الاستخبارات

شبكات الخداع: كيف تستدرج وكالات التوظيف الروسية الأفارقة للقتال في الحرب الأوكرانية؟

شبكات الخداع: كيف تستدرج وكالات التوظيف الروسية الأفارقة للقتال في الحرب الأوكرانية؟

بَرزت في الآونة الأخيرة عدة تقارير دولية تسلط الضوء على ظاهرة تجنيد آلاف الأفارقة في صفوف القوات الروسية للقتال في أوكرانيا، وكشفت الدراسات الاستقصائية التي أجريت حول هذا الموضوع أن معظم هؤلاء الشباب يتم استدراجهم من خلال شبكاتٍ للتوظيف تعمل عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وعن طريق مؤثرين ووكلاء ومنظمات غير حكومية موالية لروسيا، من خلال تقديم إغراءات ووعود مضللة، تتضمن الحصول على الجنسية الروسية وتوفير فرص مناسبة للعمل أو الدراسة، لكن بمجرد وصولهم إلى الأراضي الروسية، يتم اقتياد هؤلاء الأفراد، تحت الإكراه، إلى معسكرات للتدريب حيث يتم نقلهم بعد ذلك إلى الخطوط الأمامية للحرب من أجل سد احتياجات الجيش الروسي من القوى البشرية في ظل الخسائر الفادحة التي تتكبدها موسكو وعزوف المواطنين الروس عن التطوع العسكري، وقد أثارت هذه التقارير غضباً واستياءً شعبياً واسعاً في أنحاء القارة الإفريقية، ودفعت عديد الحكومات، ولاسيما في البلدان الإفريقية جنوب الصحراء، إلى القيام بتحركات دبلوماسية، استجابةً للضغوط الشعبية المتزايدة.

من هنا، يناقش هذا المقال ظاهرة تجنيد الأفارقة واستدراجهم للانخراط في الصراع الدائر في أوكرانيا، عبر شبكات التوظيف/ التجنيد الروسية بوصفها وكالات غير رسمية تركز بشكل رئيسي على استهداف الشباب الذين يعانون أوضاعاً اقتصاديةً ومعيشيةً صعبةً في بلدانهم ويسعون للهجرة بحثاً عن فرص أفضل، كما يستوضح المقال ردود فعل الحكومات الإفريقية تجاه هذه الأزمة، والتي تراوحت بين التزام الصمت، والتحركات والاحتجاجات الدبلوماسية.

جنود قابلون للتعويض.. لماذا تلجا روسيا إلى تجنيد الأفارقة؟

بعد أربع سنوات على قرارها بالتدخل عسكرياً في أوكرانيا، بدأت القيادة الروسية تواجه تحدياً جوهرياً، يتمثل في انخفاض أعداد المجندين الذين يحتاجهم الجيش لسد احتياجاته من المقاتلين على الجبهة الأوكرانية. وتتفاقم هذه المشكلة نظراً لعزوف المواطنين الروس عن التطوع، بعدما تبين لهم أن الحرب في أوكرانيا قد تستمر لسنوات خلافاً لما كانت تروِّج له الحكومة بأنها مجرد عملية عسكرية خاصة لن تستغرق وقتاً طويلاً، وفي هذا السياق، تؤكد تقديرات صادرة عن جهات استقصائية أن عام 2025 شهد تراجعاً لافتاً في أعداد الجنود المتطوعين مقارنةً بالسنوات الثلاث الأولى لبداية الحرب، ومن ناحية أخرى، لا ترغب الحكومة الروسية بالمخاطرة في القيام بتعبة جديدة قد تثير غضب المجتمع الروسي وتؤلب الرأي العام المحلي ضد النظام السياسي، فالتعبئة الجزئية الأولى التي أجريت بعد أشهر من بداية الحرب عام 2022 قد أثارت ردود فعل غاضبة في الداخل؛ لذا تتحاشى القيادة الروسية القيام بذلك مرةً أخرى.

