تقدير موقف

جدل الحكومة الموازية بين “صمود” و”تأسيس”.. الفكرة والنهاية

يُطرَح اليوم مصطلح “الحكومة الموازية” في سياق بالغ التعقيد؛ حيث يقف السودان عند مفترق طرق مصيري؛ تعصف به حربٌ تُعدّ الأشد تدميراً في تاريخه الحديث. إذْ تحولت المدن إلى ساحات دمار، وأُجبر الملايين على الفرار من ديارهم، مما يعضد وصفها بحرب وجودية تهدد وحدة السودان، وتفتح الباب أمام سيناريوهات أشد خطورة.

وسط هذه الأجواء الملبدة تنشط عدد من التحركات السياسية الخارجية لتحالفات سياسية سودانية مثل تنسيقية “تقدم”، التي انقسمت إلى تحالف “تأسيس” وتحالف “صمود” الذي يسعى في عواصم اقليمية مثل أديس أبابا وفي كينيا ويوغندا للتسويق لفكرة قديمة جديدة، وهي فكرة الحكومة الموازية التي تتعثر، ولا يبدو في الأفق أي مؤشر على أنها يمكن أن تستوي على سوقها.

سنتابع من خلال هذا المقال التحركات السياسية لهذه التحالفات بداية من تحالف “صمود” والنتائج الصفرية لتحركاته السياسية، الرفض الاثيوبي لإيواء نشاطه، وتحالف “تأسيس” واستمرار التشظي وسط الأجسام السياسية السودانية، بجانب الجدل الدائر حول ما يطلق عليه “الحكومة الموازية” وتحركها من فكرة وتعثرها الحالي الذي ينبىء عن نهاية قريبة خاصة بعد انقلاب الموقف الكيني من هذه “الحكومة الموازية”.

“صمود” تحركات سياسية ونتائج صفرية

 أعلنت قوى سياسية وشخصيات سودانية في فبراير الماضي، عن تشكيل التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، برئاسة د. عبد الله حمدوك، بعد إعلان تنسيقية “تقدم” حل نفسها. يصف تحالف “صمود” نفسه بأنه قوى مدنية ديمقراطية وثورية مستقلة تطمح إلى بناء سودان موحد، مدني، وديمقراطي، يقوم على أسس السلام العادل والمستدام.

يهدف لإيقاف وإنهاء الحروب في السودان وإحلال السلام الشامل العادل المستدام، ومعالجة الآثار الإنسانية الكارثية للحروب وحماية المدنيين والعودة لمدنهم وقراهم وجبر الضرر الذي حاق بهم جراء حروب السودان المتعاقبة، وبناء الدولة السودانية على أسس جديدة عادلة ومنصفة لجميع أبناء وبنات السودان، والتصدي لخطابات الكراهية والعنصرية والتقسيم ونشر خطاب متسامح يعبر عن تعدد السودان وتنوعه بصورة حقيقية، ومخاطبة ومعالجة الجذور التاريخية للأزمة الوطنية.

يضم تحالف “صمود” 13 تنظيما سياسيا، أبرزها حزب الأمة القومي وحزب المؤتمر السوداني، وحزب البعث القومي، والحركة الشعبية، وعدد من المجموعات المهنية والمدنية، بينما تأسست تنسيقية “تقدم” في أكتوبر 2023 بهدف تكوين أوسع تحالف ضد الحرب والعمل على تحقيق السلام واستعادة الانتقال المدني.

يرى تحالف صمود أن المسار السياسي يقوم على إطلاق حوار وطني يخاطب جذور الأزمة ويرسي سلاماً مستداماً في البلاد، وترتيبات دستورية انتقالية تنهض على توافق عريض، وإرساء عملية عدالة وعدالة انتقالية تحاسب على الانتهاكات وتحقق الإنصاف للضحايا، وتشكيل سلطة مدنية انتقالية ذات صلاحيات كاملة، تقود البلاد حتى الانتخابات، وتصفية آثار الحرب وإعادة إعمار السودان.

يرى تحالف صمود كذلك أن نظام الحكم خلال فترة الانتقال يكون فدرالياً وفقاً للمستويات التالية: المستوى الاتحادي/ المستوى الإقليمي/ المستوى المحلي، وتكون هياكل السلطة الانتقالية مكونة من الجمعية الوطنية التأسيسية الانتقالية وتتكون من مجلسي النواب والأقاليم، ويكون عدد أعضاء مجلس الأقاليم محدوداً بتمثيل متساوي لكل أقاليم السودان، في حين يراعى التمثيل الواسع في مجلس النواب لكل الأقاليم حسب ثقلها السكاني، ومجلس السيادة الانتقالي ويتشكل من رئيس ونائبين ويمثل رمز سيادة البلاد على أن يراعي التنوع، ومجلس الوزراء الانتقالي ويتكون من رئيس/ة للوزراء وعدد من الوزراء يراعى فيها الكفاءة والتخصصية والتنوع وفقاً لمعايير التعداد السكاني للأقاليم.

إثيوبيا ورفض “صمود”

بدأت صمود تحركاتها الخارجية بأديس أبابا لتنظيم ورشة للسلم ورتق النسيج الاجتماعي، لكن السلطات الأثيوبية، أبلغت تحالف صمود بقرار منع مزاولة نشاطاته داخل الأراضي الأثيوبية، وجاء القرار قبل يومين من انعقاد الورشة التي أعلن عنها التحالف في العاصمة الأثيوبية.

القرار الإثيوبي لم يكن مفاجئا للأوساط السياسية والمراقبين، من زاوية أنه جاء منسجما مع التعاطي الإيجابي مع القضية السودانية إقليميا ودوليا، حيث شعرت أثيوبيا التي فاتها إعلان رفض الحكومة الموازية ولم تلحق الولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي والإتحاد الأوروبي والجامعة العربية بما فيها المملكة العربية السعودية ومصر، في رفضهم لحكومة الدعم السريع، فقررت تقديم السبت للخرطوم بحظر نشاط التحالف المعارض للحكومة السودانية والداعم لمليشيا الدعم السريع تحت ذريعة الحياد.

آراء أخرى، تستبعد هذا السبب وترى أن الإمارات الممول الرئيسي للمليشيات أرادت معاقبة التحالف بسبب رفضه المشاركة في حكومة حميدتي، وذلك عبر التضييق على أنشطته، مشيرة إلى أن حظر نشاط صمود واعتقال ياسر عرمان في كينيا مؤخرا، صادران من جهة واحدة لغرض واحد، وهو معاقبة تحالف حمدوك، ورجحت أن تتصاعد هذه المواجهة مستقبلا، سيما بعد بيانات إدانة من التحالف ضد جرائم المليشيا.

مراقبون يرون أن تحالف صمود وقع ضحية لموقفه الضبابي، حيث لم يعد العالم بحاجة للحياد، خصوصا وأن جميع المؤسسات الدولية والإقليمية أعلنت موقفها صراحة من الأزمة السودانية، وبهذا الموقف يدفع تحالف صمود الثمن، لأن أثيوبيا لم تعد تجد التحالف إذا قررت الميل للمليشيات أو الحكومة السودانية، وبالتالي فإن المجموعة الموجودة في أديس أبابا بحسب مراقبين أصبحت كروت محروقة وتم رفع الغطاء الإماراتي عنها، وهو ما شجع أديس أبابا بحسب مراقبين لاتخاذ قرار بوقف نشاطها بالأراضي الأثيوبية.

لم تعد للتحالف وجهة يمكن أن يلجأ لها بعد أثيوبيا، فكينيا لن ترحب به، كما أن الإمارات لن تكون أرضا صالحة له لممارسة الحياد، ومع الضغوطات التي يتعرض لها التحالف، فإن الخيار الوحيد المتاح له هو العودة لبورتسودان دون شروط، بعد إعلان توبته، وهو خيار وفق مراقبين غير ممكن ويصعب توقع نتائجه، سيما بعد الرفض الشعبي الواسع ضد حمدوك وتحالفه المخزي.

بمجرد تشكيل التحالف الجديد، بدأت التساؤلات والانتقادات تتوالى من ممثلي أحزاب ومحللين ومراقبين وصحفيين وناشطين حول أسباب تشكل هذا التحالف والداعمين له، وأهداف تشكله، وساهمت الانتقادات الكبيرة واشارات الاستفهام التي أحاطت بتحالف “صمود” إلى إصداره بيان حول إعلان رؤيته السياسية وأهدافه، بعد مرور أقل من شهر على إعلان تشكيله، حيث يرى مراقبون أن “صمود” لم تأتي بأي شيء جديد.

حيث نشأ التحالف من غالبية قوى تنسيقية “تقدم” السياسية، والوجوه ذاتها ومجموعات مهنية ونقابية، مع لافتات وشعارات لا وزن لها، ولم يشهد “صمود” توسعا في مكوناته أو مبادئ جديدة، في حين كان يدعو لجبهة مدنية عريضة، كما تمسك تحالف “صمود” بشعار تنسيقية تقدم نفسه “لا للحرب”، ولكن دون برنامج واضح لإنهائها، كما أن مواقف التحالف، حسب بيانه التأسيسي، لا يعترف بالجيش وشرعية مؤسسات الدولة ويتعامل مع المؤسسة العسكرية كفصيل سياسي. وهذا ما يدفع باتجاه زيادة الفجوة والانقسام بين أبناء البلد بدلاً من تقريب وجهات النظر.

وتساءل مراقبون: كيف يمكن الوثوق بـ “صمود” وهو امتداد لـ “تقدم” التي رفعت شعار لا للحرب ولكن هناك كثير من القوى والمكونات والأحزاب المنضوية تحت رايتها كانت تريد تشكيل حكومة موازية في مناطق “الدعم السريع” مما يؤجج الحرب ويزيد الخلاف وينقل البلاد إلى التقسيم، كما أن الانقسام في “تقدم” يوحي بوجود ارتباطات خارجية لبعض مكوناتها وممثليها، الذين تتماهى سياساتهم مع مصالح قوى إقليمية ودولية؛ حيث انقسمت تلك القوى لفريقين بتوجهات متعارضة، شكّل كل منهما تحالف مستقل، الأول هو “صمود”” والأخر “تحالف السودان التأسيسي”.

تحالف “تأسيس”.. استمرار التشظي

أعلنت قوى “تحالف السودان التأسيسي” في نيروبي قيام تحالف “تأسيس” في 23 فبراير، ليكون التحالف الثاني المُنحدر من خلفيات “الحرّية والتغيير”، ويضم 24 كياناً، في رأسها مليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، والجبهة الثورية بقيادة الهادي إدريس، وحزب الأمة القومي بقيادة فضل الله برمه، إلى جانب قوى سياسية ومدنية أخرى.

وأعلن تحالف ” تأسيس” رسمياً تشكيل هيئة قيادية وهيكلة التحالف بعد توافق على الهيئة القيادية والتي تكونت من (31) عضواً، وسمت الهيئة محمد حمدان دقلو قائد مليشيا الدعم السريع رئيسا للتحالف وعبد العزيز آدم الحلو رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال نائبا له، وأعتمد التحالف علاء الدين عوض نقد الله ناًطقا رسمياً بإسمه، ومكين محمد تيراب مقرراً للتحالف، وذلك عقب مؤتمر صحفي للتحالف بمدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولًا سياسيًا كبيرًا في خارطة التحالفات داخل السودان.

وقال عبد العزيز الحلو، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال ونائب رئيس تحالف تأسيس أن التحالف الجديد يسعى إلى تفكيك الدولة السودانية القديمة وإعادة بنائها على أسس سياسية ودستورية جديدة تضمن السلام العادل والشامل، وتضع حدًا للحرب المستمرة منذ أكثر من عامين.

وقال الحلو أن الميثاق والدستور اللذين أُجيزا مؤخرًا يمثلان مدخلًا تأسيسيًا لبناء دولة حديثة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية، موضحا أن الحرب التي يخوضها تحالف تأسيس تستهدف ما وصفه بـ ”منظومات الإسلام السياسي” التي استغلت الدين للوصول إلى السلطة، مؤكدًا أن التحالف يعمل على توحيد مكونات المجتمع السوداني وتفكيك البنية القديمة التي كرّست التهميش والانقسام. كما شدد على التزام الحركة ببناء جيش وطني جديد، وإعادة إعمار البلاد، وضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين دون تمييز.

ورفض الحلو أي تسويات سياسية وصفها بـ”الهشة”، وانتقد ما وصفه بـ”العدو الاستراتيجي” المتمثل في المركز الذي احتكر السلطة والثروة، وخلق صراعات بين المهمّشين للحفاظ على الوضعية التاريخية المختلة، مؤكدًا أن تحالف تأسيس يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الهامش والمركز، وبناء منظومة اجتماعية جديدة عبر مصالحات شاملة بين المكونات المجتمعية في الأقاليم.

وكشفت مصادر مطلعة أن نحو 40% أو أكثر من هياكل السلطة الموازية ستكون من نصيب الدعم السريع ، فيما حصلت الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو على نحو 30 %، على أن تكون الـ 30% المتبقية موزعة على بقية مكونات التحالف، وأبرزها الجبهة الثورية وحزب الأمة القومي، وقوى أخرى.

الحكومة الموازية.. الفكرة والتعثر

أثناء اجتماع قيادة “تقدم” برئاسة حمدوك في ديسمبر الماضي، في أوغندا برز خلاف إثر تبني فصائل الجبهة الثورية خيار تشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرة “الدعم السريع” هدفه انتزاع الشرعية عن الحكومة الشرعية، وخلص الخلاف لوجود موقفين متعارضين، فتم إقرار فك الارتباط السياسي بينهما، وتم الإعلان في بيان رسمي عن تشكيل تحالف “صمود”، واختارت القوى، التي تؤيد تشكيل حكومة موازية، إطلاق اسم “تحالف السودان التأسيسي” على تنظيمها الذي يشكل الحكومة المرتقبة التي ستكون معنية بوحدة السودان وتحقيق السلام، لتثبت عدم شرعية الحكومة القائمة.

تم حلّ “تقدم” في 10 فبراير، ليتشكّل تحالفان على أنقاضها، تحت مسمّى “التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة” (صمود)، وآخر تحت اسم “تحالف الميثاق التأسيسي”، في 23 من الشهر نفسه، ليطرح كلٌّ منهما تصوّره لما بعد إسقاط الحُكم القائم، وانقسمت تنسيقية تقدم على خلفية الموقف من نقل الأزمة إلى نزاع على الشرعية، لتبدأ عملية فكّ الارتباط التنظيمي بين موقفَين:

  • أولاهما: يرى مواصلة النضال بوسائل العمل المدني الديمقراطي من دون تشكيل حكومة.
  • ثانيهما: يرى أن تشكيل حكومة موازية من وسائل التحالف لإسقاط الحكومة السودانية.

وقعت مكونات تحالف “تأسيس” في شهر مارس الماضي، في العاصمة الكينية نيروبي ميثاقاً سياسياً نص على تشكيل تحالف سياسي وحكومة موازية في مناطق سيطرة الدعم السريع، ودستور إنتقالي يؤسس لعملية دستورية جديدة تضطلع بمهام تأسيس وبناء الدولة السودانية.

يبدو أن رغبة بعض القوى السياسية في “تقدم” بتشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرة “الدعم السريع” – وهو السبب الأساسي وراء انقسام “تقدم”، ويعتبر دليلا واضحا على التحالف السري بين تنسيقية “تقدم” وميليشيا “الدعم السريع” بإشراف إماراتي-فرنسي، وهذا التحالف جعل المستقبل السياسي لـ “تقدم” وسمعتها في مهب الريح. يضاف إلى ذلك، الخسائر العسكرية المتتالية التي تلقتها ميليشيا “الدعم السريع” في الميدان، كل ذلك جعل من “تقدم” ورقة خاسرة حتماً بالنسبة للإمارات وفرنسا بالرهان السياسي، وهذا ما دفعهم للبحث عن بديل جديد (نظيف السمعة سياسياً)، فمن هنا ظهرت فكرة تحالف “صمود”.

استكملت اللجان المتخصصة لتشكيل الحكومة الموازية، المكونة من بعض مكونات تحالف “تقدم” وتحالف “قمم” وحزب الأمة القومي ومجموعات أخرى، إعداد الدستور المؤقت والميثاق السياسي وبرنامج الحكومة.، وانخرطت الأطراف المشاركة والمؤيدة لتشكيل الحكومة الموازية في اجتماعات متواصلة في العاصمة الكينية نيروبي، تمهيدًا لتشكيلها وإعلانها، بمشاركة مكونات “قمم” وعدد من مكونات “تقدم”.

بالإضافة إلى مشاركة حزب الأمة القومي بزعامة فضل الله برمة ناصر، والحزب الاتحادي الموحد، والحزب الاتحادي الأصل، ومكونات الجبهة الثورية، عدا الحركة الشعبية – التيار الثوري، بقيادة ياسر عرمان، وتضم قائمة الموقعين أيضًا عددًا من القوى المدنية والمجتمعية والشخصيات السياسية.

ويضم تحالف “قمم” 12 تنظيمًا سياسيًا واجتماعيًا وقّعت على ميثاق التحالف، إلى جانب 8 حركات من الكفاح المسلح التي سبق أن وقّعت اتفاقيات سلام، من بينها حركة تحرير السودان/ القيادة التاريخية، وحركة الإصلاح والتجديد، وحركة تحرير السودان/ القيادة الميدانية، بالإضافة إلى عدد من المنظمات المجتمعية، وانضمت مكونات في تحالف “تقدم”، بقيادة الجبهة الثورية، باستثناء ياسر عرمان، وأحزاب الأمة القومي والاتحادي الموحد، وشخصيات سياسية مثل عضو مجلس السيادة السابق محمد حسن التعايشي، إلى مقترح تشكيل الحكومة.

إزاء صعوبة التوافق على حكومة المنفى، ناقشت الهيئة القيادية لـ”تقدّم” في10 فبراير 2025 في لقاء إسفيري تباين الموقف من تشكيل حكومة موازية، وتأسيس النزاع على الشرعية، خلصت فيه إلى فكّ الارتباط تحت مظلّة “تقدم” بين تنظيمَين، وتبلور الانقسام مع صدور البيان التأسيسي لـ”صمود”، برئاسة عبد الله حمدوك، إذ أكّد البراءة من عملية تشكيل حكومة منفى موازية، وحدّد ملامح خطابه في مستويَين، السعي إلى حكم مدني ديمقراطي، ليتشكّل التحالف من 58 مشاركاً ما بين الأحزاب والنقابات المهنية ومنظّمات المجتمع المدني وشخصيات سودانية.

وجد توقيع الميثاق التأسيسي لما أطلقت عليه “حكومة السلام والوحدة” التي تضم أحزابا سياسية وحركات مسلحة ومنظمات مجتمع مدني وإدارات أهلية، بجانب ميليشيا “الدعم السريع”، أنها ستشكل حكومة موازية في السودان، رفضا واسعا في الاقليم، وأعلنت كل من (مصر والسعودية والأردن وقطر) رفض أي تقسيم للسودان أو إعلان حكومة موازية، وهو ذات ما رفضه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش .

ولادة مشروع الحكومة الموازية جاءت متعثرة، بدءاً بانقسام في تنسيقية القوى المدنية «تقدم» وحلها، وظلت لعنة الخلافات والانقسامات ملازمة لفكرة هذه الحكومة من انقسام «تقدم»، إلى تبرؤ حزب الأمة من رئيسه اللواء متقاعد فضل الله برمة ناصر الذي مضى في طريق المشاركة في ترتيبات إعلانها.

كذلك أدت الخلافات بشأنها إلى انقسام ضد سليمان صندل في حركة العدل والمساواة، تبعه انقسام في حركة الحلو بإعلان أحد أعضاء مكتبها في واشنطن استقالته احتجاجاً على موقف رئيسه ومشاركته في تجمع نيروبي وظهوره إلى جانب قيادة مليشيا الدعم السريع، على الرغم من التاريخ المرير بين الطرفين.

كينيا.. انقلاب الموقف من الحكومة الموازية

برزت مؤشرات على حدوث انقسام في الحكومة الكينية وتباينات مع رئيسها ويليام روتو بسبب توفيره غطاء لمشروع الحكومة الموازية باستضافة مؤتمر تأسيسها في نيروبي، وهي الخطوة التي أدانتها الحكومة السودانية في بيان شديد اللهجة وصف الموقف الكيني بأنه انتهاك للقوانين الدولية واحتضان جماعة مارست الإبادة الجماعية. ما زاد في حرج الحكومة الكينية أنها لم تقدم أي حكومة أخرى، إقليمية أو دولية، على دعم هذه الحكومة «الموازية»، على الأقل علناً، وهو ما ظهر في عدم مشاركة أي رؤساء بعثات دبلوماسية أو ممثلي دول في مؤتمر إعلان ميثاق مشروعها.

الحكومة الموازية هي في جوهرها خطوة إعلامية لرفع المعنويات بعد الهزائم المتلاحقة التي تلقتها مليشيا الدعم السريع، أكثر من كونها مشروعاً حقيقياً لدولة لا توجد إلا في خيال من فكروا فيها وحاكوا مؤامرتها، والمليشيا تريد بهذه الخطوة تحقيق ما فشلت فيه بالسلاح، لكن «الحكومة الموازية» لن تجد الاعتراف الذي تأمله، ولا تملك مقومات الحديث عن امتلاك الشرعية أو انتزاعها، لأنها تستند في الأساس إلى بندقية «الدعم السريع» التي لطختها الدماء، والانتهاكات، والاغتصابات من دارفور إلى الخرطوم والجزيرة، فنشأت هوة هائلة مع المواطنين الذين كانوا يهربون منها ويبحثون عن الأمن في مناطق وجود الجيش.

محاولة تشكيل الحكومة الموازية تبدو آخر طلقة في بندقية الدعم السريع وحلفائه، وكل المؤشرات تقول أنها ستفشل، ولن توقف تقدم الجيش وحلفائه نحو تحقيق هدفهم الذي بات معلوماً؛ بل وقريباً. وفكرة تكوين حكومة موازية في السودان لن تستطيع سحب الشرعية من السلطة المركزية، التي يرأسها قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان.

ورغم أن المشروع كان وجد ترحيب دولة إقليمية مهمة ككينيا بعقد اجتماعات التشاور لتشكيل الحكومة الموازية، في أراضيها، لكن محاولة رعاية حكومة يترأّسها “الجنجويد”، الذين عُرِفوا بارتكابهم جرائم وانتهاكات منذ بداية الصراع في إقليم دارفور، كان أمراً مستفزّاً لكثيرين من الكينيين، وهو أكثر استفزازاً لمشاعر الملايين من السودانيين، الذين بات اسم حميدتي ومجموعته مرتبطا عندهم بالقتل والتشريد والاغتصاب.

خاتمة

يبدو انقسام “تقدّم” محاولةً لتنظيم المعارضة عبر تحالفي “تأسيس” و”صمود”، وبطريقة أقرب إلى تقاسم الدور السياسي، فلا يشكل محتوى البيانات اللاحقة إضافةً موضوعيةً إلى حلّ الصراع، فبينما يقود الدعم السريع، متحالفاً مع المنظّمات المُسلحة، تصعيداً عسكرياً وسياسياً، يخرج “صمود” من حياده، بالتركيز في مطالبة الحكومة بوقف الحرب.

في سياقات الانقسام، تتشكّل هُويَّة “صمود” جناحاً سياسياً، إذ تقتصر عضويته على الأحزاب والنقابات ومنظّمات المجتمع المدني، ليقوم بوظيفة اقتراح صيغ الحلّ السياسي وتحسين الوجه السياسي للمعارضة في الخارج، فيما تشكّل أطرافها الأخرى جبهةً عسكريةً لتثبيت قواعد النزاع مع الحكومة، كما لا تخلو طريقة الانقسام من وجود درجة من التراضي على تكامل الدور السياسي لكلٍّ من تحالفَي تأسيس وصمود، فقد عملت هذه الأحزاب والحركات المسلّحة على أرضية تضامنية منذ سقوط البشير، كما لا يرقى الخلاف على تشكيل حكومة إلى تفسير قرار الانقسام بقدر ما يفتح الطريق لمتابعة اقتراب مواقفها من الحلّ السياسي وتفضيلات العلاقة مع الجيش أو “الدعم السريع”.

تشير خريطة الفواعل المتصارعة إلى عدم توافر المناخ الملائم لإعلان تحالف المعارضة حكومةً في جزءٍ من أراضي السودان، وبغض النظر عن فجوة القوة والنفوذ ما بين الأحزاب السياسية والفصائل المسلّحة، لا يكفي محتوى المقترحات والدعم الخارجي لإبقاء سلطة في قيد الحياة، في ظلّ أعباء الحرب وقِلّة الموارد، وتحت هشاشة البنى الحزبية تعثّر تحالف تأسيس أمام الضغوط الإقليمية والحزبية، ولم يُعلَن تشكيل حكومته في 23 فبراير 2025، حيث تراجع حزب الأمّة القومي تحت ذريعة عدم تفويض رئيس الحزب المُكلّف، برمة ناصر، بالتوقيع، ليفتح الباب لتأجيل عملية تشكيل الحكومة الموازية.

إقليمياً، لقي الاجتماع رفضا واسعا في الاقليم، وأعلنت كل من مصر والسعودية والأردن وقطر وأرتريا وغيرها رفضا واضحا لأي تقسيم للسودان أو إعلان حكومة موازية، وهو ذات ما رفضه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، مما جعل الأمر يشكل عبئاً على السياسة الكينية.

على مستوى النظر إلى المستقبل، تباعدت تطلّعات الأطراف السودانية، وقامت مواقف حكومة السودان وحلفاؤها على النظر إلى دور القوات المسلّحة قاطرةً للتحوّل السياسي، فقد اعتبرته “الكتلة الديمقراطية” ضامناً للانتقال السياسي، ليجري التحضير لمرحلة جديدة بتغيير واسعٍ في وثيقة 2019، وتشكيل حكومة حرب أو تصريف أعمال، لها القدرة على استكمال عملية تفكيك “الدعم السريع”.

وبدأت ملامح الحكومة المدنية تتشكل بعد تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسا للوزراء، والذي أكمل حتى الآن تعيين عدد من وزراء حكومته، مما يشي بقدرته على استكمال المسيرة، بينما تتعثر خطوات ما يطلق عليه الحكومة الموازية، مما يعني أنها في الطريق إلى القبر عاجلا أم آجلا.

______________________

مراجع يمكن الرجوع إليها

خيري عمر، سباق التحالفات السودانية نحو الحرب، العربي الجديد، 21 مارس 2025.

عثمان مرغني، السودان… تعثّر مخطط الحكومة “الموازية”، الشرق الاوسط، 20 فبراير 2025م.

حميدتي رئيساً والحلو نائباً له .. إعلان الهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي، صحيفة إدراك الإلكترونية،  1/7/2025م.

مدى الفاتح، عن تعثّر الحكومة الموازية في السودان، العربي الجديد، 01 مارس 2025م.

“صمود”..  تحالف يعزز الانقسام السياسي في السودان بأهدافه المعلنة والخفية، صحيفة السوداني،  3 مارس 2025م.

بعد إغلاق أثيوبيا أبوابها.. تحالف “صمود” يواجه خطر الفناء!، الطابية، 24  مارس 2025م.

“سودان تربيون” تحصل على تفاصيل هياكل الحكومة الموازية في مواقع الـــدعم، سودان تربيون، 8 فبراير 2025م.

كاتب

  • محمد خليفة صديق

    محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

محمد خليفة صديق

محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى