إلى حلول توافقية واستكشاف الفرص المشتركة للتنمية والتعاون.
ومع فشل الجولة الأولى للجنة الثنائية خلال انعقادها بالعاصمة أنتاناناريفو في التوصل إلى اتفاق يعزز الإدارة المشتركة للجزر المتناثرة، قامت باريس، مدفوعةً برغبتها في الحفاظ على علاقاتها الثنائية مع مدغشقر وتأمين وصولها إلى المعادن الأرضية النادرة في هذا البلد، بالدعوة إلى عقد جولة ثانية بالعاصمة الفرنسية، وهي الجولة التي انعقدت بنهاية يونيو 2025 في أعقاب زيارة رسمية قام بها الرئيس الفرنسي إلى مدغشقر في أبريل من العام نفسه.
غير أن هذا الاجتماع لم يسفر عن نتائج مرضية؛ حيث أعلن الوفد الفرنسي برئاسة وزير الخارجية والشئون الأوروبية، جان نويل بارو Jean Noel Barrot، تمسك بلاده بالسيادة الكاملة وغير القابلة للتفاوض على الجزر، فيما بدا الوفد الملغاشي أكثر تحفظًا وميلًا إلى عدم التصعيد، في مسعى منه للإبقاء على الحوار قائمًا ومفتوحًا، وهو ما يعكس اختلال ميزان القوى بشكل واضح لصالح فرنسا المدعومة بقوتها العسكرية ونفوذها الدبلوماسي.
الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لجزر إيبارس
تحظى جزر إيبارس، وهي عبارة عن عدة جزر صغيرة غير مأهولة تقع قبالة السواحل الغربية لمدغشقر في قناة موزمبيق، بأهمية كبيرة تتجاوز سردية السيادة أو مسألة استعادة الحقوق التاريخية، فهذه الجزر التي تديرها فرنسا والتي تتجاوز مساحتها الكلية 40 كيلو مترًا مربعًا تمنح الدولة الحاكمة لها مساحةً بحريةً ضخمة غنية بالثروة السمكية واحتياطيات الغاز المُحتملة، وتقدر هذه المساحة بنحو 640 ألف كيلو متر مربع.
السبب في امتلاك فرنسا هذه المساحة البحرية المترامية حول الجزر يرجع إلى أن القانون الدولي للبحار يمنح كل جزيرة امتدادًا بحريًّا لمسافة 200 ميل بحري تبدأ من خط الأساس باتجاه أعالي البحار فيما يطلق عليه “المنطقة الاقتصادية الخالصة”، وهي منطقة تتمتع فيها الدولة بحقوق سيادية لغرض استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، فضلًا عن منحها بعض الاختصاصات كالحق في إقامة الجزر الاصطناعية، وحق البحث العلمي، وكذلك حق المطاردة الحثيثة.
ونظرًا لوقوعها في الحيز المائي لقناة موزمبيق، الفاصلة بين جزيرة مدغشقر شرقًا وسواحل موزمبيق غربًا، فإن جزر إيبارس تشكل بذلك جزءًا مهمًا في طريق النقل والتجارة البحرية بين منطقتي شرق إفريقيا وجنوب آسيا من ناحية والمحيط الأطلسي من ناحية أخرى، حيث تشكل قناة موزمبيق وجزرها المتناثرة نقطة الاختناق البحرية الرئيسية في المنطقة[1].
علاوةً على ذلك، تشير تقديرات المسوح الجيولوجية إلى وجود احتياطيات ضخمة من الهيدروكربون والغاز في المنطقة البحرية المُحيطة بالجزر تتجاوز الاحتياطيات الموجودة في بحر الشمال، وتقدم هذه الثروات الطبيعية فرصًا واعدة للشركات الفرنسية لاستكشاف واستخراج الغاز مستقبلًا.
يؤكد انتشار فرنسا العسكري المنتظم في المنطقة، فضلًا عن شراكاتها الثنائية والإقليمية مع دول جنوب غرب المحيط الهندي، وانتسابها لعضوية منظمتين إقليميتين هما لجنة المُحيط الهندي (IOC) ورابطة دول حافة المحيط الهندي (IORA)، على طموحاتها لترسيخ مكانتها كلاعب رئيسي في المنطقة وتعزيز التكامل الإقليمي لأراضيها في المحيط الهندي
كما تمثل جزر إيبارس عنصرًا أساسيًا ضمن الاستراتيجية الفرنسية في منطقة الإندو – باسيفيك التي كشفت عنها باريس قبل عدة سنوات، فمن ناحية تؤكد إدارة فرنسا للجزر المتناثرة على حضورها كفاعل دولي مؤثر في مواجهة تصاعد الاهتمام العالمي بالمنطقة، ومن ناحية أخرى تسعى فرنسا عبر تعزيز وجودها إلى تأمين مصالحها الجيوسياسية وموازنة النفوذ المتنامي للصين.
بالإضافة إلى ذلك، تعد الجزر جزءًا مما يُطلق عليه “مثلث القوة” الفرنسي في المنطقة، إلى جانب جزيرتي مايوت Mayotte، ولا ريونيون La Réunion، ومن هنا فإن جزر إيبارس رغم كونها غير مستغلة في الوقت الحالي، فإن قيمتها المستقبلية في سياقات تنافس القوى الكبرى، تؤكد أن فرنسا لن تتخلى عن سيادتها عليها بسهولة[2].
ويؤكد انتشار فرنسا العسكري المنتظم في المنطقة، فضلًا عن شراكاتها الثنائية والإقليمية مع دول جنوب غرب المحيط الهندي، وانتسابها لعضوية منظمتين إقليميتين هما لجنة المُحيط الهندي (IOC) ورابطة دول حافة المحيط الهندي (IORA)، على طموحاتها لترسيخ مكانتها كلاعب رئيسي في المنطقة وتعزيز التكامل الإقليمي لأراضيها في المحيط الهندي[3].

Source: Paco Milhiet, France in the Indian Ocean: Navigating National Imperatives and Regional Ambitions, The Diplomat, 1 May 2025, at: https://n9.cl/4y5wq
تدابير مقترحة لاستعادة الجزر إلى السيادة الملغاشية
في ظل نتائج الجولة الثانية للجنة الثنائية الفرنسية الملغاشية التي عقدت بالعاصمة باريس في 30 يونيو 2025، والتي أظهرت موقفًا فرنسيًا متمسكًا بالوضع القائم، قابله موقف تفاوضي متحفظ من قبل الوفد الملغاشي، فإن المرحلة المقبلة تؤشر لاستمرار الوضع الراهن دون تغيير.
من هنا تبرز الحاجة إلى ضرورة تبني حكومة مدغشقر تدابير واجراءات موازية للمسار التفاوضي، بغرض تأكيد شرعية مطالبها في استعادة السيادة على الجزر المتنازع عليها ودفع الطرف الآخر إلى تقديم تنازلات جوهرية تلبي تطلعات الأمة الملغاشية، بما في ذلك التفاوض على ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الجانبين، أو التوصل لاتفاق بشأن الإدارة المشتركة على أقل تقدير، ونعرض فيما يلي لأبرز تلك التدابير المقترحة التي يمكن البناء عليها في السياسات الوطنية لمدغشقر:
1- اللجوء إلى القضاء الدولي
يعد اللجوء إلى القضاء الدولي إحدى وسائل التسوية السلمية لفض المنازعات بين الدول، ولعل أهم ما يميز القضاء الدولي أن الحكم الصادر عنه، خلافًا للوسائل السياسية أو الدبلوماسية، يكون قطعيًا وملزمًا لأطراف النزاع، وفي هذا الصدد تبرز محكمة العدل الدولية بوصفها الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، وتختص بالنظر في المنازعات القانونية بكافة صورها، ومن بينها منازعات السيادة الإقليمية.