ولسد احتياجاتها المتزايدة من القوى البشرية، لجأت الحكومة الروسية إلى البحث عن بدائل لتعويض انخفاض أعداد المجندين، وكان أحد هذه الخيارات يتمثل في استهداف العمال المهاجرين داخل البلاد لتجنيدهم في الجيش؛ حيث أصدر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مرسوماً في مطلع 2024 يقضي بمنح الجنسية للأجانب الذين يقبلون بالانضمام للجيش والقتال في أوكرانيا لمدة عام على الأقل، غير أن هذا الإجراء لم يكن كافياً لتأمين القوة المطلوبة، في ظل الخسائر الفادحة التي تتكبدها القوات الروسية على جبهات القتال وفرار آلاف المواطنين خارج البلاد هرباً من الخدمة العسكرية، مما دفع موسكو إلى توسيع نطاق التجنيد، ليشمل استقطاب مقاتلين من مناطق جغرافية أبعد، لاسيما الشباب الذين ينتمون إلى الدول ذات الدخل المنخفض، سواء في الشرق الأوسط أو إفريقيا([1]).

أحد الأسباب المُفسرة لاعتماد روسيا هذا النهج في التجنيد ومضيها في تنفيذه رغم ما قد يرتبه من عواقب سياسية وأخلاقية، وتعكيرٍ لصفو علاقاتها بالحكومات الإفريقية الصديقة، يكمن في انخفاض تكلفة تجنيد الأجانب مقارنةً بالمواطنين المحليين، فالبرنامج الذي أطلقته الحكومة الروسية، لتعويض جنودها في حالة تعرضهم للقتل أو الإصابة، يشمل فقط الجنود الذين يتمتعون بالجنسية الروسية ولا ينطبق على غيرهم من الجنود الآخرين الذين يحملون جنسيات أجنبية، ومن ناحية أخرى، فإن مضاعفة أعداد المجندين الأجانب والزج بهم في جبهات القتال، ولاسيَّما تلك الجبهات التي تحتاج كثافة بشرية وتكون فيها معدلات البقاء على قيد الحياة منخفضة للغاية، ستقلل من حجم الخسائر في صفوف القوات الروسية مقابل التضحية بالأفارقة وغيرهم من الأجانب، الذين يُنظر إليهم باعتبارهم جنوداً يمكن التضحية بهم وتعويضهم، خاصةً وأنَّ إصابة هؤلاء الجنود أو حتى مقتلهم لن يشكل أي ضغط للحكومة الروسية أو يضعها في حرج سياسي.

شبكات الخداع الروسية.. كيف تستدرج الأفارقة وتزج بهم في جحيم الحرب؟

خلافاً للسردية التي تروِّج لها الحكومة الروسية، بأنَّ التحاق المقاتلين الأجانب بجيشها يتم وفقاً لإرادتهم، ويعكس رغبتهم الأيديولوجية في الدفاع عن روسيا، باعتبارها دولة صديقة، في وجه النازية الأوكرانية، فإن الواقع الذي تدعمه شهادات الجنود الأفارقة الذين وقعوا في أسر القوات الأوكرانية، وكذلك شهادات ذويهم وأقرانهم، يدحض هذه السردية الروسية، ويؤكد أن معظم هؤلاء الشباب الذين يقاتلون اليوم في صفوف الجيش الروسي قد جرى تضليلهم والإيقاع بهم، وأن دافعهم الأساسي للسفر إلى روسيا لم يكن الانخراط في الحرب، بل كان يتعلق برغبتهم في الحصول على الجنسية أو المال الذي يكفل لهم حياةً مستقرة.

