التحول الاستراتيجي في شمال شرق سوريا وما بعده: تحليل للتفاوض والدمج والسيناريوهات المستقبلية (2025-2026)
التحول الاستراتيجي في شمال شرق سوريا وما بعده: تحليل للتفاوض والدمج والسيناريوهات المستقبلية (2025-2026)
شهدت الفترة الممتدة من منتصف إلى أواخر يناير 2026 تحولاً جيو-ستراتيجياً مفصلياً في سوريا، تمثل في تنفيذ الجيش السوري بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لحملة عسكرية سريعة وواسعة النطاق ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد). أدت إلى انهيار سريع للسيطرة الكردية على المناطق ذات الأغلبية العربية في غرب وشرق الفرات (حلب، الرقة، دير الزور، الطبقة)، وتطويق القوات الكردية في جيوب رئيسية في محافظة الحسكة وعين العرب (كوباني). مع تفكك فعلي لمشروع “الإدارة الذاتية” الكردية وتلاشي مفهوم “شرق الفرات” ككيان منفصل. بجانب توقيع اتفاقيات هشة (18 و20 كانون الثاني/يناير) بوساطة أمريكية-عراقية/كردستانية، تنص على دمج مؤسسات “قسد” في الدولة السورية، وسط انعدام ثقة وتحديات تنفيذية جسيمة. وبالتالي يقود هذا التحول الجوهري إلى انتقال الصراع من مواجهة عسكرية مفتوحة إلى مرحلة تفاوض مضطربة ومحفوفة بالمخاطر، تتمحور حول شروط وآليات الدمج، مع بقاء خيار العودة إلى الحرب القائمة في حال الفشل.
تبحث هذه الورقة عن التطورات السريعة بين الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس الشرع، وقوات “قسد” بقيادة الجنرال مظلوم عبدي، التي سيطرت على المنطقة لسنوات بدعم أمريكي. بعد عقد من التعاون الوثيق لمحاربة داعش، تواجه واشنطن وحلفاؤها إشكالية اندماج “قسد”، الفاعل غير الحكومي ذي القاعدة الكردية، في دولة مركزية ناشئة. تدرس الورقة مسار المفاوضات المتعثرة، والهجوم العسكري السريع في يناير 2026، والاتفاقات الهشة التي تلت ذلك، والمحددات الإقليمية والدولية، مع تقديم سيناريوهات مستقبلية محتملة.
- المقدمة: خلفية الصراع ومأزق التحالف
لطالما مثّل شمال شرق سوريا (إقليم شرق الفرات) معضلة جيوسياسية وأمنية معقدة. سيطرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) وتضم تحالفاً عربياً-كردياً-سريانياً، على هذه المنطقة منذ 2014 بدعم جوي ولوجستي من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم داعش. شكلت “قسد” الشريك الأرضي الأكثر فعالية للتحالف، وتمكنت من هزيمة التنظيم عسكرياً واحتجزت آلاف مقاتليه وعائلاتهم. ومع ذلك، ظلت “قسد” كياناً غير حكومي، كما أن ارتباطها التاريخي بحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنف “إرهابياً” من قبل تركيا والولايات المتحدة، جعلها مصدر توتر إقليمي دائم.
بعد سقوط نظام بشار الأسد وبروز حكومة انتقالية في دمشق بقيادة أحمد الشرع، والتي حظيت باعتراف دولي متزايد، لاسيما بعد انضمامها للتحالف الدولي ضد الإرهاب، تغيرت المعادلة الاستراتيجية. لم يعد هناك “فراغ سلطة” مبرر لوجود عسكري أمريكي مباشر أو لدعم كيان مستقل. بدأت الولايات المتحدة، انسجاماً مع أولويتها الجديدة المتمثلة في استقرار سوريا ومنع الفراغ الأمني، في إعطاء الأولوية للتعاون مع الحكومة المركزية الجديدة، مما دفعها نحو ضرورة حل “إشكالية قسد” عبر دمجها في مؤسسات الدولة. تولد عن ذلك اتفاق 10 آذار/مارس 2025 برعاية أمريكية، تضمن بنوداً عامة أبرزها وقف إطلاق النار على جميع الأراضي السورية والحفاظ على وحدة سوريا ودمج المؤسسات العسكرية والإدارية والاعتراف بحقوق الكرد دستورياً وعودة مهجّري كافة المناطق إلى منازلهم وممتلكاتهم ضمن مهلة زمنية تنتهي بنهاية عام 2025. فيما فشلت واشنطن لاحقاً بردم الهوة بين الطرفين، لتندلع اشتباكات بينهما بداية بمحيط حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، توسعت بعدها لتطال مناطق في شمال شرق سوريا (الرقة- دير الزور- أجزاء من الحسكة).
- مسار التفاوض: بين المطالب والتنازلات (أكتوبر 2025 – يناير 2026)
شهدت الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 2025 إلى كانون الثاني/يناير 2026 مفاوضات مكثفة بين دمشق وقسد، بدعم ووساطة أمريكية وأحياناً عراقية (كردستانية). يمكن رصد مرحلتين رئيسيتين:
أ. اتفاق تشرين الأول/أكتوبر 2025 (الإطار الأولي):
اتفق الطرفان على مبادئ عامة شملت:
- حقوق مدنية وثقافية: منح الحقوق المدنية الكاملة للأكراد، والاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية عبر إصلاح دستوري.
- دمج عسكري وأمني: دمج ثلاثة ألوية من مقاتلي قسد في وزارة الدفاع مقرها شمال شرق سوريا، وإنشاء فوج مخصص لوحدات حماية النساء (YPJ)، ودمج قوات الأمن الداخلي (الأسايش) في قوة الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية.
- تمثيل سياسي: منح قسد مناصب عليا في وزارتي الدفاع والداخلية، ومقاعد وزارية في إعادة تشكيل حكومية.
ب. شروط “قسد” الجديدة والانتكاسة:
بعد إبرام الاتفاق، دفعت “قسد” بمطالب جديدة اعتبرتها دمشق انتقاصاً من السيادة، منها:
- منع دخول موظفي وزارتي الدفاع والداخلية إلى شمال شرق سوريا.
- عملية تجنيد مستقلة للجيش والأمن في المنطقة.
- سيطرة وحدات من أصل قسد على قوات الحدود مع تركيا والعراق.
- تولي أفراد من أصل قسد تنسيق اتصالات وزارة الدفاع.
رفضت الحكومة الانتقالية هذه المطالب، معتبرة أي حديث عن “لامركزية” أو “خصوصية عسكرية” مشروعاً انفصالياً مقنعاً.
- التصعيد العسكري واتفاق 18 كانون الثاني/يناير 2026: نقطة التحول
في كانون الثاني/يناير الحالي، شنت القوات الحكومية السورية، بدعم من العشائر العربية المحلية وتفاهمات إقليمية، عملية عسكرية سريعة وواسعة النطاق. أدت العملية إلى:
- استعادة السيطرة على غرب الفرات (أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، مسكنة، دير حافر).
- استعادة محافظتي الرقة ودير الزور بالكامل، وهما منطقتان ذات أغلبية عربية شهدت دعماً محلياً محدودًا لقسد.
- التقدم إلى شرق الفرات ومحاصرة قسد في جيوب رئيسية في محافظة الحسكة وعين العرب (كوباني).
- السيطرة على حقول النفط والغاز الحيوية في محور الرميلان-السويدية، ومعبر اليعربية الحدودي مع العراق.
تحت وطأة الهجوم العسكري والضغط الدبلوماسي الأمريكي المكثف (بوساطة من رئيس إقليم كردستان العراق السابق، ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود البرزاني)، وُقع اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج في 18 كانون الثاني/يناير 2026 بين الرئيس الشرع والجنرال عبدي، تلاه تفاهم 20 يناير. ونص الاتفاق على:
- دمج مقاتلي قسد فردياً في الجيش السوري، وتسليم جميع المؤسسات العسكرية.
- تسليم محافظتي الرقة ودير الزور بالكامل للحكومة.
- نقل السيطرة على المعابر الحدودية والحقول النفطية والغازية إلى دمشق.
- طرد العناصر غير السورية التابعة لحزب العمال الكردستاني من المنطقة.
- دمج المؤسسات المدنية للإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة.
- تسلم الحكومة مسؤولية سجناء داعش ومخيمات النازحين.
- منح “طابع خاص” للمناطق ذات الغالبية الكردية، مع ترتيبات أمنية محلية في كوباني، لكن التفاصيل ظلت غامضة.
فيما قضى التفاهم بـ:
– وقف الأعمال القتالية 4 أيام.
– عدم دخول الجيش السوري لمركزي مدينتي الحسكة والقامشلي أو القرى الكردية المحيطة.
- المحددات الإقليمية والدولية: إعادة رسم التحالفات
سهلت تحولات إقليمية ودولية العملية العسكرية والتسوية:
التحول في الموقف الأمريكي (العامل الحاسم):
- إنهاء الشراكة الاستراتيجية: قررت واشنطن أن دور “قسد” كلاعب رئيسي في مكافحة “داعش” قد انتهى، مع ظهور حكومة انتقالية في دمشق قابلة للتعاون وأكثر قدرة على ضمان الاستقرار طويل الأمد. وتالياً، تحول الاهتمام الأمريكي نحو دعم ودمج الحكومة السورية الانتقالية، حتى أنها أُدخلتها في التحالف الدولي ضد “داعش”، على حساب الاستمرار في دعم كيان كردي منفصل يُعتبر مصدراً لعدم الاستقرار الإقليمي وخاصة مع تركيا. وقد لعب المبعوث الأمريكي توم براك دور الوسيط المباشر بين دمشق و”قسد”، واضعاً ثقل الدبلوماسية الأمريكية لصالح صيغة الدمج التي تتبناها دمشق، كما أوضح في تصريحاته.
التفاهمات الإقليمية والدولية السرية:
- التفاهم السوري-الإسرائيلي (باريس، 5-6 كانون الثاني/يناير 2026): تم التوصل إلى “آلية تنسيق مشتركة” تهدف إلى ضمان عدم عرقلة العمليات العسكرية السورية ضد “قسد” من قبل إسرائيل، مقابل التزام سوري باحترام السيادة والترتيبات الأمنية. هذا أزال عقبة رئيسية كانت تمنع دمشق من التحرك بقوة.
- التفاهم السوري-التركي: أبدت أنقرة دعماً صريحاً للعملية العسكرية السورية، ورحبت بضرب النموذج الكردي المستقل على حدودها، معتبرة “قسد” امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وقدمت تفاهمات بأن واشنطن ستتقبلها بشرط حماية المدنيين الأكراد. هذا قلص الخطر من رد فعل تركي عنيف على العمليات بالقرب من حدودهما.
- انسحاب القوى الإقليمية المنافسة: أدى الانشغال الداخلي لإيران بالاضطرابات إلى إبعادها مؤقتاً عن المعادلة، بينما سحبت روسيا جزءاً من معداتها من المنطقة، مما يشير إلى تراجع اهتمامها المباشر أو تفاهم مع الخطة الأمريكية-السورية.
- المبادرات السياسية المصاحبة: محاولات لتهدئة الأكراد
بموازاة الضغط العسكري، أطلقت الحكومة السورية مبادرات سياسية لاستيعاب المطالب الكردية الثقافية وقطع الطريق على الاتهامات بالتمييز:
المرسوم الرئاسي رقم 13: أعلن الرئيس الشرع مرسوماً ينص على:
- منح الجنسية لجميع السوريين من أصل كردي (بمن فيهم “مكتومو القيد”) وإلغاء آثار إحصاء الحسكة لعام 1962.
- الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية وسماح بتدريسها في المناطق ذات الكثافة الكردية.
- اعتبار عيد النوروز (21 آذار) عطلة وطنية رسمية.
- التأكيد على أصالة الكرد كجزء من النسيج السوري وحظر التحريض على الفتنة القومية.
لكن مع إيجابية هذه الخطوة، إلا أنها قوبلت بشكوك من قبل “قسد” لعدم تناولها الحقوق السياسية أو صيغة الحكم اللامركزي المطلوبة.
- التحديات والعقبات الرئيسية
رغم التقدم السريع، تواجه عملية الدمج تحديات جسيمة:
- الانقسامات الكردية الداخلية: يظهر انقسام بين تيار مظلوم عبدي (المقرب من أمريكا والبرزاني والداعي للتسوية) وتيار “قنديل”المتشدد المقرب من قيادة حزب العمال الكردستاني في العراق، والذي يدفع نحو التصعيد والعسكرة. ولا تزال سيطرة القيادة المركزية لـ “قسد” على جميع وحدات “الأسايش”، خاصة في حلب، محل شك.
- مصير هياكل الحكم الذاتي: ترفض دمشق دمج الهياكل السياسية للإدارة الذاتية (كالمجالس التشريعية)، وتصر على دمج المستويات الإدارية الدنيا فقط، مما يعني تفكيك المشروع السياسي الكردي.
- غياب آليات تنفيذ وطنية: لا توجد أطر عملية مشتركة لإدارة الانتقال المعقد للمؤسسات المدنية والعسكرية، ولا آليات لتهدئة النزاعات المحلية بين المكونين الكردي والعربي في مناطق التماس.
- الثقة المتدنية: تاريخ من الصراع وانعدام الثقة يجعل أي اتفاق هشاً. استمرار القتال بعد توقيع الهدنة (كما في حلب) يغذي هذا الشك.
- الموارد الاقتصادية: السيطرة على حقول النفط والغاز (88% من الاحتياطيات) والموارد المائية والزراعية في الشمال الشرقي هي حافز مركزي لدمشق، لكن إدارة هذه الثروة وتوزيع عائداتها بشكل عادل سيكون اختباراً حقيقياً للنية السياسية.
- الأبعاد الاقتصادية والجيو-استراتيجية للسيطرة على شرق الفرات
- الغنائم الاقتصادية الضخمة: تمثل المنطقة:
- 88% من احتياطي النفط السوري، و92% من إنتاجه.
- 30% من احتياطي الغاز.
- 60% من إنتاج القمح (4 م.ط سنوياً)، و64% من الموارد المائية.
- 30% من الإنتاج الزراعي الوطني.
النتيجة: ستمنح دمشق تفوقاً مالياً واستراتيجياً حاسماً لإعادة الإعمار، وتقوية الليرة، وتمويل مؤسسات الدولة، وتخفيف الأزمة المعيشية. كما أن وضع المعابر تحت إدارة حكومية سيؤدي إلى توسيع العلاقات الثنائية والتجارية، وتقليل تكاليف النقل مقارنة بالطرق البحرية، بجانب تسهيل وزيادة التدفقات التجارية والصادرات السورية
- 2. إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية:
- تعزيز السيادة المركزية: ضرب نموذج الحكم الذاتي الإقليمي بشكل قد يكون قاطعاً. بما قد ينعكس على مناطق سورية أخرى (السويداء-الساحل)
- تغيير تحالفات القوى: واشنطن تنسق مع دمشق وتدعم جهود بسط سيادتها على أراضيها، تركيا تدعمها، إسرائيل تتوافق وتتراجع عن سياساتها التدخلية في الشأن السوري، إيران في حالة كمون وتراجع، روسيا تتنحى جانباً.
- الربط الجغرافي: فتح اتصال بري مباشر بين وسط سوريا والحدود العراقية، مما يعزز النفوذ المستقبلي في غرب العراق. ويراكم أهمية الجغرافية السورية في طرق الإمداد والتجارة العالمية.
- طي صفحة “داعش”: إذ إن وضع سجون عناصرها ومخيمات عوائلهم تحت إدارة الدولة السورية، قد يتبعه محاكمة هؤلاء بموجب القانون السوري (سوريين وأجانب، باعتبار أن الجرائم واقعة على الأرض السورية أو طالت مواطنين سوريين)، كحال العراق، وهي الحلقة المعطلة سابقاً لطي هذا الملف.
- السيناريوهات المستقبلية المحتملة
بناءً على المعطيات الحالية، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول (الأكثر ترجيحاً في المدى القصير والمتوسط): التكامل الهش والصراع المنخفض
يتم بموجبه تنفيذ اتفاق يناير 2026 بشكل جزئي ومتقطع. تدمج بعض وحدات قسد في الجيش، وتستعيد الحكومة السيطرة الرسمية على الموارد والمعابر، لكن تبقى مناطق كردية معينة (كوباني، أجزاء من الحسكة) تحت إدارة أمنية محلية بحكم الأمر الواقع. يستمر وجود أمريكي محدود لمراقبة سجون داعش. تندلع مناوشات متفرقة وصراعات محلية بين المكونات، مع استمرار المخاوف الكردية من تراجع المكاسب الثقافية تحت حكم مركزي.
محفزاته: المرونة التكتيكية للطرفين، الرغبة الأمريكية في منع انهيار كامل، والضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية على الجميع. فيما تبدو النتيجة بموجبه، استقرار هش ومؤقت، مع تأجيل للحل السياسي الجوهري.
ملامحه:
– نجاح الوساطة الأمريكية-البرزانية في تثبيت اتفاق.
– قبول تيار عبدي بالشروط السورية.
– قدرة عبدي على إقناع/إجبار تيار “قنديل” على القبول أو تحييده.
– تقديم دمشق تنازلات رمزية إدارية/ثقافية.
– استقرار نسبي مع بقاء توترات.
– دمج جزئي للمؤسسات والأفراد.
– استمرار الوجود الأمريكي في صيغة جديدة (تنسيق أمني).
– بقاء بؤر توتر متفرقة تتبع لـ PKK. متوسط (يعتمد على مرونة غير مضمونة)
السيناريو الثاني (التصعيد والعسكرة): حرب استنزاف مكلفة
بموجبه، ينهار التفاهم الحالي. تتحصن الفصائل الكردية الموالية لحزب العمال الكردستاني في المناطق الكردية وتخوض حرب عصابات ضد الجيش السوري. قد تتدخل تركيا بشكل مباشر إذا شعرت بتهديد أمني، مما يعقد المشهد أكثر. مما يؤدي إلى حرب استنزاف دامية، وخسائر مدنية كبيرة، وتهجير جديد، وتقويض أي فرصة للتعافي الوطني.
محفزاته: سيطرة التيار المتشدد داخل المشهد الكردي، فشل الوساطات، أو قيام دمشق بعملية عسكرية شاملة لاستعادة كوباني وكامل الحسكة بالقوة. والنتيجة بموجبه، دمار إقليمي، تصعيد عرقي، مع فشل عملية الانتقال السياسي في سوريا.
ملامحه:
– حرب استنزاف طاحنة – انهيار التفاهمات.
– سيطرة تيار “قنديل”/PKK على القرار العسكري الكردي.
– تحصن الأكراد في المناطق الكثيفة (كوباني، الجزيرة).
– دعم تركي مباشر للعمليات السورية ضد PKK.
– دمار وخسائر بشرية هائلة في المناطق الكردية.
– تطهير عرقي محتمل وموجات نزوح.
– خطر انهيار مؤسسات احتجاز “داعش” وانطلاق وعودة نشاط عناصرها الإرهابية.