غير أن اللجوء إلى المحكمة الدولية يتطلب موافقة طرفي النزاع وقبولهما اختصاص المحكمة، إما من خلال اتفاق سابق يقضي بإحالة النزاع إلى المحكمة، أو من خلال إعلان يتضمن اعتراف الطرفين أن لهيئة المحكمة السلطة القانونية للنظر في القضية المثارة بينهما واتخاذ قرار ملزم بشأنها، ونظرًا لعدم وجود اتفاق سابق بين الحكومتين الفرنسية والملغاشية ومعارضة باريس عرض النزاع على القضاء أو التحكيم الدولي، فإنه من غير الممكن بالنسبة لمدغشقر إحالة النزاع حول جزر إيبارس إلى المحكة الدولية للبت فيه.
عوضًا عن ذلك، يمكن لمدغشقر أن تطلب رأيًا استشاريًا من المحكمة حول شرعية الإدارة الفرنسية للجزر وحقها في استعادة السيادة على هذه الأراضي؛ حيث ينص النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية على أنه يجوز للمحكمة أن تصدر فتوى بشأن أي مسألة قانونية بناءً على طلب مقدم من أجهزة الأمم المتحدة، مثل مجلس الأمن أو الجمعية العامة، على أن تعرض المسالة التي يطرح بشأنها رأي استشاري أمام المحكمة عن طريق طلب كتابي يتضمن بيانًا دقيقًا بالمسألة التي تتطلب رأيًا استشاريًا[4].
من المرجَّح بنسبة كبيرة أن الرأي الاستشاري الذي ستصدره المحكمة الدولية بشأن هذه المسألة سيكون مؤيدًا لأحقية مدغشقر في استعادة الجزر إلى سيادتها، وسيؤكد في الوقت ذاته أنَّ استمرار الإدارة الفرنسية للجزر غير قانوني، وهذا الانحياز لصالح الموقف الملغاشي سيكون مدفوعًا بعدة اعتبارات قانونية، نذكر منها ما يلي:
- إن جزر إيبارس المتنازع عليها كانت تشكل جزءًا طبيعيًا وسياسيًا من مدغشقر قبل تحولها إلى مستعمرة فرنسية بحلول 1896، وقد ظلت هذه الجزر تدار إداريًا من قبل الحاكم الفرنسي العام في مدغشقر حتى استقلال هذه الأخيرة عن فرنسا عام 1960.
- إن المرسوم الذي أصدرته السلطات الفرنسية قبيل استقلال مدغشقر بوقت قصير بفصل جزر إيبارس عن سلطة الحاكم العام ووضعها تحت الإدارة المباشرة لسلطة وزير الأقاليم الفرنسية في ما وراء البحار يشكل انتهاكًا واضحًا لقرارات الأمم المتحدة التي تحظر تفكيك المستعمرات قبل منحها الاستقلال.
- انحياز الجمعية العامة للأمم المتحدة في قراريها الصادرين بين عامي 1979 و1980 اللذين دعت فيهما الحكومة الفرنسية إلى بدء مفاوضات بلا تأخير مع حكومة مدغشقر، بغرض إعادة جزر إيبارس (غلوريوز، خوان دي نوفا، يوروبا، وباساس دا إنديا) إلى الدولة الملغاشية بعد أن فصِلت عنها تعسفيًا، كما طالبت الجمعية العامة فرنسا بإلغاء التدابير التي تنتهك سيادة مدغشقر وسلامتها الإقليمية[5].
ورغم أن القرار الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية لن تكون له قوة ملزمة كالأحكام القضائية، إلا أنه سيمثل سندًا قانونيًا مهمًا لمدغشقر في نزاعها السيادي مع فرنسا، ويمكن أن ندلل على ذلك بما حدث عام 2019 عندما أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا بشأن النزاع القانوني حول أرخبيل تشاغوس، الواقع وسط المحيط الهندي، بين المملكة المتحدة وجمهورية موريشيوس[6].
فقد شكّلت هذه الفتوى دافعًا أساسيًا لقبول لندن الدخول في مفاوضات ثنائية مع بورت لويس للتوصل إلى تسوية عادلة بشأن الأرخبيل، وقد انتهت المفاوضات بتوقيع اتفاق تاريخي في مايو 2025 تنازلت بموجبه الحكومة البريطانية عن سيادتها على أرخبيل تشاغوس لصالح موريشيوس بعد نزاع دبلوماسي وقانوني دام لعقود[7].
2- حشد الدعم في المنظمات الدولية والإقليمية
تعد المنظمات والتكتلات الدولية منصةً فعالةً لإثارة القضايا المتعلقة بالمطالب السيادية والحقوق التاريخية، ومنبرًا لحشد الدعم السياسي من قبل حكومات الدول الأطراف، وتبرز الأمم المتحدة على رأس المنظمات الدولية المعنية بتصفية وإزالة الاستعمار وتمكين الشعوب من الاضطلاع بحقها في تقرير مصيرها.
من هنا يتعين على مدغشقر تحقيق أقصى استفادة ممكنة من عضويتها في المنظمة الأممية لتأكيد شرعية مطالبها في استرداد الجزر المتنازع عليها مع فرنسا، سيّما وأن القرارات السابقة الصادرة عن الأمم المتحدة تدعم هذه المطالب وتقر علنًا بعدم شرعية الوجود الفرنسي في الجزر، ويتطلب ذلك إثارة ملف النزاع من قبل مندوب مدغشقر في الأمم المتحدة عبر طرح مشروع قرار يدين استمرار الإدارة الفرنسية للجزر ويدعو باريس إلى إنهاء وجودها في تلك الأقاليم ونقل السيادة عليها إلى الحكومة الملغاشية.
ونظرًا لصعوبة استصدار قرار ملزم من مجلس الأمن بشأن هذه المسألة لوجود فرنسا كعضو دائم وقدرتها على إحباط مشروع القرار باستخدامها حق الفيتو، فإن البديل سيكون محاولة عرض مشروع القرار للتصويت من قبل الجمعية العامة، ورغم أن القرارات الصادرة عن هذه الأخيرة غير ملزمة إلا أن اعتماد مثل هذا القرار سيزيد الضغط على الحكومة الفرنسية ويعضد الموقف السياسي والقانوني للدولة الملغاشية.
كذلك يمكن أن توفر المنظمات والتكتلات الإقليمية الدعم السياسي لحكومة مدغشقر في نزاعها مع فرنسا، ولاسيّما الاتحاد الإفريقي ومجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (SADC)، وهما المنظمتان الإقليميتان اللتان تتمتع مدغشقر بعضويتهما، فالاتحاد الإفريقي معني بتعزيز التعاون بين الدول الأطراف في مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية، بما في ذلك القضايا المتعلقة بتصفية الاستعمار، وبدورها أكدت مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي دعمها لمدغشقر في نزاعها المستمر على جزر إيبارس، معتبرةً أن تمسك فرنسا بالوضع القائم يمثل انتهاكًا لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي.
3- تعزيز الشراكات الاقتصادية والأمنية مع القوى الكبرى
من الواضح أن الحكومة الفرنسية لا تشعر بتهديد حقيقي، أو أن مصالحها الاستراتيجية في مدغشقر عرضةً للخطر، ويتأكد ذلك من خلال تصلب موقفها التفاوضي ورفضها تقديم أيّة تنازلات بشأن الجزر، نظرًا لافتقار مدغشقر لأي أوراق للضغط السياسي أو المساومة، مقارنةً بالقوة العسكرية والنفوذ الدبلوماسي الهائل لفرنسا، لكن هذا الوضع يمكن أن يتغير في حال مضت أنتاناناريفو نحو تعزيز علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع القوى الكبرى المناوئة للنفوذ الغربي، والحديث هنا عن دولتي الصين وروسيا الاتحادية.
فالصين الشعبية، الطامحة إلى تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي عالميًا، سوف تجد في مدغشقر عددًا من عوامل الجذب، فهذه الأخيرة تعتبر سادس أكبر منتج للمعادن الأرضية النادرة في العالم، مثل الكوبالت والنيكل والجرافيت وغيرها من المعادن الاستراتيجية التي يتزايد الاهتمام العالمي بها نظرًا لاستخداماتها في التقنيات الحديثة وفي إطار التحول نحو الطاقة النظيفة.
ومن العوامل التي من شأنها أن تحفز بكين لتطوير علاقات تجارية واقتصادية مع مدغشقر، ما تبديه القوى الغربية من اهتمام متزايد بتلك المعادن الأرضية، ورغبتها في انتزاع اتفاق من الحكومة الملغاشية يتيح لها استخراج واستغلال هذه المعادن، لاسيّما من قبل الشركات الفرنسية والأمريكية.
في هذا السياق أيضًا يمكن للدولة الملغاشية أن تقدم إغراءً إضافيًا للصين، بمنحها حق إقامة قاعدة عسكرية على إحدى الجزر التابعة لها في المحيط الهندي أو في الأطراف الشمالية أو الجنوبية للجزيرة الرئيسية، خاصة وأن القيادة الصينية تسعى إلى توطيد نفوذها العسكري في المنطقة لموازنة الانتشار العسكري للقوى الغربية؛ فقد شهدت السنوات الماضية تحوّلا جذريًا في العقيدة العسكرية للصين تمثل في إنشاء أول قاعدة عسكرية صينية خارج الحدود الوطنية، وهي قاعدة دعم جيش التحرير الشعبي الصيني التي افتتحت في جيبوتي بحلول أغسطس 2017.
روسيا بدورها، وهي قوة كبرى معادية للغرب وتطمح إلى ترسيخ وجودها العسكري في المحيط الهندي وكسر العزلة الدولية التي تعيشها منذ سنوات، يمكن أن تشكل حليفًا استراتيجيا لمدغشقر، من خلال منحها قاعدة عسكرية، إضافةً إلى ذلك، يمكن لمدغشقر أن تجعل روسيا موردها الرئيسي للأسلحة، وهذا من شأنه أن يناسب موسكو التي تعاني نقصًا في تدفقات العملة الأجنبية نتيجة انخفاض صادراتها من النفط والغاز بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية جراء العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليها الدول الغربية بعد غزوها لأوكرانيا في فبراير 2022[8].
ومع ذلك، من الضروري أن يكون التقارب الملغاشي مع الصين أو روسيا الاتحادية، محسوبًا ومدروسًا بعناية، وإلا ستكون له عواقب وخيمة؛ فالاستثمارات التي تضخها الصين في دول القارة في مجالات تطوير البنية التحتية وقطاعات التعدين يمكن أن تكرس نوعًا من التبعية الاقتصادية، أو ما يعرف بـ “الوقوع في فخ الديون الصينية”؛ إذ تعمد الحكومة الصينية على منح الدول الإفريقية قروضًا مخفضة الفائدة، ومع ارتفاع مستويات الديون، فإن ذلك سيزيد من احتمالات تنامي الضغط الصيني على صانع القرار، وإعطاء الأولوية للمصالح الصينية على حساب الاحتياجات المحلية[9].
على الجانب الآخر، فإن أي وجود عسكري صيني أو روسي على الأراضي الملغاشية، سينظر إليه من جانب القوى الغربية، ولاسيّما الولايات المتحدة الأمريكية، باعتباره مؤشرًا لتحوّلات القوة، وتهديدًا لنفوذها الجيوسياسي في المنطقة، الأمر الذي سيجابه بتدابير وردود فعل مضادة قد تقوض مصالح مدغشقر، وتلحق ضررًا بعلاقاتها الاقتصادية والسياسية.
على ضوء ما تقدم، يمكن القول إن إتباع نهج جديد في السياسة الخارجية الملغاشية يقوم على تعزيز التعاون وتطوير شراكة متوازنة مع القوى الكبرى من شأنه تنويع الخيارات الدبلوماسية والاقتصادية أمام مدغشقر بما يعضد موقفها في مواجهة فرنسا التي ستجد نفسها، في ظل هذه المعطيات الجديدة، مضطرةً إلى إعادة النظر في موقفها بشأن الجزر وانتهاج نوع من الدبلوماسية المرنة، خوفًا من تقزم نفوذها وتدهور مصالحها الاستراتيجية في المنطقة على غرار ما تعرضت له من انتكاسة سياسية غير مسبوقة في مناطق نفوذها التقليدي في غرب ووسط إفريقيا.
ختامًا، فإن المسار الدبلوماسي وحده لا يبدو كافيًا لتمكين مدغشقر من إنهاء الإدارة الفرنسية للجزر الواقعة قبالة سواحلها الغربية واستعادة السيادة الوطنية عليها، بالنظر إلى فوارق القوة العسكرية والدبلوماسية بين الطرفين، وهو ما يحتم ضرورة تبني حكومة أنتاناناريفو تدابير وخيارات موازية لزيادة الضغط على عاتق الحكومة الفرنسية ودفعها إلى قبول الانخراط في مفاوضات جدية تمهيدًا لإبرام اتفاق ثنائي تتنازل بموجبه فرنسا عن إدارتها للجزر ونقل السيادة عليها إلى الدولة الملغاشية على غرار الاتفاق التاريخي الذي أبرمته حكومتا المملكة المتحدة وموريشيوس في مايو الماضي بعد عقود من النزاع القانوني حول أرخبيل تشاغوس
ومن جملة الخيارات المقترحة، التي أشرنا إليها في هذه الورقة، اللجوء إلى القضاء الدولي وتحديدًا محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة، وحشد الدعم في المنظمات الدولية والإقليمية، بالإضافة إلى تعزيز الشراكات الاقتصادية والأمنية مع القوى الكبرى، لاسيّما روسيا وجمهورية الصين الشعبية.
_______
المصادر والإحالات
[1] Abhijeet Noehra, Strategic significance of Mozambique channel, CESCUBE, 29 May 2021, , available at: https://n9.cl/4gkgo2
[2] Row over Scattered Islands revived as France and Madagascar hold talks, RFI, Published on 30 June 2025, available at: https://n9.cl/c94wd
[3] France in the south-west Indian Ocean, Ministère de l’Europe et des Affaires étrangères, Published on July 2024, available at: https://n9.cl/huvza
[4] المادة (65) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.
[5] Question of the Malagasy islands of Glorieuses, Juan de Nova, Europa and Bassas da India, Report of Secretary-General, Document No A/35/480, 27 October 1980, P.2.
[6] Legal Consequences of the Separation of the Chagos Archipelago from Mauritius in 1965, International Court of Justice, Advisory Opinion of 25 February 2019, available at: https://n9.cl/ib0u5
[7] هشام قدري أحمد، تحوُّلات السيادة: عودة أرخبيل تشاغوس إلى الحاضنة الأفريقيَّة، منصة جيسكا، منشور بتاريخ 30 مايو 2025، متاح على https://n9.cl/l407a0
[8] Faniry Serge Andriamiharisoa, The Scattered Islands in International Relations, Open Access Library Journal, Volume (9), 2022, P. 6
[9] Marcus Vinicius de Freitas, The Impact of Chinese Investments in Africa: Neocolonialism or Cooperation?, Policy Center for the New South, 2 August 2023, available at: https://n9.cl/pmevnx