فالواقع الاقتصادي الذي تعيشه معظم البلدان الإفريقية التي يعاني سكانها من الفقر والبطالة وتدني مستوى المعيشة، يشكل عاملاً مهماً لوكالات التوظيف الروسية لاجتذاب الشباب الذين تتملكهم الرغبة في الهجرة والبحث عن فرص أفضل للعمل، ويتم ذلك عبر وكلاء ينشطون على منصات التواصل الرقمية، ويعمل بعضهم بتوجيه من موظفي السفارة الروسية في بلدانهم؛ من خلال استقطاب الشباب وإغرائهم بالسفر إلى روسيا، أو منحهم وعوداً بتوفير جواز سفر روسي، وتوقيع عقود للعمل لدى وصولهم، وبمجرد أن تحط اقدامهم على الأراضي الروسية تُصادر وثائق هوياتهم، ويُرغمون على توقيع عقود عسكرية تحت الإكراه، ومن ثم يتم إرسالهم إلى معسكرات التدريب تمهيداً لنقلهم إلى جبهات القتال، وفي حين قد تفصح بعض شبكات التجنيد عن الهدف من السفر، وهو الانخراط في الحرب، إلا أنها تقدم وعوداً مضللة مؤداها أن المشاركة ستقتصر على تأدية الأعمال والمهام غير القتالية بعيداً عن خطوط النار، مقابل منحهم مكافآت مجزية.

جدير بالملاحظة أنه منذ بداية حربها على أوكرانيا، وسَّعت روسيا حربها المعلوماتية بشكل لافتٍ في دول الجنوب العالمي، وخاصةً في إفريقيا، حيث تتبنى خطاباً مناهضاً للاستعمار للتأثير في الجماهير والنُخب السياسية باستخدام منصات مختلفة، مثل تيك توك وفيسبوك وتليجرام، التي تحوَّلت إلى أدوات فاعلة لخدمة حملات التجنيد العسكري الرقمية، كما تستهدف حرب المعلومات الروسية المؤثرون الأفارقة، باعتبارهم وسطاء يمارسون دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام الإفريقي من خلال نشرهم نصائح حول الهجرة، والترويج للدولة الروسية بوصفها المكان الأنسب لتحقيق طموحات الشباب([2]).

وبحسب تقارير دولية، لا يحظى الجنود الأفارقة بتدريبٍ كافٍ، وكثير منهم غير مؤهل للقتال، ومع ذلك يتم إرسالهم إلى الخطوط الأمامية للجبهة بعد أسابيع قليلة من وصولهم إلى روسيا؛ حيث يواجهون مصيرهم بالقتل أو الوقوع أسرى في قبضة القوات الأوكرانية، وفي يناير الماضي (2026)، انتشرت مقاطع فيديو مصوَّرة على شبكة الإنترنت، والتي تسنى لجهات حقوقية التحري من مصداقيتها، تُظهر جنوداً أفارقة بصحبة الجيش الروسي يتعرضون لمعاملة قاسية ويتم الدفع بهم في مهام انتحارية، وفي هذا السياق صرح سفير أوكرانيا لدى جنوب إفريقيا، أولكسندر شيربا Oleksandr Shcherba، لصحيفة التلغراف البريطانية بأن الجنود الأفارقة يتم التعامل معهم من قبل روسيا باعتبارهم وقوداً بشرياً([3]).

الأفارقة في جبهات الحرب الأوكرانية.. مصير غامض وأرقام مقلقة:

يُقدِّر مسؤولون في الحكومة الأوكرانية، وعلى رأسهم وزير الخارجية أندري سيبيها Andrii Sybiha، أنَّ ما لا يقل عن 1436 مواطناً من 36 دولةً إفريقية يقاتلون حالياً إلى جانب القوات الروسية، ينحدر معظمهم من دول، مثل كينيا والكاميرون وغانا ونيجيريا، وغيرها من البلدان الإفريقية([4])، فيما تُقدِّر جهات استقصائية أعداد المجندين الأفارقة في صفوف الجيش الروسي بما يتراوح بين 2500 و4000 مقاتل، من أصل 20000 مقاتل أجنبي.

وتبرز كينيا في مقدمة الدول الإفريقية التي تضم أكبر عدد من المجندين في صفوف القوات الروسية، فبِموجب تقرير صادر عن جهاز المخابرات الوطني، هناك ما لا يقل عن ألف مواطن كيني تم خداعهم عبر شبكة واسعة من المسؤولين وموظفي السفارات والمراكز الثقافية والوسطاء والشركات الوهمية التي تعمل لمصلحة جهات تجنيد روسية ومحلية تسعى للربح، الأمر الذي اثار استياءً شعبياً واسعاً ودعا عشرات العائلات الكينية المفجوعة إلى تنظيم وقفة احتجاجية في نيروبي للمطالبة بتحرك حكومي لإنقاذ أبنائهم والعودة بهم سالمين([5]).

