تركيا تعزز دبلوماسيتها الأفريقية في غرب أفريقيا: حالة نيجيريا

تركيا تعزز دبلوماسيتها الأفريقية في غرب أفريقيا: حالة نيجيريا

شهد النصف الثاني من أبريل 2026، وخلال طور انعقاد منتدى أنطاليا الدبلوماسي (ADF2026) في تركيا (17-19 أبريل) تحت عنوان “تخطيط المستقبل، إدارة عدم اليقين”Mapping Tomorrow, Managing Uncertainties، تطور ملموس في مقاربة تركيا تجاه غرب أفريقيا، ولاسيما تجاه نيجيريا، في مسار دعم جهود دول الإقليم في مواجهة الإرهاب. إذ تم في المنتدى توقيع اتفاق دفاعي بين تركيا ونيجيريا لمساعدة الخيرة في محاربة الإرهاب. إذ أكد وزير الدفاع النيجيري الجنرال كريستوفر موسى (18 أبريل) انتقال التعاون بين البلدين إلى التدريب والإنتاج وتحسين صناعة الدفاع النيجيرية، وكخطوة أولى من هذا التعاون، حسب موسى، فإنه تقرر إرسال 200 عنصر من القوات الخاصة في الجيش النيجيري “لتلقي التدريب في تركيا على الفور”، إضافة إلى بدء الترتيب لتأسيس “قاعدة تدريب عسكري كبرى في نييجريا” (بإدارة وتوجيه تركيين) إضافة إلى التعاون في مجالات مثل نقل التكنولوجيا ومشاركة الاستخبارات وعمليات التجسس المتقدمة. وجاءت هذه التحركات التركية المهمة في وقت تشهد فيه غرب أفريقيا وإقليم الساحل تغيرات جيوسياسية كبيرة بالتزامن مع تراجع النفوذ الفرنسي، مع نجاح أنقرة النسبي في تقديم نفسها كقوة دولية متوسطة “غير ذات ماضٍ استعماري”، وهي الفكرة التي راقت لتينوبو، وأنها شريك يعول عليه في مواجهة الجماعات المسلحة في مناطق متفرقة من القارة، لاسيما في دول إقليم الساحل (ومؤخرًا في ليبيا بالتعاون مع مصر عبر مناورات عسكرية مهمة عرفت بمناورات سرت- مايو 2026)

تركيا في غرب أفريقيا: طموحات وتحديات

ارتفعت طموحات انقرة الأفريقية لمستويات قياسية في ظل البيئة الدولية المتغيرة بشكل متلاحق، بالتزامن مع الصعود المنتظم في حجم تجارة تركيا- أفريقيا طوال العقدين الفائتين تقريبًا (منذ تبني تركيا في العام 2003 استراتيجيات محددة لتقوية تجارتها مع دول القارة الأفريقية)؛ ونتيجة لهذه الاستراتييجات الدائبة وصل حجم التبادل التجاري لتركيا مع أفريقيا بنهاية العام 2025 إلى 37 بليون دولار (تركز أغلبها في إقليم شمال أفريقيا ثم غرب أفريقيا)، وتضع أنقرة هدفًا محددًا بوصول هذا الرقم في العام 2028 إلى 50 بليون دولار.

وقد عكست استضافة وزارة الشؤون الخارجية التركية النسخة الخامسة من منتدى أنطاليا الدبلوماسي برعاية الرئيس رجب طيب أردوغان تحركًا تركيًا لمواجهة تنامي التوتر السياسي وتغير توازنات القوة وارتفاع العوائق التجارية والضغوط على النظام متعدد الأطراف، كما يتضح في الكثير من مناطق الأزمات. ورأى القائمون على المنتدى أنه يتناول قضايا هامة “من أجل مواجهة التحديات التي تواجه شعوب العالم والعمل على تحقيق نظام دولي أكثر شمولًا وعدلًا وفعالية”. وربما كانت أفريقيا بأقاليمها المختلفة، ومن بينها غرب أفريقيا في السياق الحالي، من أهم المناطق التي تتأثر سلبًا بتشوه النظام العالمي الحالي.

ويمكن النظر لجهد تركيا في تصعيد دورها الدولي على أنه جهد بالغ النجاح وأكثر قدرة على استغلال هوامش المناورة في النظام الدولي الراهن؛ ويتجلى ذلك في مظاهر هذا الجهد في غرب أفريقيا بشكل عام وفي نيجيريا على وجه الخصوص بالنظر إلى مكانة الأخيرة الإقليمية سياسيًا واقتصاديًا وقدرتها على لعب دور قاطرة شراكة تركيا في الإقليم. وقد تزايد الحراك التركي في غرب أفريقيا مطلع العام الجاري، مع استفادة أنقرة من وضعها الفريد كدولة عضو في الناتو (بقدرات عسكرية واضحة وقابلة للتطوير السريع ومن ثم القدرة على تكييف customization صناعة السلاح التركية لحاجات السوق الأفريقية)، ودولة لديها مكانة للحديث باسم الجنوب العالمي. وتزامن التحول التركي الكبير في تصدير السلاح لغرب أفريقيا والساحل مع خطوة التقارب التركي المغربي في نفس المسار؛ إذ أطلقت شركة Baykar التركية في ديسمبر 2024 مشروعًا كبيرًا لتشييد وصيانة طائرات بيرقدار Bayraktar TB2s ومسيرات أكينسي Akinciالأكثر تقدمًا في المغرب، وتوسع أسواق السلاح التركية في القارة لتشمل في غرب أفريقيا والساحل كل من بوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا وتوجو.