– شلال من التصعيد الإقليمي. مرتفع (في حال فشل المسار السياسي)
السيناريو الثالث (التمرد المنخفض الحدة والتفتيت الدائم): فشل الدمج الفعلي.
ويشكل حالة وسيطة بين السيناريوهين السابقين، يترجح بحال فشل الدمج العملي، وتحول بعض وحدات “قسد” السابقة إلى خلايا عصيان مسلح.
محفزاته، انفراط عقد “قسد” وتباين الرؤى والمواقف بين قياداتها الكردية (جناح عبدي وجناح قنديل)، سعي الحكومة السورية لفرض تفسيرها لاتفاق الدمج، والمماطلة بتنفيذ وعودها بالحقوق الثقافية والاجتماعية والإدارية
ملامحه:
– استمرار السيطرة الأمنية السورية مع مقاومة مدنية وإدارية كردية.
– منطقة غير مستقرة بشكل مزمن.
– عرقلة إعادة الإعمار والتنمية.
– بيئة خصبة للجريمة والتهريب.
– استنزاف مستمر للجيش السوري.
السيناريو الرابع (التسوية السياسية الشاملة): النجاح عبر المرونة والضمانات
ويفترض نجاح الوساطات الأمريكية-البرزانية في عزل تيار حزب العمال الكردستاني، ودعم تيار معتدل بقيادة شخصيات مثل مظلوم عبدي. بما يؤدي لاتفاق دمشق مع هذا التيار على صيغة لامركزية إدارية وسياسية حقيقية للمناطق الكردية، مضمونة دستورياً، مع الاحتفاظ بالسيادة الوطنية في السياسة الخارجية والدفاع والحدود.
محفزاته، التوافق الإقليمي والدولي على دعم وحدة واستقرار سوريا، وما يبدو من حكمة القيادة السورية الجديدة في استيعاب المطالب الكردية العادلة كجزء من إعادة بناء عقد اجتماعي جديد، وضغط دولي منسق لتحقيق تسوية مستدامة، وإرادة كردية للانخراط في الدولة مقابل ضمانات.
ملامحه:
- دمج المؤسسات والأفراد بضمانات واضحة.
- نموذج ناجح لدمج المكونات في دولة ما بعد الصراع.
- تحقيق استقرار طويل الأمد.
- إطلاق عملية إعمار حقيقية.
- تشكيل آليات وطنية مشتركة لإدارة الفترة الانتقالية وتوزيع الثروة.
- الخاتمة والتوصيات
يشكل تحول كانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة السورية وقوات “قسد” نقطة تحول لا رجعة فيها في الحرب السورية، مختتماً صراعاً على السلطة دام أكثر من عقد لصالح مركزية الدولة، ولكن على حساب إشعال فتيل صراع قومي جديد أكثر تعقيداً. النجاح أو الفشل في الأسابيع القادمة لن يتم تحديده في الميدان العسكري، بل على طاولة التفاوض وفي قدرة الأطراف على تجاوز منطق الانتصار الكلي والخسارة الكلية. مستقبل استقرار سوريا وإقليمها يتوقف على هذه المرونة الهشة. وعليه، يشكل ملف شمال شرق سوريا اختباراً مصيرياً للحكومة الانتقالية وللمجتمع الدولي الراغب في استقرار سوريا. النجاح لا يكمن في الانتصار العسكري وحده، بل في الانتقال إلى تسوية سياسية شاملة تعترف بالتنوع السوري وتحوله إلى مصدر قوة. يجب أن تتجاوز الحلول مجرد دمج أفراد في الجيش أو منح حقوق ثقافية، إلى إقرار شكل حكم لا مركزي، قد يكون موضعياً ينسحب على جميع مناطق التنوع العرقي والديني والمذهبي، يرضي طموحات المكون الكردي المشروعة في إدارة شؤونه المحلية، مع الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها.
التوصيات:
للحكومة السورية: الاستثمار في “الانتصار السياسي” واستخدام المكاسب العسكرية لفرض دمج حقيقي وليس إخضاعاً، عبر منح ضمانات دستورية وإدارية لا مركزية محدودة للمناطق الكردية، لسحب البساط من تحت أقدام “PKK” وكسب شرائح كردية واسعة، والمضي قدماً بخطوات جادة نحو اللامركزية الإدارية والسياسية المضمنة دستورياً، مع الإسراع في تنفيذ المرسوم الخاص بالحقوق الكردية الثقافية، وإنشاء قنوات حوار مباشر مع جميع الأطراف الكردية بما فيها المعتدلة، عبر تجنب عملية عسكرية شاملة في المناطق الكردية الكثيفة، والعمل على عزل التيار المتشدد “تيار قنديل” عبر التفاوض مع عبدي والبرزاني، وربما صفقة لخروج الكوادر الأجنبية. بجانب إدارة الثروة بشكل عادل، عبر إظهار أن عوائد النفط والغاز ستنعكس على تنمية المنطقة ككل (الكردية والعربية)، لتجنب إثارة الاحتقان الاقتصادي كسبب جديد للتمرد.
للقوى الكردية: توحيد الصفوف حول برنامج تفاوضي واقعي يركز على ضمانات دستورية وقانونية للامركزية والحقوق الثقافية، والابتعاد عن الخطاب الانفصالي أو التوتر مع المكونات العربية المحلية. مع الركون إلى الواقعية السياسية، عبر الاعتراف بأن معادلة “شرق الفرات” قد انتهت، والعمل على تفاوض يحقق أقصى مكاسب ممكنة في إطار الدولة السورية (حقوق ثقافية، إدارة محلية، حصة في المؤسسات المركزية). بجانب محاولة لملمة الصف والحد من تأثير تيار “قنديل” المتشدد، وتقديم قيادة موحدة للمفاوضات، لأن التشرذم سيؤدي لخسارة الجميع.
للولايات المتحدة (الدول الغربية): الاستمرار في لعب دور الوسيط النشط والضغط على دمشق لتقديم تنازلات سياسية حقيقية، مع ربط المساعدات لإعادة الإعمار بالتقدم في ملف المصالحة الوطنية وحقوق الأقليات. والجنوح إلى سياسة الضغط المتوازن، من خلال استخدام النفوذ للحفاظ على وقف إطلاق النار والضغط على كلا الطرفين (دمشق للتنازل السياسي، و”قسد” لقبول الدمج) لتحقيق انتقال مستقر. إلى جانب التركيز على ملف “داعش”، عبر ضمان تسليم سلس وآمن لمرافق الاحتجاز والسجون إلى سلطة ذات مصداقية، ومراقبة هذا الملف كأولوية قصوى لمنع انبعاث التنظيم. إضافة للحفاظ على القناة مع عبدي والبرزاني كبديل معتدل، ومنع انزياح المشهد الكردي بالكامل نحو “PKK” وتركيا.
للجهات الإقليمية (تركيا، إيران، العراق): احترام السيادة السورية وعدم استغلال الملف الكردي لتحقيق مكاسب جيوسياسية ضيقة، ودعم الحل السياسي الداخلي.
خاتمة:
يشكل تحول كانون الثاني/يناير 2026 نقطة تحول لا رجعة فيها في الحرب السورية، مختتماً صراعاً على السلطة دام أكثر من عقد لصالح مركزية الدولة، ولكن على حساب إشعال فتيل صراع قومي جديد أكثر تعقيداً.
النجاح أو الفشل في الأسابيع القادمة لن يتم تحديده في الميدان العسكري، بل على طاولة التفاوض وفي قدرة الأطراف على تجاوز منطق الانتصار الكلي والخسارة الكلية. لذا، فإن مستقبل سوريا المستقرة والموحدة استقرار يتوقف على هذه المرونة الهشة، وبقدرة جميع الأطراف على تجاوز منطق المنتصر والمهزوم، وتبني منطق الشراكة الوطنية في وطن مشترك.