وأعلنت حكومة زيمبابوي، في مارس 2026، أن نحو 15 من مواطنيها لقوا حتفهم أثناء قتالهم في أوكرانيا لصالح الجيش الروسي، وفي هذا السياق أكد وزير الإعلام زيمو سودا Zemo Soda أن هؤلاء المواطنين تعرضوا لخداع ممنهج عبر شبكات التجنيد الروسية، محذراً من أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي باتت تستخدم كأداة لاستهداف الشباب، فيما لم تدل السفارة الروسية في هراري بأي تعليق رداً على هذه التصريحات([6])، وفي نيجيريا، أفاد تقرير نُشرَ في فبراير 2026، صادر عن المجموعة الاستقصائية (كل العيون على فاغنر)، بعنوان «تجارة اليأس: تجنيد الجيش الروسي للمقاتلين الأفارقة»، أن ما لا يقل عن 36 مواطناً نيجيرياً تم تجنيدهم للقتال في صفوف الجيش الروسي للقتال في أوكرانيا، فيما صرَّح وزير خارجية غانا، خلال زيارته الرسمية إلى العاصمة الأوكرانية كييف في فبراير الفائت، أن ما يقرب من 270 مواطناً غانياً تم استدراجهم للقتال في أوكرانيا منذ بداية الحرب، وأنَّ نحو 55 منهم لقوا مصرعهم حتى الآن.

ولا تقتصر عمليات تجنيد الأفارقة على مواطني الدول المذكورة فقط، بل تشمل دولاً أخرى مثل جنوب إفريقيا، أوغندا، مالي، وغامبيا، وغيرها (انظر الخريطة أدناه). ويواجه مواطنو هذه البلدان، الذين تم استدراجهم عبر شبكات التجنيد الروسية بوعود كاذبة بمنح الجنسية وتوفير عقود عمل، مصيراً غامضاً بمجرد وصولهم إلى جبهات القتال، فنتيجة لافتقارهم للخبرة الكافية والتدريب المناسب، بالإضافة إلى تكليفهم بعمليات عسكرية عالية الخطورة، يفقد عدد كبير منهم حياته خلال فترة قصيرة لا تتجاوز عدة أسابيع، أما أولئك الذين ينجون، فإما أن يقعوا في الأسر ولا تتسنى لهم الفرصة للتواصل مع عائلاتهم أو سفارات بلادهم، أو يتعرضوا لإصاباتٍ خطيرة دون أي تعويض مادي من الحكومة الروسية، في ظل عدم وجود آلية لتعويض المُقاتلين الأجانب.

الشباب ليسوا المُستهدفين وحدهم.. استدراج الإفريقيات للعمل في مصانع الدرونز الروسية:

 إن حاجة روسيا المتزايدة إلى القوى البشرية لا تقتصر فقط على الشباب الذين يتم تجنيدهم وإرسالهم إلى خطوط المواجهة مع أوكرانيا، بل تشمل أيضاً تجنيد النساء والشابات الإفريقيات واستدراجهن، عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووكلاء السفر، وخداعهن بوعود كاذبة تتضمن توفير فرص عمل مناسبة في قطاعات الصناعة، أو الضيافة، وغيرها من المجالات الأخرى التي من شأنها أن توفر دخلاً ثابتاً يمكن لهن من خلاله مساعدة عائلاتهن الفقيرة.