وعزز ذلك نجاعة سياسة تركيا الأفريقية التي تقوم على الجمع بين التعاون الأمني، والاستثمارات الاقتصادية، والتوسع الدبلوماسي، وكذلك مد النفوذ التركي بشكل متزايد للعديد من الموانئ الأفريقية، والتي تتبلور في حالة غرب أفريقيا والساحل هنا في شراكة تركيا مع المغرب في “المبادرة الأطلسية” Atlantic Initiative التي تهدف (ضمن غايات متعددة منذ تكوينها بمبادرة من الملك المغربي محمد السادس في نوفمبر 2023) إلى تزويد دول الساحل الحبيسة بوصول استراتيجي للمحيط الأطلنطي عبر استثمارات في مشروعات بنية أساسية رئيسة، وتركز في المقام الأول على إعادة تشكيل علاقات المغرب مع دول جواره الأفريقي (بما فيها موريتانيا). كما يلاحظ تراكم هذه الدبلوماسية التركية بشكل متصاعد في السنوات الأخيرة عبر أدوات دعم غير تقليدية شملت إرسال قوات تركية لعدد من دول الإقليم مثلما الحال في النيجر؛ حيث أكدت تقارير في نهاية 2025 إكمال انقرة خطط محددة بإرسال أعداد من جنودها إلى البلد الأفريقي “لتدريب القوات النيجرية وتقديم التوجيه اللازم لها” باعتبارها شريكًا استراتيجيًا ومركزًا من مراكز الدبلوماسية التركية في غرب أفريقيا، وما وصفه مراقبون غربيون بسعي أنقرة لتقديم نفسها بديلًا مقبولًا لدى الدول الأفريقية عن بكين وموسكو والعواصم الغربية.

وحرصت تركيا على تنويع القطاعات التي تستثمر فيها في غرب أفريقيا في العام 2025-2026؛ ويتضح ذلك في حالة كوت ديفوار، حيث دخل البلدان في ديسمبر 2025 في محادثات جادة لضخ استثمارات تركية في الثانية في قطاعات البناء والتشييد، وصناعة السيارات وقطع الغيار، والمعادن، والآلات، والورق، والأثاث، والطاقة، والتعبئة والتغليف، والغذاء، وتكنولوجيا المعلومات، والنسيج، والصحة والكيماويات، ومنتجات البلاستيك. ومن ثم كان منطقيًا ارتفاع حجم التبادل التجاري بين تركيا وكوت ديفوار في العام الماضي (2025) إلى 813 مليون دولار مما مثل زيادة بنسبة 37.6% مقارنة بالعام 2023، ويتوقع تجاوز هذا الرقم في العام الحالي حاجز بليون دولار.  وهو نموذج قابل للتكرار في بقية دول غرب أفريقيا بلا استثناء تقريبًا، ويؤشر إلى حجم التوسع المرتقب في النفوذ التركي في الإقليم، كما يتضح في حالة نيجيريا كبرى دول الإقليم والقارة الأفريقية سكانًا، وصاحبة واحد من أكبر ثلاثة اقتصادات في القارة مع جنوب أفريقيا ومصر في السنوات الأخيرة.

تركيا ونيجيريا: “اللعب مع الكبار”

دخلت تركيا ونيجيريا في شراكة استراتيجية في نهاية  يناير 2026 بتوقيعهما تسعة اتفاقات ومذكرة تفاهم خلال زيارة الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو الهامة في تركيا في ذلك الوقت. وبغض النظر عن اتساق هه الشراكة مع مجمل سياسات تركيا الأفريقية في السنوات الأخيرة، من حيث العمق والتنوع الكبيرين، فإن مكانة نيجيريا كأكبر سوق أفريقية أضافت أهمية فائقة لهذا التقارب التركي. وتضمنت الاتفاقات “المؤسسة” بروتوكولًا للتعاون العسكري لدعم جهود أبوجا في مواجهة الجماعات المسلحة وأبرزها بوكوحرام، مع تعهد أنقرة بنقل خبرتها في تقديم مسيرات البيرقدار للعديد من الدول التي تعاني من صراعات مماثلة للحرب على الإرهاب؛ وتأسيس لجنة اقتصادية مشتركة بهدف إزالة العوائق التجارية بين البلدين ومنع الازدواج الضريبي وإفساح الطريق أمام مستويات قياسية من التجارة الثنائية. كما لاحظ مراقبون شمول هذه الاتفاقات مذكرات تفاهم تعزز على المدى البعيد قوة تركيا الناعمة في نيجيريا مثل التعاون في مجال الأكاديميات الدبلوماسية، ومبادرات تركية تستهدف سوق نيجيريا الاستهلاكية، باعتبارها أكبر كتلة سكانية للمسلمين في القارة الأفريقية، والترويج لمعايير “الحلال ذات الجودة المرتفعة”؛ والاتفاق على التعاون في الميديا مما يعكس “رغبة مشتركة لمواجهة السرديات الغربية” وضمان تنسيق أكبر في خدمة مصالح البلدين.

وتأمل تركيا، حسب تصريحات مهمة لسفيرها في نيجيريا محمد بوروي مطلع أبريل 2026 خلال زيارته لمدينة كادونا وغرفتها التجارية، في رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى خمسة بلايين دولار في السنوات القليلة المقبلة، مقارنة برقم راهن في حدود 2 بليون دولار، وفي رفع الاستثمارات التركية لمستويات قياسية مقارنة بالمستوى لاحالي البالغ 400 مليون دولار.

وقد اهتمت الميديا النيجيرية اهتمامًا كبيرًا بما وصفته “بالتحالف الاستراتيجي” بين تركيا ونيجيريا (Daily Trust, May 1, 2026)، ولاسيما المناقشات المتعلقة بإقامة قاعدة عسكرية تركية في نييجريا بغرض تمكين الأخيرة من تطوير سبل مواجهتها للجماعات المسلحة والإرهابية. وقد فصل ذلك وزير الدفاع النيجيري كريستوفر موسى في مقال خص به الجريدة النيجيرية دايلي تراست؛ معتبرًا أن أهم ما تحقق خلال مشاركته في منتدى انطاليا الاتفاق على سفر 200 من أفراد القوات المسلحة النيجيرية إلى تركيا “من أجل تدريب متقدم في عمليات مواجهة الإرهاب، وقارنها بمشاركته في مهمة مماثلة في الفترة 2012-2013 في الصين للتدريب في “الكلية الدولية لدراسات الدفاع” International College of Defence Studies، كما فتح الباب أمام قبول شعبي لفكرة إقامة قاعدة عسكرية تركيا في البلاد معتبرًا الخطوة تقليدية ولا تنتقص من سيادة نيجيريا.

بأي حال فإن تلك الخطوة تشير إلى جهد نيجيري واضح لتوسيع شراكاتها العسكرية مع سعي أبوجا لعقد شراكات مع حلفاء جدد إضافة لحلفاءها التقليديين مثل الولايات المتحدة. كما مثل الاتفاق نجاحًا لتركيا في بروزها كمورد رئيس لمعدات الدفاع ولاسيما في مجال المسيرات والمعدات الدفاعية الأخرى في غرب أفريقيا والشرق الأوسط وبعض الدول الأوروبية. كما تأتي الخطوة فيما تواجه أبوجا ضغوطًا غير مسبوقة من الولايات المتحدة للتدخل عسكريًا وبشكل مباشر في مواجهة الإرهاب في نيجيريا، أو ما يمكن وصفه بالمساعي الأمريكي “لصوملة” نيجيريا.

تركيا ونيجيريا: ماذا بعد؟

تلتقي رؤية التقارب التركي- النيجيري عند عدة نقاط ومصالح مشتركة بين الجانبين، ولا تقتصر على حقيقة كونهما قوى إقليمية مهمة في سياقاتهما المباشرة (جوارها الجغرافي) أو في النظام الدولي الراهن، ويمكن تلمس هذه النقاط فيما يلي:

  • تمثل مساعدة تركيا لنيجيريا في مواجهة الإرهاب فرصة كبيرة لإثبات جدوى الدور التركي في مواجهة الإرهاب في أفريقيا في واحدة من اهم “قلاعه” الحصينة، وفي المقابل مساعدة نيجيريا على تجاوز واحدة من أخطر أزماتها بتكلفة سياسية منخفضة للغاية (بمعنى عدم الانتقاص من سيادة نيجيريا كما في الحالة الأمريكية المتوقعة).
  • يعزز التعاون الاقتصادي التركي- النيجيري حظوظ الاستثمارات التركية في أكبر سوق أفريقية، وبوابة مثالية للتغلغل في بقية أسواق غرب أفريقيا؛ كما تمثل التجارة البينية واستثمارات تركية المرتقبة في نيجيريا رافعة مثالية للاقتصاد النيجيري سواء من جهة العائدات المتوقعة على المدى البعيد أو من جهة التنوع الكبير للاستثمارات التركية في مختلف قطاعات هذا الاقتصاد.
  • يعزز هذا التعاون رؤية البلدان لفكرة “الجنوب العالمي” ومساعي الخروج من ربقة الهيمنة الأمريكية أو التغلغل الصيني بتكلفته الاقتصادية المتزايدة، نظريًا على الأقل.

كاتب

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى