تقدير موقف

تشكيل المشهد الأمني في مالي: من هشاشة التحالفات إلى احتمالات الانكشاف الاستراتيجي

تشكيل المشهد الأمني في مالي: من هشاشة التحالفات إلى احتمالات الانكشاف الاستراتيجي

لم يكن فجر 25 أبريل 2026 مجرد حادثة أمنية معزولة في مالي، بل يُنظر إليه في عدد من التقارير والتحليلات المفتوحة بوصفه نقطة تحول محتملة في مسار هشّ من التوازنات السياسية والأمنية التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة. فالهجوم المنسق الذي استهدف باماكو ومناطق في الشمال يعكس، وفق قراءات متعددة، تطورًا في تكتيكات الجماعات المسلحة، بقدر ما يشير إلى تحول أعمق في طبيعة الصراع ذاته.

في هذا السياق، تبرز معطيات ميدانية تشير إلى وجود مستويات من التقاطع العملياتي بين جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) و”جبهة تحرير أزواد”. ويظل هذا الطرح محل نقاش بين المراقبين في ضوء التباين الأيديولوجي والسياسي بين الطرفين، غير أن مجرد تداول هذه الفرضية يعكس احتمال إعادة تشكل خريطة الفاعلين المسلحين بما يتجاوز الأطر التقليدية لتحليل الصراع في مالي.

على مستوى العاصمة باماكو، تشير مصادر إعلامية متقاطعة إلى أن العمليات الأخيرة قد تجاوزت نطاق الاستهداف العسكري المباشر لتقترب من محيط المؤسسات السيادية الحساسة. وأكدت الحكومة المالية يوم الأحد 26 أبريل 2026 مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، بعد إصابته البالغة جراء الاستهداف الذي طال مقر إقامته في باماكو، وهو ما مثّل تحولًا مفصليًا في بنية القيادة العسكرية وأحدث ارتباكًا ملحوظًا داخل هرمها القيادي [1].

في المقابل، يشهد الشمال بحسب تقارير ميدانية مفتوحة حالة من عدم الاستقرار المستمر، مع تغيرات متكررة في السيطرة على مناطق استراتيجية. وقد سجلت التطورات الأخيرة تراجعًا في تمركز القوات الحكومية في مناطق مثل كيدال وتيساليت، مع استمرار الاشتباكات في محيط غاو. وتعكس هذه التحولات، رغم تفاوت التقديرات بشأن نطاقها، تآكل القدرة على تثبيت خطوط تماس مستقرة على الأرض.

ضمن هذا الإطار، تظل الشراكة مع روسيا أحد المحاور الأساسية للنقاش التحليلي. فبينما تعتمد السلطات على دعم عسكري وتقني متزايد، تشير قراءات متعددة إلى أن فعالية هذا الدعم ما تزال قيد الاختبار، خصوصًا في بيئات الصراع غير النظامية التي تتطلب قدرات استخباراتية محلية دقيقة لا يمكن استبدالها بالكامل بالتفوق التقني أو الجوي.

كما تشير تقارير متقاطعة إلى وجود توترات داخل المؤسسة العسكرية، سواء على مستوى التنسيق العملياتي أو توزيع الأدوار بين العناصر المحلية والداعمين الخارجيين، وهو ما ينعكس على كفاءة الأداء الميداني في بعض الجبهات. سياسيًا، لا يمكن فصل هذا التصعيد عن السياق الأوسع لمحاولات تسوية سابقة خلال عام 2025، والتي واجهت تحديات في التنفيذ أو تراجعت مع تآكل الثقة بين الأطراف، ما أعاد الدفع نحو المسار العسكري كخيار مهيمن لإدارة الصراع.

داخليًا، تتزايد المؤشرات على إعادة فتح النقاش حول حدود المقاربة الأمنية التقليدية، في ظل إدراك متنامٍ بأن جذور الأزمة تتجاوز البعد العسكري لتشمل قضايا الهوية والتمثيل السياسي وإعادة توزيع السلطة بين المركز والأطراف.

تقدير أولي لمسار الانكشاف الاستراتيجي

انطلاقًا من هذه المعطيات، يرى بعض المحللين أن مالي قد تكون بصدد دخول مرحلة يمكن توصيفها—بحذر—بـ“انكشاف استراتيجي”، أي تراجع قدرة الدولة على الحفاظ على منظومة حماية متماسكة داخليًا أو عبر التحالفات الخارجية. ومع ذلك، يبقى هذا التوصيف إطارًا تحليليًا مفتوحًا أكثر من كونه استنتاجًا حاسمًا.

وفي هذا السياق، يمكن رصد عدد من السيناريوهات المحتملة

أولًا: إعادة تموضع الشراكات الخارجية: قد تؤدي التطورات إلى إعادة تقييم أدوار الشركاء الخارجيين، بما في ذلك روسيا، سواء عبر تقليص الانخراط أو إعادة هيكلة طبيعة الدعم، وهو ما قد يفضي إلى فراغات أمنية مؤقتة.

ثانيًا: توسع الطابع الإقليمي للصراع: تشابك الشبكات المسلحة عبر الحدود يجعل من احتمال امتداد التوتر إلى دول الجوار احتمالًا قائمًا، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بما يرفع من مستوى المخاطر الإقليمية.

ثالثاً: تدويل أكثر انتظاماً للأزمة: قد تدفع حدة الضغوط الأمنية والسياسية المتزايدة نحو إعادة طرح الملف المالي ضمن أطر دولية أكثر انتظامًا، سواء عبر المنظمات متعددة الأطراف أو من خلال مبادرات إقليمية منسقة. ويعكس هذا المسار انتقال الأزمة من نطاقها الداخلي إلى فضاء إقليمي أوسع، خاصة في ظل ما تشير إليه التقارير الدولية من نشوء “فراغ استخباراتي وجوي” عقب انسحاب القوى الغربية، وهو ما أسهم في تعزيز حرية حركة الجماعات المسلحة عبر الحدود [2]. كما توضح المعطيات الميدانية أن الاعتماد على “الفيلق الأفريقي” الروسي لم ينجح في تثبيت السيطرة على بعض المراكز الاستراتيجية، من بينها كيدال، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة المقاربة الأمنية الحالية على تحقيق الاستقرار المستدام. وفي هذا السياق، ينعكس استقرار مالي مباشرة على أمن دول الجوار، التي باتت تنظر إلى الشمال المالي باعتباره مجالًا محتملًا لامتداد التهديدات العابرة للحدود. ويظل نجاح أي مسار تدويل مرهونًا بقدرة الفاعلين المحليين على توحيد موقف تفاوضي متماسك تجاه المبادرات الخارجية، بما يقلل من مخاطر تحول الأزمة إلى ساحة تنافس دولي مفتوح بين الفاعلين الخارجيين.

رابعاً: سيناريو السيولة السياسية الداخلية: يتمثل هذا السيناريو في احتمال تزامن الضغوط الأمنية المتصاعدة مع اهتزازات محتملة داخل بنية السلطة المركزية، وهو ما قد يفضي إلى مرحلة من عدم الاستقرار السياسي المعقد. إن استهداف وفقدان شخصيات محورية في هرم القيادة العسكرية، مثل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، إلى جانب ما أعلنته النيابة العامة العسكرية في باماكو مؤخراً بشأن وجود اتهامات تتعلق بـ“تورط سياسيين وعسكريين عاملين ومفصولين في التخطيط والتنسيق للهجمات الأخيرة” [3]، يمكن أن يؤدي إلى تباين في وجهات النظر داخل دوائر صنع القرار بشأن إدارة المرحلة المقبلة، بما ينعكس على مستوى التماسك المؤسسي وقدرة الدولة على ضبط الإيقاع الأمني والسياسي. ويرتبط تطور هذا المسار، في جانب منه، بقدرة السلطة على احتواء التداعيات الميدانية والسياسية المتراكمة، وإعادة إنتاج حد أدنى من الانسجام داخل مؤسساتها الحيوية.

خاتمة

لا تبدو الأزمة في مالي اليوم مجرد اختبار أمني تقليدي، بل مسارًا متعدد المستويات يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجال الجغرافي والاجتماعي الذي تديره. وبين تعدد الفاعلين، وتداخل المستويات المحلية والإقليمية والدولية، يظل السؤال مفتوحًا حول قدرة الدولة على إنتاج صيغة استقرار جديدة تتجاوز إدارة الأزمة نحو إعادة تأسيس التوازن السياسي والأمني.

الهوامش

[1] “إعلان مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا”، Agence de Presse Africaine (APA News)، 26 أبريل 2026 (فيديو إخباري)، متاح على:
https://m.youtube.com/watch?v=rC2LZYD_mpw

[2]“Au Mali, un partenariat fragilisé entre la Russie et la junte face à l’offensive jihadiste”، France 24، 29. 04 2026، https://www.france24.com/fr/afrique/20260429-mali-un-partenariat-fragilise-entre-la-russie-et-la-junte-face-offensive-jihadiste-africa-corps-wagner

[3] “مالي: «الفيلق الأفريقي» يعلن القضاء على 150 إرهابياً على حدود موريتانيا”، الشرق الأوسط، 2 مايو 2026، https://aawsat.com/العالم/أوروبا/5268901-ماليالفيلقالأفريقييعلنالقضاءعلى-150-إرهابياً-علىحدودموريتانيا

كاتب

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى