استخدام بوكو حرام للطائرات المسيّرة: تحول في تكتيكات العنف الإرهابي بحوض بحيرة تشاد
استخدام بوكو حرام للطائرات المسيّرة ظهر مجددًا في حادثة كشفت عنها مجلة “جون أفريك”؛ حيث أن “جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد” (الشهيرة بـ “بوكو حرام”) نفّذت يوم 9 من يونيو هجوما على معسكر للجيش الكاميروني باستخدام الطائرات المسيرة الانتحارية [1].
ويعتبر هذا الحادث الهجوم الثالث من نوعه على الجيش الكاميروني، كما يدخل في نطاق تكتيكات حرب العصابات والاستراتيجيات الجديدة التي تتبناها كل من “بوكو حرام” وفصيلها المنشق “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب إفريقيا” منذ أواخر عام 2024 في دول بحيرة تشاد [2].
ولهذه الأهمية، سيتناول هذا المقال تطوّر الوضع، وحوادثه وأنماطه البارزة، وكيفية حصول الجماعتين الإرهابيتين على الطائرات المسيرة، بالإضافة إلى الآثار الاستراتيجية والتحديات الرئيسية لاستخدام الطائرات المسيرة المسلحة في سياق أزمة الإرهاب بمنطقة بحيرة تشاد.
أولا: تطوّر استخدام الجماعات الجهادية للطائرات المسيّرة في بحيرة تشاد
يمكن تقسيم مراحل تطوّر استخدام “بوكو حرام“، و”تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب إفريقيا” للطائرات المسيرة إلى مرحلتين أساسيتين، وذلك باستقراء أنشطتهما المسلحة في كل من نيجيريا والكاميرون والنيجر، وبملاحظة وسائل هجماتهما في منطقة بيحيرة.
أ. البديل: المرحلة الاستخبارية والدعائية
تمثل هذه المرحلة البداياتِ الأولى لاستخدام “بوكو حرام” و “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب أفريقيا” للطائرات المسيرة بهدف الأعمال الاستخباراتية والمراقبة والاستطلاع وتنفيذ الدعاية الإعلامية. وتتحدد هذه المرحلة في عام 2018 تقريبا واستمرت حتى عام 2022 تقريبا.
وفي هذه الفترة استغلت الجماعتين الطائرات المسيرة المتاحة تجاريًا والطائرات الرباعية المروحية الجاهزة منخفضة التكلفة لتكون لهم “عينًا جوية” قيّمة سمحت لهم بمراقبة التحركات العسكرية واستكشاف الأهداف المحتملة وتقييم مواقعها وتحديد نقاط الضعف قبل شن هجمات برية. وهذه القدرة عززت تخطيط مقاتلي الجماعتين وتنفيذهم للعمليات، ووفرت لهم مستوى من الوعي الظرفي لم يكن تحقيقه ممكنا من قبل؛ بل وشكّلت لهم أداة حاسمة للدفاع المضاد والاستطلاع قبل الهجوم.
وقد لعبت الطائرات المسيرة أيضاً في هذه المرحلة دوراً حيويّاً في جهود الإرهابيين الدعائية؛ حيث استخدمت الجماعتين لقطات الطائرات المسيرة لإنتاج فيديوهات دعائية مؤثرة بصريًا، نُشرت لاحقًا على المنصات الإلكترونية المختلفة، وخاصة “تيليغرام” و “واتساب”.
وهذه الفيديوهات أدت وظائف استراتيجية متعددة متمثلة في إظهار “البراعة التكنولوجية المتطورة” للجماعتين، الأمر الذي عزّز صورتهما وقوّى نفوذهما في مناطق سيطرتهما، كما أثار الرهبة والرعبة في نفوس خصومهما.
بل وشكّلت الفيديوهات المُصَوّرة عبر الطائرات المسيرة وإنتاجاتها السينمائية أدوات تجنيد فاعلة عرضت “انتصارات” الجماعتين واستقطبت مقاتلين جددًا نتيجة سردية تزايد قوة كل من الجماعتين وتصورات قدراتهما المتقدمة.
وفي حين تتفق المصادر تقريبا على أنّ جماعة “بوكو حرام” قد استخدمت الطائرات المسيرة للمراقبة لأول مرة في وقت مبكر من عام 2018 [3]. فقد كان أبرز مثال لهذه المرحلة ما نشره “تنظيم الدولة ولاية غرب إفريقيا” من فيديوهات دعائية في أوائل عام 2022 عرضت فيها لقطات جوية لمواقع الجيش النيجيري و “قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات” (التي تتألف من وحدات عسكرية من جمهورية بنين والكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا، ومكلفة بإنهاء تمرد “بوكو حرام”). وهذه الفيديوهات يُرجح أن تكون قد صُوّرت بطائرات مسيّرة تجارية، مما أظهرت قدرة الجماعة على الاستطلاع [4].
ب. المرحلة القتالية والتسليحية
تُعدّ هذه المرحلة فترة تحوّل الجماعتين إلى التسليح النشط للطائرات المسيرة، والذي لوحِظ بين عامي 2022 و2023 [5]، مع تصاعد وتيرته في أواخر عام 2024 وأوائل عام 2025 [6].
ومن الحالات الأولى المعروفة لاستخدام قتالي مباشر لطائرات مسيرة مسلحة من قبل جماعة إرهابية في المنطقة ما لُوحِظ من تجربة “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب أفريقيا” تسليم حمولات متفجرة في حوض بحيرة تشاد في عامي 2022 و2023، فضلا عن هجوم ديسمبر 2024 على قاعدة العمليات الأمامية النيجيرية في “واجيروكو”.
وقد دفعت عدة عوامل إلى هذا التحول، بما في ذلك إمكانية الإرهابيين للوصول التكنولوجي والقدرة على تحمّل تكاليف الطائرات المسيرة التجارية الجاهزة؛ حيث يسهل حصول الجماعتين عليها وتعديلها لأغراض عسكرية بتكلفة منخفضة نسبيًا.
كما أنّ النكسات والخسائر في الأراضي والمقاتلين بسبب الهجمات العسكرية النيجيرية والاقتتال الداخلي؛ كلها أجبرت الجماعتين – وخاصة “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب أفريقيا” – على تكييف استراتيجياتها للتغلب على هذه التحديات والحفاظ على الضغط على قوات الأمن.
ثانيا: حوادث أخيرة وأنماطها المحددة
لقد سُجِّلت عدة حالات تؤكد تصاعد استخدام الطائرات المسيرة المُجهزة بالسلاح من قِبل “بوكو حرام” و “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب أفريقيا”، مما يؤكد على تنامي التهديد الجوي للجماعتين.
ومن أوائل التقارير عن هجوم من هذا القبيل ما حدث في يوليو 2022، عندما استخدمت “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب أفريقيا” طائرة استطلاع مسيرة لمراقبة قافلة عسكرية نيجيرية قرب “غوبيو” في ولاية بورنو (شمال شرق نيجيريا)، قبل نصب كمين لهم. مما أسفر عن مقتل خمسة من أفراد “قوة المهام المشتركة المدنية” المدعومة من قبل الحكومة والجيش النيجيري.
ورغم أنّ هذه الحادثة تضمنت مراقبةً قبل الهجوم، وليس ضربةً جويةً مباشرة بالطائرة المسيرة، إلا أنها أكدت وقتذاك على دمج الإرهابيين تكنولوجيا الطائرات المسيَّرة في تخطيطهم العملياتي في بحيرة تشاد.
وقد اتضح التحول نحو استخدام الطائرات المسيرة المسلحة في القتال المباشر في أواخر عام 2024 وأوائل عام 2025، وذلك اعتمادا على حوادث شملت ما حدث في ديسمبر 2024 في “بوني غاري” بولاية يوبي (شمال شرق نيجيريا)، عندما نجحت قوات عملية “هادين كاي” النيجيرية في إسقاط طائرة مسيرة مسلحة تابعة لإحدى الجماعتين الإرهابيتين تحمل صاروخًا موجهًا إلى مقر اللواء 27 التابع لقوة العملية العسكرية. وقد فُجِّر الصاروخ بأمان بواسطة جهاز التخلص من الذخائر المتفجرة، دون أي إصابات [7].
وكشف الهجوم على قاعدة العمليات الأمامية النيجيرية في “واجيروكو”، ولاية بورنو وبالقرب من الكاميرون ، في 24 ديسمبر 2024 أن التحوّل زاد خطورة وتطورا؛ إذ في هذه الحادثة نشر “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب أفريقيا” أربع طائرات مسيرة مسلحة تحمل قنابل يدوية محلية الصنع في هجوم منسق، مما أدى إلى إصابة ما لا يقل عن خمسة جنود [8].
وكانت هذه أول حالة ناجحة معروفة لجماعة إرهابية في المنطقة تستخدم طائرات مسيرة في القتال المباشر. وقد وقع بعدها هجومان مماثلان آخران في “داماتورو” عاضمة ولاية يوبي، و “أبادام” (الواقعة على الساحل الغربي لبحيرة تشاد).
وفي الشهور القليلة الماضية، وتحديدا في 25 مارس 2025، أفادتْ تقارير أنّ “بوكو حرام” استخدمتْ “طائرات مُسيّرة مُحمّلة بالمتفجرات” في هجوم على قاعدة عسكرية في بلدة “وولغو” أقصى شمال الكاميرون.
وقد أسفر الهجوم عن مقتل ما لايقل عن 10 جنديًا كاميرونيًا وإصابة آخرين [9]. هذا، بالإضافة إلى ما وقع في 9 يونيو 2025، حيث شنّت “بوكو حرام” هجومًا على معسكر للجيش الكاميروني، باستخدام طائرات مُسيّرة انتحارية [10].
ثالثا: كيف وصلت المسيّرات إلى أيدي الجماعات الجهادية؟
تتعدد طرق ووسائل حصول “بوكو حرام” و “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب إفريقيا” على الطائرات المسيرة. ومن أبرزها استيلاء مقاتلي الجماعتين على بعض الطائرات المسيرة من بعض القوات العسكرية خلال كمائن أو اجتياح قواعد أو سرقة خزائن عسكرية.
ومن المحتمل أيضا أن يساعدهم المتعاونون المحليون (مثل المخبرين من السكان أو التجار الفاسدين) في الحصول على بطاريات الطائرات المسيرة وأجهزة التحكم والملحقات.
وباعتبار أن الطائرات المسيرة التي تستخدمها “بوكو حرام” و “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب أفريقيا” غالبا ما تكون تجارية جاهزة وطائرات رباعية المراوح للهواة؛ فإن الممكن أن يكون الإرهابيون يحصلون عليها عبر طرق التهريب أو الأسواق النيجيرية والكاميرونية وغيرهما.
حيث أنّ أسعار الطائرات المسيرة التجارية العادية معقولة نسبيًا، ويسهل شراؤها والتحكم في واجهاتها واستخدامها، مما يجعلها في متناول الإرهابيين في بحيرة تشاد دون الحاجة إلى قدرات تصنيع متخصصة.
ويضاف إلى ما سبق أن أساليب تسليح معظم الطائرات المسيرة المستخدمة من قبل “بوكو حرام” و “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب إفريقيا” غالبا ما تكون بدائية ولكنها فعالة، كما تتضمن التقنيات الشائعة إرفاق تلك الطائرات المسيرة بحمولات متفجرة صغيرة، مثل القنابل اليدوية المعدلة أو قذائف الهاون، والتي يمكن إسقاطها على الأهداف بدقة.
وتشمل حالات أخرى، بحسب بعض التقارير، تجهيز الطائرات المسيّرة بمتفجرات لاستخدامها كطائرات انتحارية أو طائرات هجومية أحادية الاتجاه، حيث تُوجّه مباشرةً نحو هدف محدد، مثل مركبة عسكرية أو مبنى أو أفراد. وبهذه الحالات تتحوّل الطائرة المسيّرة نفسها إلى عبوة ناسفة بدائية طائرة.
واعتمادا على تقارير الهجمات الدموية الأخيرة؛ فإن برامج الطائرات المسيّرة التي يستغلها مقاتلو الجماعتين الإرهابيتين في تطوّر مستمر؛ إذ رغم افتقارهم إلى قدرات تصنيع متقدمة لطائرات مسيّرة عسكرية معقدة، إلا أنهم متمكنون في في تكييف وحدات تلك الطائرات التجارية وتعديلها.
كما أن هناك تأثير خارجي ومساعدة تقنية من مقاتلين أجانب، وخاصة من “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش)، الذي يتمتع بخبرة واسعة في تسليح الطائرات المسيّرة من خلال عملياتها في العراق وسوريا، وذلك بالنظر إلى التقارير التي كشفت أن مقاتلين سابقين في “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب أفريقيا” قد أكّدوا أن مستشاري “داعش” يقدمون للجماعة التدريب والتوجيه التكتيكي، مما يُعزّز قدرتهم على دمج الطائرات المسيّرة في هجمات أكبر وأكثر تنسيقًا.
رابعا: الآثار الاستراتيجية لاستخدام الطائرات المسيرة المسلحة
يمكن حصر الآثار الاستراتيجية لاستخدام الطائرات المسيرة المسلحة من قبل “بوكو حرام” و “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب إفريقيا” في أربع نقاط، هي:
أ. الدقة والمدى
لأن الطائرات المسيّرة المزوّدة بكاميرات لنقل بيانات مباشرة، تُمكّن المسلحين من إجراء استطلاع مُفصّل من الأعلى. وهذا يختلف عن الهجمات البرية التقليدية التي تعتمد على المراقبة المباشرة أو معلومات استخباراتية محدودة. ويُمكّنهم نشر هذه الطائرات المسيرة أيضا من تحديد الأهداف واختيارها بدقة، ومسح مواقع العدو ورصد نقاط الضعف داخل المعسكرات أو القوافل العسكرية بدقة.
إضافة إلى أن الطائرات المسيّرة توسّع مدى عمليات الجماعتين، مما يسمح لهما بشن هجمات من مسافات أبعد قد تكون خارج المحيط الدفاعي المباشر لأهدافهما، وضرب مواقع قد يصعب أو يُشكّل خطرًا كبيرًا على القوات البرية الوصول إليها مُباشرةً.
ب. تقليل المخاطر على المقاتلين الإرهابيين
من المزايا الأساسية لاستخدام الطائرات المسيرة من قبل الجماعتين الإرهابيتين أنه يقلل المخاطر على المقاتلين الإرهابيين؛ إذ يمكن للمسلحين تنفيذ عمليات من مسافة بعيدة باستخدام هذه الطائرات المسيرة ليقلل من تعرضهم المباشر لطلقات القوات الأمنية، ويخفف من خطر وقوع إصابات أو أسر أو اشتباك مباشر مع قوات أمنية مجهزة بسلاح أقوى.
بل في المواجهات غير المتكافئة، حيث تتمتع القوات الأمنية عادة بتفوق كبير في قوة الأسلحة والتدريب، توفر الطائرات المسيرة وسيلة فعالة للجماعتين الإرهابيتين من حيث التكلفة وانخفاض المخاطر وإمكانية إلحاق الضرر وإحداث الفوضى دون تعريض مواردهما البشرية للخطر.
ج. تجاوز الدفاعات التقليدية
إذ تتميز الطائرات المسيرة بفعالية عالية في تجاوز الدفاعات الأرضية ونقاط التفتيش التقليدية، وذلك لكون التدابير الأمنية التقليدية، مثل المحيطات المحصنة وحواجز الطرق والدوريات، صُمِّمت لمواجهة التهديدات الأرضية مما يجعلها غير فعالة إلى حد كبير ضد التهديدات الجوية التي يصعب اكتشافها، وخاصة أن بصمة الرادار الصغيرة لهذه الطائرات المسيرة وارتفاعات طيرانها المنخفضة نسبيًا تصعبان على أنظمة الرادار التقليدية التقاطها.
إضافة إلى أن هناك نقص في القدرات المخصصة لمكافحة الطائرات المسيرة بين القوات الأمنية المحلية لدول بحيرة تشاد ولإقليمية، مما يسمح لـ “بوكو حرام” و “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب أفريقيا” باستغلال الثغرات الموجودة في الدفاع الجوي، واستهداف المناطق الحساسة أو القوات الأمنية وقواعدها التي لولا الطائرات المسيرة المسلحة لكانت محمية من الهجمات.
د. التأثير النفسي
هناك تأثير نفسي عميق على كلٍّ من قوات الأمن والسكان المدنيين لاستخدام الإرهابيين للطائرات المسيّرة؛ إذ التواجد المستمر وغير المرئي في كثير من الأحيان للطائرات المسيّرة يخلق شعورًا عامًا بالضعف والقلق.
وبالنسبة للجنود، فإنّ إدراكهم لاحتمالية استهدافهم بتهديد جوي غير مرئي في أي لحظة قد يؤدي إلى زيادة القلق والتوتر والإحباط، مما يؤثر على فعاليتهم العملياتية ومعنوياتهم.
كما أن صوت أزيز الطائرة المسيّرة قد يثير خوف المدنيين أو يُعطّل الحياة اليومية ويُجبر على تغيير السلوك بسبب التهديد المستمر بضربات غير متوقعة، مما يُعزز مناخ الرعب ويقوّض الثقة في حماية الدولة للمدنيين.
خامسا: تحديات أمام جهود مكافحة الإرهاب المحلية والإقليمية
يشكل تحوّل “بوكو حرام” و “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية إفريقيا” إلى استخدام الطائرات المسيرة المسلحة تحديات كثيرة أمام جهود مكافحة الجماعتين في بحيرة تشاد. منها أن نجاح عدد من الهجمات المتكررة لهذه الطائرات المسيرة المسلحة في الشهور الأخيرة يُسلّط الضوء على عجز قوات دول حوض بحيرة تشاد الأمنية (و “قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات”) عن تحييد الطائرات المُسيّرة استباقيًا.
وذلك لأن هذه الجيوش الوطنية والقوة الإقليمية مُهيأة ومُجهّزة أساسا للحرب البرية التقليدية أو عمليات مكافحة التمرد ضد التهديدات التقليدية. كما أن قدرات الدفاع الجوي الحالية في هذه الدول غالبا ما تُصمَّم للطائرات الأكبر حجمًا والأكثر تقليدية، مما يجعلها غير فعّالة ضد الطائرات المُسيّرة الصغيرة التي تُحلّق على ارتفاع منخفض وتكون غالبًا خفية مع إمكانية إطلاقها والتحكم فيها من مسافة قريبة أو بعيدة.
وهناك تحدٍّ آخر يتمثل في وجود تفاوت صارخ في تكنولوجيا مكافحة الطائرات المُسيّرة بين الإرهابيين والجهات الفاعلة الحكومية؛ إذ في حين تستفيد “بوكو حرام” و “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب أفريقيا” من الطائرات المسيرة التجارية المتوفرة في الأسواق ومنخفضة التكلفة.
فإن معظم الجيوش الإقليمية تفتقر – إلى حد كبير – إلى تدابير مضادة فعّالة، مثل أجهزة التشويش القادرة على تعطيل إشارات التحكم بالطائرات المسيرة لإجبارها على الهبوط أو العودة، وأجهزة الاعتراض القادرة على اعتراض تلك الطائرة أو قذفها وإسقاطها، أو أنظمة الدفاع الجوي المتكاملة المصممة خصيصًا لكشف هذه التهديدات الصغيرة وتتبعها وتحييدها.
ويعني عدم امتلاك القوات الأمنية والجهات الحكومية الفاعلة لهذه الأدوات، أن قوات الأمن متروكون للرد على هجمات الطائرات المسيرة بعد وقوعها، أو يحاولون إسقاطها بنيران الأسلحة الصغيرة، وهي طريقة غير فعّالة، وخاصة في حالات الأهداف سريعة الحركة والرشيقة.
ويضاف إلى ما سبق أن تنفيذ التدابير الفعالة لمكافحة الطائرات المسيرة تتطلب تمويلا ماليا كبيرا واستثمارًا هائلا، وذلك لطبيعة عملية الحصول على تكنولوجيا متطورة مضادة للطائرات المسيرة، مثل أنظمة الرادار المتقدمة وأنظمة الحرب الإلكترونية وأجهزة الاعتراض المخصصة للطائرات المسيرة.
وهذا التحدي يأتي في الوقت الذي يعاني فيه العديد من حكومات المنطقة من ميزانيات محدودة. إضافة إلى الحاجة الماسة لبرامج تدريب شاملة للجنود والوحدات المتخصصة حول تشغيل معدات مكافحة الطائرات المسيرة المعقدة، وتطوير تكتيكات وتقنيات وإجراءات جديدة للكشف عن الطائرات المسيرة وتقييم التهديدات والاستجابة لها في بيئات عملياتية متنوعة.
وتُزِيد الطبيعة الجغرافية لحوض بحيرة تشاد في تعقيد جهود مكافحة الطائرات المسيرة، نظرا لتحديات تتبع واعتراض الطائرات المسيرة عبر الحدود المسامية، حيث تتميز المنطقة بتضاريس شاسعة ووعرة، تشمل المستنقعات والنباتات الكثيفة والجزر النائية، التي يستغلها المسلحون كملجأ آمن وموقع شن هجمات عبر الحدود.
وتعني قدرة مقاتلي الجماعتين على عبور هذه الحدود المسامية بسرعة وسرية، أنه يمكن إطلاق الطائرات المسيرة من دولة نيجيريا – مثلا – لاستهداف أهداف في دولة الكاميرون أو النيجر، مما يُصعّب تحديد هوية الهجمات أو تنسيق الاستجابات في الوقت المناسب بين مختلف القوى الوطنية.
ويتمثّل التحدي الأخير في صعوبة تحديد مواقع إطلاق الطائرات المسيّرة وقواعدها التشغيلية وسلاسل إمدادها. إذ على عكس العمليات العسكرية التقليدية، يُمكن للجماعتين إطلاق طائرات مسيّرة من مواقع مخفية ومؤقتة قد تكون في أعماق التجمعات السكانية المدنية أو مناطق نائية يصعب الوصول إليها.
وتتميز القواعد التشغيلية للطائرات المسيرة بسرعة تنقلها وحركتها، مما يُصعّب على أجهزة الاستخبارات تحديد مواقعها وتحييدها. كما أن تتبّع سلاسل إمداد الطائرات المسيّرة التجارية ومكوناتها معقّد للغاية، نظرًا لتوافرها الواسع واستخداماتها المدنية المشروعة بين السكان والشباب والمدنيين الآخرين، الأمر الذي يُتيح للإرهابيين تجديد ترساناتهم من الطائرات المسيّرة باستمرار في ظل صعوبة جهود منع استخدامها على المستوى الوطني.
الخاتمة
يُمثل تصاعد استخدام الطائرات المسيرة الهجومية من قِبل “بوكو حرام” و “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية غرب أفريقيا” تحوّلا على طبيعة أزمة الإرهاب في حوض بحيرة تشاد، إذ يُغير الديناميكيات التكتيكية جذريًا ويُشكل تهديدًا مُتصاعدًا، وذلك لاستغلال الجماعتين الثغرات الحرجة في الدفاعات التقليدية للقوات الأمنية الوطنية، مما يسمح للطائرات المسيرة بتجاوز إجراءات الأمن البري التقليدية.
واعتمادا على سهولة الوصول إلى تكنولوجيا الطائرات المسيرة التجارية وإمكانية زيادة الدعم الخارجي من جماعات إرهابية أخرى؛ فإن المتوقع من الجماعتين الإرهابيتين زيادة دمج الطائرات المسيرة في استراتيجياتهما العملياتية المستقبلية، مما سيُفاقم وتيرة الهجمات وشدتها المميتة -إذا لم تُبادر الجيوش الوطنية والإقليمية إلى تبني تدابير مضادة فعّالة -.
وعليه، تحتاج حكومات دول بحيرة تشاد والهيئات الإقليمية، مثل “قوة العمل المشتركة المتعددة الجنسيات”، والشركاء الآخرين، إعطاء الأولوية للاستثمار في تقنيات شاملة لمكافحة الطائرات المسيرة، بما في ذلك أجهزة التشويش وأنظمة الدفاع الجوي، مع تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعطيل سلاسل التوريد، وتدريب الأفراد على التكيف مع هذا الشكل المُتطور من الحرب.
_______________
الهوامش والإحالات
[1] – Franck Foute (2025). “Boko Haram in Cameroon: the new danger of suicide drones.” Jeune Afrique, https://shorturl.at/TK6km (اطلع عليه في 23 يونيو 2025)
[2] – حكيم نجم الدين. “تفجير زفاف وجنازة.. ما وراء تصعيد “بوكو حرام” الأخير”. شبكة الجزيرة, https://shorturl.at/F0Jzo (اطلع عليه في 23 يونيو 2025)
[3] Xinhua (2018). “Nigeria says Boko Haram now uses drones, mercenaries against military.” Retrieved from https://shorturl.at/gpIRy (اطلع عليه في 23 يونيو 2025)
[4] – Aliyu Dahiru (2022). “How Drones Are Changing The Face Of Terrorism In Africa.” HumAngle, retrieved from https://shorturl.at/baBC6 (اطلع عليه في 23 يونيو 2025)
[5] – Malik Samuel (2023). “ISWAP’s use of tech could prolong Lake Chad Basin violence.” ISS Africa, retrieved from https://shorturl.at/F9dra (اطلع عليه في 23 يونيو 2025)
[6] – Taiwo Adebayo (2025). “Lake Chad Basin insurgents raise the stakes with weaponised drones.” ISS Africa, retrieved from https://rb.gy/n31caa (اطلع عليه في 24 يونيو 2025)
[7] – Tarkaa David (2024). “PICTORIAL: Troops Foil Boko Haram, ISWAP Drone Attack In Yobe.” Leadership Newspaper, retrieved from https://tinyurl.com/4p4km966 (اطلع عليه في 24 يونيو 2025)
[8] – Zagazola (2024). “A Dangerous Dimension as ISWAP now deploy armed drones in attacks.” Retrieved from https://tinyurl.com/mr3bp94y (اطلع عليه في 24 يونيو 2025)
[9] – “Woulgo Attack: Boko Haram Kills Elite Cameroonian Soldiers with Kamikaze Drones.” Cameroon Concord, retrieved from https://tinyurl.com/2td4v75d (اطلع عليه في 24 يونيو 2025)
[10] – المصدر سابق:
Franck Foute (2025). “Boko Haram in Cameroon: the new danger of suicide drones.” Jeune Afrique.





