أدوار روسيا المتناقضة في وسط أفريقيا: بين نوستالجيا السوفييت وفخ المرتزقة!
أدوار روسيا المتناقضة في وسط أفريقيا: بين نوستالجيا السوفييت وفخ المرتزقة!
تسعى روسيا في السنوات الأخيرة لتحقيق نفوذ قوي لها في القارة الأفريقية عبر مجموعة من الأدوات تتراوح بين الدعم السياسي وترويج “النموذج السوفييتي” في علاقات الأولى مع أفريقيا، وفتح قنوات منتظمة لتوريد الأسلحة لعدد من الدول الأفريقية التي تعاني بدورها من أزمات أمنية مزمنة أو تمر بمرحلة ما بعد الانقلاب العسكري (كما في حزام الانقلابات بإقليم الساحل)، أو استخدام جماعة عسكرية غير نظامية لتقديم خدمات أمنية وعسكرية متنوعة لعدد من نظم الحكم، وربما الدخول في علاقات مع جماعات متمردة في دول أفريقية تمر بما يمكن وصفه “بلحظات عدم يقين” سياسة وعسكرية وأمنية. وتمثل تجارب الوجود الروسي في أوغندا وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان تضافرًا ملفتًا بين متناقضات الدور الروسي في أفريقيا بشكل واضح، كما سنحاول توضيح ذلك فيما يلي.
روسيا وجمهورية أفريقيا الوسطى: نقطة ارتكاز موسكو في أفريقيا
نمت العلاقات بين روسيا وجمهورية أفريقيا الوسطى في السنوات االأخيرة بشكل ملموس؛ وكان هناك قرابة 180 “خبير” instructors روسي بمن فيهم عناصر من فاغنر كانوا قد دخلوا إلى جمهورية أفريقيا الوسطى في نهاية العام 2017 بعد حصول روسيا على استثناء من قرار حظر الأمم المتحدة تقديم سلاح للجيش في جمهورية أفريقيا الوسطى، وارتفع العدد إلى نحو 2100 في العام 2021، ولعبوا دور رئيس في العمليات العسكرية من أجل استعادة أراضي من جماعات المتمردين (لاسيما في شمال شرق البلاد)، ثم تراجع العدد بشكل ملفت في العام الجاري 2026 إلى نحو 1500 عنصر. وقدم الروس عناصر الأمن الشخصي للرئيس فوستين-آرشنج تواديرا، وعمل عدد منهم مستشارين لهم. وورد نشاط الشركات المتعلقة بمجموعة فاغنر السابقة في مجالات الأمن الخاص، والتعدين، والأخشاب، وغيرها من مجالات التجارة. وساهم الروس في توطيد نفوذ الرئيس تواديرا منذ إعادة انتخابه رئيسًا للبلاد في نهاية العام 2025 لفترة رئاسة ثالثة (بعد تعديل دستوري مثير للجدل لم يكن ليتم تجاوزه دون دعم عسكري روسي قوي له)، ومساعدته في ترويض المعارضة على نحو غير مسبوق.
كما صُنفت جمهورية أفريقيا الوسطى على جانب كل من مالي وليبيا ضمن أكبر ثلاثة دول أفريقية في استضافة قوات عسكرية روسية في تقارير صدرت أبريل الجاري؛ ووصلت صلة موسكو ببانغي إلى مرحلة بالغة التعقيد حتى وصفها مراقبون بصلات ترجع في طبيعتها لعهد الحرب الباردة، دون أن تخلو تلك الصلة من تأثير طموحات القادة السياسيين في البلدين. فقد استغلت القوات الروسية الموجودة في جمهورية أفريقيا الوسطى، واغلبها من عناصر الفيلق الأفريقي الذي حل محل قوات مجموعة فاغنر، إطلاق يدها في العمل في أرجاء البلاد في استغلال عدد من مواردها، إلى جانب توظيف شكاوى السكان المحليين وعداءهم نحو القوى الغربية وعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لترويج صورة روسيا كقوة مناهضة للإمبريالية، والتغاضي عمليًا عن تجاوز قواتها نطاق عملها في دعم القوات الحكومية من أجل استعادة الأقاليم التي سبق أن استولت عليها حركات معارضة مسلحة إلى أداة لقمع جماعات من السكان المحليين “المعارضون لحكومة بانغي”.
وجاءت جمهورية أفريقيا الوسطى في قلب جهود روسيا، وظلت المقاربة العسكرية هي مفتاح هذه الجهود مقارنة بالقوة المالية التي تتوفر لمنافسي روسيا الجيوسياسيين مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي. بينما لاحظ مراقبون (8 أبريل) تركيز موسكو على دعم الدول الهشة في أفريقيا في المرحلة الراهنة والمرتقبة.
ويكتسب الدور الروسي في جمهورية أفريقيا الوسطى أهمية متزايدة في المرحلة الحالية بشكل ملموس في ضوء التحديات الأمنية والعسكرية التي تواجه النظام الحاكم في بانغي، وكذلك تطورات الإقليم (في وسط أفريقيا بشكل عام) بعد ورود تقارير (10 أبريل) عن مقتل عشرات الجنوب من دوله (لاسيما الكاميرون وأنجولا وجمهورية أفريقيا الوسطى) في جبهات الحرب الروسية الأوكرانية. وفي المقابل تظل جمهورية أفريقيا الوسطى نقطة ارتكاز رئيسة وحقيقية (على المدى لابعيد) للوجود الروسي في أفريقيا ككل وليس في وسطها فحسب في ضوء وقوع تلك الجمهورية على نقطة التقاء أقاليم حوض النيل والساحل والبحيرات العظمى ووسط أفريقيا معًا؛ وما يعنيه ذلك من توفير قاعدة “مثالية” لتحرك الدور الروسي بدينامية تامة تقريبًا.
روسيا وأوغندا: نوستالجيا الاتحاد السوفييتي؟
يبرز الزعيم الوغندي يوري موسيفني بين حكماء القارة الأفريقية حاليًا، مع تبنيه خطابًا جنوب عالمي وعدم انحيازي ملفت، مع إعلاء صوته بمناهضة العولمة وتمدد الإمبريالية الأمريكية سواء في القارة الأفريقية أم في أرجاء العالم. وتلتقي تلك الصورة التي يحب موسيفني ترويجها عن نفسه، بغض النظر عن تناقضات نظامه وتخادمه المتكرر مع عدد من أهم أركان “الإمبريالية الأمريكية” في أفريقيا، مثل التعاون المكثف مع إسرائيل ورواندا على سبيل المثال في قضايا تهدد استقرار دول جوار أوغندا وسيادتها. بأي حال فإن روسيا وأوغندا طورتا، طوال حكم موسيفني الذي تجاوز 40 عامًا، علاقات ثنائية وطيدة، تبلورت مؤخرًا في تقارب عسكري وصل لمستويات هامة (أو خطيرة حسب الميديا الغربية) بل وامتناع أوغندا عن التصويت في الأمم المتحدة بإدانة “غزو روسيا لأوكرانيا”، ويأتي هذا التقارب بين البلدين ضمن سياسات برغماتية واضحة لا تفرض مشروطيات “صفرية” بين الجانبين.
وعلى سبيل المثال وفرت موسكو لكمبالا (ديسمبر 2025) نظامًا استخباراتيًا معروفًا باسم ITMS يتيح توفير لوحات أعداد رقمية للسيارات، وقالت كمبالا أن النظام يهدف إلى تحسين سلامة الطرق وتحديث إدارة المرور، لكن سرت مخاوف حقيقية إزاء إمكانية استغلال هذا النظام في مراقبة المواطنين والتجسس عليهم باستخدام تقنيات معززة بالذكاء الاصطناعي، وما ذاع من تقارير عن استغلال أجهزة الدولة الأمنية لمثل هذه التقنيات في التجسس على المواطنين ولاسيما عناصر المعارضة الأوغندية. ووفرت واردات أوغندا (وغيرها من الدول الأفريقية) من تلك النظم فرصة للشركة الروسية المنتجة (وهي Joint Stock Global) من الخروج من أزمة إفلاسها قبل العام 2024.
أما شعبيًا فإن روسيا باتت تتمتع بالفعل بمقبولية واضحة وسط الشباب الأوغندي؛ واتضح ذلك –على سبيل المثال- في مطلع العام الجاري (2026) مع ذيوع عدد من الفيديوهات القصيرة التي تصور مظاهرات للشباب الأوغندي يعلنون خلالها استعدادهم لخوض الحرب الروسية- الأوكرانية لصالح روسيا، وأضاف لهذه الظاهرة نوعًا من الزخم ظهور عدد آخر من جنود الجيش الأوغندي في فيديو مشابه تمامًا لتلك الفيديوهات؛ إضافة إلى ذلك فقد أوردت تقارير إعلامية غربية مكثفة أن أوغندة باتت آخر دولة أفريقيا يتم الكشف فيها عن شبكة لتوريد الجنود والشباب “للقتال والموت من اجل الجيش الروسي على خطوط الجبهة في أوكرانيا”.
وبغض النظر عن تنوع ديناميات صنع العلاقات الثنائية بين البلدين، فإن نهاية فترة تولي السفير الروسي فلادلين سيميفولوس Vladlen Semivolos(مطلع أبريل الجاري) ميزت نهاية مرحلة في هذه العلاقات (على الأقل شكليًا)، وربما التمهيد لمرحلة أكثر عمقًا. وحسب بيان لموسيفني فإن سيميفولوس قد أنجز مهامه بتعميق العلاقات الروسية الأوغندية، وقام بجد على ضمان استمرار الدفء والتعاون بينهما وبين شعبيهما. ولم تأت تصريحات موسيفني في سياق تعليقات بروتوكولية بل إنها عبرت عن امتنانه لعمل سيميفولوس ودوره في التحسن الواضح في العلاقات الثنائية بين البلدين في قطاعات الطاقة والدفاع والتعليم والتكنولوجية، لاسيما أن تقلد سيميفولوس منصب سفير بلاده في أوغندا جاء بالتزامن مع إطلاق روسيا سياسات أفريقية أكثر جرأة وارتباطًا بالأبعاد الاستراتيجية.
روسيا وجنوب السودان: علاقة معقدة
يمكن القول أن دور روسيا في جنوب السودان يكتسب أهمية كبيرة من أجل الحفاظ على استقرار الأخير وانتقاله خطوات معقولة للأمام بعدما شهده من حرب أهلية دموية طوال الفترة 2013-2020 وحلول الدولة ضمن أفقر دول العالم من جهة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (الذي يقف عند حدود 763 دولار في العام) في دولة تعتمد في تحصيل أكثر من 90% من ناتجها القومي من إنتاج البترول والغاز الذي تتوفر للشركات الروسية العملاقة خبرة كبيرة فيه. ورغم هذه الأهمية (المحتملة في جانب كبير منها) فإن حجم العلاقات التجارية بين روسيا وجنوب السودان يظل بالغ التضاؤل. فجنوب السودان لا يحقق بالأساس سوى ناتج محلي بقيمة 11.5 بليون دولار موزعة على عدد سكان يتجاوز 12 مليون نسمة، وبلغ حجم ميزانه التجاري مع روسيا في العام 2024 نحو 8 مليون دولار فقط. ورغم ذلك فإن موسكو تتطلع من وراء توطيد علاقاتها السياسية والعسكرية مع جنوب السودان في الفترة إلى تعزيز فرص الشركات الروسية في قطاعي الطاقة والمعادن في جنوب السودان، ويتوقع في ظل المتغيرات الراهنة مع مطلع العام 2026 تزايد نمو التجارة الثنائية بين الجانبين.
واتساقًا مع ما سبق، فقد حلت جنوب السودان في قائمة الدول الأفريقية الثلاث التي أعلنت روسيا إعادة افتتاح سفارات جديدة بها في العام الماضي (إلى جانب كل من النيجر وسيراليون، مع إعلان قرب افتتاح أربع سفارات في دول أفريقية في العام الجاري ليصل عدد السفارات الروسية في القارة إلى 49 سفارة من إجمالي عدد دول القارة 53 الأعضاء في اتفاق التجارة الحرة القارية الأفريقية). وعلى صعيد آفاق الدور الروسي في الاقتصاد الجنوب سوداني فإنه لا يخفى أن موسكو تتطلع بقوة للعمل في قطاع الطاقة إذ تملك جنوب السودان 3.5 بليون برميل من الاحتياطي المؤكد من البترول (بقيمة تقترب من 400 بليون دولار وفق السعار الحالية)، مع حاجة جوبا لخبرة فنية كبيرة لتكرير البترول وحماية خط انابيب البترول من حقولها في أجزاء متفرقة بالبلاد متجهة إلى ميناء بورتسودان؛ وهو الأمر الذي يمكن لروسيا القيام به بسهولة فائقة حالة وجود إرادة سياسية من جوبا، في ظل تعقيد العلاقات مع موسكو ومخاوف جوبا من مشروطيات دول مثل الولايات المتحدة وإسرائيل وإثيوبيا ضد جوبا على خلفية أي تقارب لها مع موسكو.
وبشكل عام فإن تجدد العلاقات بين موسكو وجوبا قبل أقل من عام يشير إلى اهتمام روسي كبير بجنوب السودان، يتجاوز ربما الاهتمام الطاقوي والتعديني إلى تعزيز شبكة الوجود الروسي في أوغندا وجمهورية أفريقيا الوسطى بحيث تصبح الدول الثلاث مجتمعة قاعدة عمل قوية للدور الروسي في بقية أقاليم القارة الأفريقية.
ختامًا، تحتفظ روسيا بأدوات هامة للعب دور في ثلاثة دول أفريقية تصنف من أكثر دول القارة فقرًا واستبدادًا في الوقت نفسه؛ ويبدو أن موسكو لا تكترث كثيرًا بتبني سياسات متناقضة مع ما تعلنه من استراتيجيات ومبادئ احترام سيادة الدول الأعضاء في حالة جمهورية أفريقيا الوسطى (ربما بتأثير واضح من ديناميات الفساد في الأخيرة سعيًا لضمان استمرار النظام نفسه)، ومبادلة براغماتية دولة مثل أوغندا ببراغماتية مماثلة، ومحاولة الاستفادة المباشرة من المقدرات الاقتصادية في دولة فقيرة مثل جنوب السودان، وهي تناقضات تتسق تمامًا مع سياسات القوى الكبيرة والمتوسطة التي تتكالب على القارة الأفريقية، وبغض النظر عن اللافتات التي تحملها كل منها في مقاربتها لتلك القارة ودولها المتنوعة.