في هذا السياق، أشارت تقارير دولية إلى لجوء الحكومة الروسية، عبر برنامج ألابوغا ستارت Alabuga Start الذي أطلق عام 2022 بشأن التوظيف وإعادة التوطين، إلى تجنيد عشرات الفتيات الإفريقيات، من دول مثل أوغندا ورواندا وكينيا وجنوب السودان وسيراليون ونيجيريا، للعمل في منطقة ألابوغا الصناعية العسكرية، الواقعة على بُعد ألف كيلومتر شرق العاصمة موسكو، وهي بيئة عمل قاسية للغاية، وتضم هذه المنطقة الصناعية، التي تخضع لرقابة صارمة وانضباط شديد، مصنعاً عسكرياً لصناعة وتجميع الطائرات المسيَّرة من طراز شاهد – 136 الإيرانية([7]).

ورغم توفير السكن، والتدريب المهني، والرواتب لأولئك العاملات في منطقة ألابوغا الصناعية، كشفت تحقيقات صادرة عن المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود (GI-TOC) عن وجود ممارسات مُضللة وقسرية؛ حيث يتم توجيه المهاجرات إلى إنتاج الطائرات المسيَّرة بدلاً من الوظائف التعليمية أو التقنية المُعلن عنها، وتفيد التحقيقات كذلك أنَّ العاملات يواجهن ظروفاً شديدة القسوة، تشمل تعرضهن لمُضايقات مستمرة وخضوعهن لرقابة مشددة، إضافة إلى اضطرارهن للبقاء في العمل لساعاتٍ إضافية دون أي تعويض، علاوةً على ذلك، تواجه الفتيات الإفريقيات العاملات في مصانع ألابوغا مخاطر بين الحين والآخر، نتيجة لاستهداف مواقع الإنتاج بغارات أوكرانية أثناء فترات العمل([8]).

تأكيداً على هذه الظروف القاسية، أفادت وكالة أسوشيتد برس The Associated Press في أكتوبر 2025، أن هناك حوالي 200 امرأة إفريقية يعملن بمنطقة ألابوغا الاقتصادية الخاصة إلى جانب طالبات روسيات في معاهد مهنية، وأضافت الوكالة أن هؤلاء النساء يواجهن صعوبةً في مغادرة أماكن عملهن، وتفرض عليهن قيود تحد من قدرتهن على التحدث مع وسائل الإعلام أو الغرباء، فضلاً عن تعرضهن لانتهاكات تتعلق بالأمن والسلامة، نظراً لاستخدامهن مواد كيميائية في العمل، مما يتسبب في اصابتهن بحروق جلدية([9]).

ردود الفعل الحكومية.. تحركات دبلوماسية واحتجاجات رسمية:

مع توالي التقارير الدولية التي أماطت اللثام عن ظاهرة تجنيد الأفارقة واستدراجهم للقتال في أوكرانيا لمصلحة روسيا، وأظهرت حجم المأساة التي يتعرض لها هؤلاء الشباب في جبهات القتال، أصبحت الحكومات الإفريقية تواجه ضغوطاً متزايدةً حتمت عليها ضرورة التحرك استجابةً للأزمة، وتراوحت ردود الفعل الحكومية بين التحركات الدبلوماسية والاحتجاجات الرسمية، فيما فضلت حكومات أخرى التزام الصمت، رغبةً منها في عدم الاضرار بعلاقاتها الثنائية مع موسكو.

 فقد سارعت الحكومة الكينية، في ظل تصاعد الاستياء الشعبي، إلى إغلاق أكثر من 600 وكالة توظيف للاشتباه في قيامها بتهريب مواطنين إلى الخارج، كما ألقت سلطاتها القبض على عددٍ من الأفراد الذين يُزعم أنهم عملوا كوكلاء تجنيد، وجاء التطوّر الأبرز في منتصف مارس 2026 عندما أعلن وزير خارجيتها موساليا مودافادي Musalia Mudavadi أنَّ بلاده توصلت إلى اتفاق مع روسيا يقضي بامتناع الأخيرة عن تجنيد المواطنين الكينيين للخدمة في قواتها المسلَّحة، وتواصل نيروبي عبر القنوات الدبلوماسية جهودها الرامية إلى مساعدة المواطنين الذين يعتقد أنهم ما زالوا في مناطق القتال النشطة لمساعدتهم على العودة([10]). أما الكاميرون، التي تنخرط في صراعاتٍ داخلية، بفعل الحرب الأهلية التي تخوضها القوات الحكومية ضد الانفصاليين الناطقين بالإنجليزية في جمهورية أمبازونيا المعلنة من جانب واحد، فضلاً عن صراعاتها المتواصلة ضد الجماعات المسلحة، مثل تنظيم داعش وحركة بوكو حرام، فإن فقدان الجنود أو أفراد القوات الخاصة الذين يتركون الخدمة ويلتحقون بالقوات الروسية، يشكل مخاطر أمنية جسيمة، ولهذا السبب، أصدرت وزارة الدفاع الكاميرونية أوامر بحظر وتجريم الفرار من الخدمة العسكرية، ومنعت الأفراد العسكريين من السفر إلى الخارج دون تصريح حكومي([11]).

بدورها، حذّرت نيجيريا مواطنيها من تداعيات الانخراط في النزاعات المسلحة بالخارج، بعد أن وردت تقارير تفيد بتعرض بعض النيجيريين للخداع والتجنيد في صفوف القوات الروسية في أوكرانيا، وأعربت وزارة الخارجية النيجيرية في فبراير 2026 عن قلقها البالغ إزاء تزايد حالات تجنيد مواطنيها بشكل غير قانوني للمشاركة في نزاعات مسلحة أجنبية([12]).وفي سابقة لوزير إفريقي في هذا الشأن، قام وزير خارجية غانا أوكودزيتو أبلاكو Okudzeto Ablakwa باتخاذ خطوة دبلوماسية غير مسبوقة، حينما توجه إلى كييف في فبراير الماضي، والتقى هناك بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وطالبه بإطلاق سراح أسرى الحرب الغانيين، وصرح أبلاكو أنه لا يمكن لحكومته أن تغض الطرف عن الإحصائيات الصادمة حول أعداد الأفارقة الذين يقاتلون في الحرب الأوكرانية([13]).

وضمن السياق ذاته، انخرطت حكومة جنوب إفريقيا، منذ نوفمبر2025، في مفاوضات مع الجانبين الروسي والأوكراني، في إطار جهودها لاستعادة نحو 17 مواطناً من رعاياها ممن تم خداعهم للالتحاق بالقوات الروسية للقتال ضد أوكرانيا، وقد تمكنت وزارة العلاقات الدولية والتعاون الجنوب إفريقية من إعادتهم إلى موطنهم في فبراير 2026([14])، وخلصت التحقيقات التي أجرتها السلطات بشأن شبكات التجنيد إلى ضلوع دودوزيل زوما Duduzile Zuma ابنة الرئيس الأسبق جاكوب زوما Jacob Zuma في عملية تجنيد هؤلاء الأفراد واستدراجهم للسفر إلى روسيا، بغرض التدرب كحراس شخصيين لحزب “أومخونتو ويسيزوي”Umkhonto Wesizwe الذي ينتمي إليه آل زوما، قبل أن يجدوا أنفسهم عالقين على خط المواجهة، ورغم نفيها هذه الاتهامات، اضطرت دودوزيل إلى الاستقالة من منصبها كنائبة في البرلمان الوطني([15])، وتتبني بريتوريا تشريعات صارمة فيما يتعلق بالتجنيد لصالح أطراف خارجية؛ حيث يحظر قانون تنظيم المساعدة العسكرية الأجنبية انخراط المواطنين أو مشاركتهم في نزاعات خارجية مسلحة من دون تفويض مسبق من الحكومة([16]).

في ختام هذا المقال، ينبغي التأكيد على أن تجنيد الأفارقة واستدراجهم للمشاركة في الحرب الأوكرانية يمثل تحدياً سياسياً يستدعي تحركاً جاداً لمواجهته، ولتحقيق ذلك، يجب تعزيز الرقابة على شبكات التجنيد عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، والعمل على تفكيكها بشكل منهجي، بالإضافة إلى ذلك، من الضروري إطلاق حملات توعوية تستهدف تنبيه الجمهور بمخاطر الوقوع في فخ التجنيد لصالح أطراف أجنبية، وتحذير الشباب من الانسياق وراء الوعود الكاذبة والإغراءات المالية التي تستغل احتياجاتهم.

وإذا سلمنا بأن استقطاب الأفارقة واستدراجهم للقتال لصالح جهات خارجية، مثل روسيا وغيرها، يشكل جريمةً إنسانيةً وخرقاً للمواثيق الدولية، فإنَّ التعامل مع هذه الأزمة ومنع استفحالها يتطلب أيضاً تحركاً دولياً يتجاوز السياق المحلي، ويمكن تحقيق ذلك من خلال صياغة مشروع قرار يحظر تجنيد الأفارقة (أو الأجانب عموماً) خلافاً لإرادتهم ودون إبلاغ حكوماتهم، ومن ثم طرح هذا المشروع للتصويت في الجمعية العامة للأمم المُتحدة؛ حيث يتطلب اعتماده موافقة ثلثي الدول الأطراف البالغ عددهم 193 دولةً، من أجل انتزاع إجماع دولي يؤكد رفض وتجريم هذه الممارسات التي تتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي وحقوق الإنسان، وتمثل انتهاكاً للقوانين الوطنية للدول الإفريقية المعنية.

([1]) David Kirichenko, Putin seeks more foreign fighters amid mounting Russian losses in Ukraine, Atlantic Council , 16 October 2025, available at https://n9.cl/7fczp

([2]) Signe Marie, Karen Philippa Larsen, Russia targeting African migrants in digital recruitment campaigns, Danish Institute for International Studies, February 2026, available at https://n9.cl/1zxkdd

([3]) Karen Philippa Larsen, Russia is filling its ranks with foreign fighters and treating them as “disposable soldiers”, Meduza, 22 January  2026, available at https://n9.cl/q3gom

([4]) Yevhen Kizilov, Ukrainian foreign minister: 1,436 citizens from 36 African countries fighting for Russia against Ukraine, Ukrainska Pravda, 7 November 2025, available at https://n9.cl/j4ila

([5]) African governments fight to save citizens from Russian war machine, Africa Defense Forum, 25 March 2026, available at https://n9.cl/g9oik

([6]) زيمبابوي تكشف عن مقتل 15 من مواطنيها جندوا لحرب أوكرانيا، موقع الجزيرة، منشور في 26 مارس 2026، متاح على https://n9.cl/rlskoq

([7]) Charles Mafa, et al. The global threat of Russian recruitment in Africa, ZAM Foundation, 22 September 2025, available at https://n9.cl/e73v3l

([8]) Signe Marie, Karen Philippa Larsen, Op. cit.

([9])Russia: Women from Africa recruited via “Alabuga Start” programme on social media to work in weapons factories; incl. cos responses and non-responses, Business and Human Rights Centre, 26 March 2026, available at https://n9.cl/p6mxog

([10]) Lured Into War: How Russia Recruits Africans to Fight against Ukraine, African Courier Media, 20 March  2026, available at https://n9.cl/o45ek8

([11]) Sara Etukudo, How Africa Became a Recruiting Ground for the Ukraine-Russia Conflict, Bloomsbury Intelligence and Security Institute, 25 November 2025, available at https://n9.cl/d00ox

([12]) Nigeria Warns Citizens After Russian Army Recruitment Scams, The Moscow Times, 17 February 2026, available at https://n9.cl/c7yj2f

([13]) Recruitment of Africans in Ukraine: governments act in the face of growing evidence, All eyes on Wagner, 23 March 2026, available at https://n9.cl/hw0pt

([14]) Karen Philippa Larsen, Op. cit.

([15]) Rachel Savage, Jacob Zuma’s daughter resigns amid claims South Africans tricked to fight for Russia, The Guardian, 28 November 2025, available at https://n9.cl/uioyce

([16]) جنوب أفريقيا تعيد مواطنيها الذين جُنّدوا في حرب روسيا وأوكرانيا، African Perceptions، منشور في 25 فبراير 2026م، متاح على https://n9.cl/82ed6

كاتب

هشام قدري أحمد

باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى