السياسات العامةالنزاعات الداخلية والإقليمية

زيارة البرهان للسعودية وسلطنة عُمان .. قراءة في الأبعاد الاستراتيجية والأمنية

زيارة البرهان للسعودية وسلطنة عُمان .. قراءة في الأبعاد الاستراتيجية والأمنية

في العشرين من أبريل عام 2026، حل رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ضيفاً على جدة السعودية في زيارةٍ وصفتها المصادر الرسمية بأنها تأتي في إطار “التشاور المستمر” بين البلدين الشقيقين. وبعد لقائه بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، انتقل البرهان مباشرة إلى العاصمة العُمانية مسقط في زيارة هي الأولى من نوعها للرئيس السوداني عبد الفتاح البرهان، ليعقد مباحثات مع السلطان هيثم بن طارق. ورغم التكتم الدبلوماسي الذي يكتنف تفاصيل هذه اللقاءات، إلا أنها تحمل في طياتها أبعاداً استراتيجية عميقة تتجاوز بكثير مجرد التنسيق السياسي الروتيني.

ويبدو أن هذه الزيارة للفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى المملكة العربية السعودية ثم سلطنة عُمان لم تكن مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل جاءت كإعلان ضمني عن انخراط الخرطوم في صفقة إقليمية كبرى، تهدف إلى تثبيت المكاسب الميدانية وترجمتها سياسيًا، وسط مشهد داخلي تعاد فيه ترتيبات الحكم والتحالفات.

السياق الميداني: تحولات ميزان القوى

لم تأت هذه الجولة الاستباقية من فراغ، بل جاءت مدفوعة بتحولات ميدانية وسياسية جذرية داخل السودان. فوفقاً لتحليلات أواخر عام 2025، تمكن الجيش السوداني من قلب موازين الحرب رأساً على عقب، حيث نجح في استعادة الكثير من الأراضي ورفع الحصار عن عدد من المدن واستعادتها، محققاً تفوقاً ملموساً على الأرض. هذه الانتصارات العسكرية لم تكن مجرد مناورات تكتيكية، بل أنتجت واقعاً ميدانياً جديداً أعاد تعريف معادلة القوة لصالح المؤسسة العسكرية التقليدية، مما مهّد الطريق لترجمة هذه المكاسب إلى أوراق سياسية في المحافل الإقليمية.

التقدم الذي تحققه القوات المسلحة في محوري كردفان والنيل الأزرق في سياق حرب ممتدة، واستعادة الأرض لا تعني فقط كسب معارك تكتيكية، بل تعني عمليًا انتقال الثقل من الدفاع إلى إعادة تعريف شروط الفعل السياسي والعسكري. هذا التحول الميداني، الذي تعزز باستسلام قيادات بارزة من قوات الدعم السريع مثل النور القبة ، يمنح المؤسسة العسكرية قدرة أكبر على صياغة ما بعد الحرب وفق شروطها.

ووفقًا لتحليلات صادرة عن معهد الدراسات الاستراتيجية (IISS) في فبراير 2026، فإن الجيش السوداني استطاع قطع خطوط الإمداد عن الدعم السريع القادمة من تشاد وليبيا، مما أدى إلى انهيار معنويات وحداتها المقاتلة في غرب دارفور. هذا الواقع يترجم مباشرة إلى أوراق ضغط على طاولة المفاوضات، حيث بات الحديث عن “حسم عسكري” وارداً، وإن كان غير مرجح بالكامل.

في موازاة ذلك، تصاعدت وتيرة الانهيارات داخل قوات الدعم السريع، لا سيما بعد استنزاف عناصرها الأصلية واتجاه قادتها إلى الاعتماد المتزايد على مرتزقة من الخارج، في ظل استمرار تدفق السلاح من جهات إقليمية لدعمهم. هذا الواقع دفع قيادات ميدانية إلى تسليم نفسها، مما زاد من عزلة قائد الدعم السريع وأضعف موقفه التفاوضي.

السعودية.. من وسيط إلى مهندس تسوية

عندما جلس البرهان إلى طاولة المباحثات مع الأمير محمد بن سلمان، لم يكن المشهد مجرد لقاء روتيني، بل كان إعلاناً عن انتقال السعودية من دور الوسيط التقليدي إلى “مهندس التسوية”. فالمملكة التي استضافت منبر جدة، تدرك تماماً أن استقرار السودان لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة قصوى لحماية أمن البحر الأحمر وممرات الطاقة. لذلك، حملت الزيارة توقيع تحول نوعي في الموقف السعودي، حيث باتت الرياض تشترط أي دعم اقتصادي أو استثماري لإعادة الإعمار بإنهاء الحرب ووقف إطلاق نار شامل وفق رؤية الحكومة السودانية.

هذا النهج الجديد هو نتاج تراكم ضغوط إقليمية ودولية، لا سيما بعد الهجمات الإيرانية الأخيرة على منشآت الطاقة السعودية، والتي أكدت للرياض أن الحرب في السودان تخلق ثغرة أمنية خطيرة في ظهر الخليج. من هنا، لم تعد الرياض ترى في البرهان مجرد قائد عسكري يبحث عن دعم، بل شريكاً محورياً في مشروع إقليمي أوسع لمواجهة تمدد النفوذ الإيراني، حيث وقف السودان إلى جانب الخليج وأدان الاعتداءات الإيرانية. في هذا السياق، أصبحت زيارة البرهان فرصة لترسيخ تحالف استراتيجي قائم على تبادل الأدوار: دعم خليجي للجيش السوداني في مواجهة جماعات مسلحة، في مقابل مشاركة سودانية فاعلة في حماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

عمان.. القناة الخلفية لاختراق الجدار

ربما كان القسم الأكثر إثارة للاهتمام في جولة البرهان هو انتقاله المفاجئ إلى سلطنة عُمان، المحطة الأكثر دلالة. فمسقط، المعروفة بدبلوماسيتها الهادئة وعلاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف (من طهران إلى واشنطن)، تظهر كوسيط مثالي لتمرير ما عجزت عنه عواصم أخرى مثقلة بالاستقطاب، حيث تمتلك سلطنة عمان سمعة دولية كوسيط هادئ ومحايد. فمسقط، بفضل سياستها الخارجية المتزنة، كانت اللاعب الأمثل لتمرير رسائل سياسية لا يمكن الإعلان عنها علناً. واللافت في المباحثات مع السلطان هيثم هو أن الطرفين لم يكتفيا بمناقشة العلاقات الثنائية، بل امتد الحديث إلى “سبل إنهاء الصراع” و”دعم مساعي السلام عبر الحوار”.

هذه الزيارة لعمان لا يبدو أنها مجرد محاولة لوقف الحرب، بل هي أقرب إلى إدارة “مخرج سياسي” يهدف إلى تخفيف تكلفة الاستنزاف، وإعادة ترتيب العلاقة بين أطراف إقليمية منخرطة في الصراع ، وهنا يبرز السؤال المهم: لماذا يُطرح الحديث عن إنهاء الصراع عبر بوابة عُمان تحديدًا، والآن، في لحظة بدأ فيها الحديث عن تحركات سياسية ودبلوماسية متعلقة بعودة محتملة لعدد من السياسيين المعارضين وإطلاق حوار سياسي داخلي؟ الجواب يكمن في أن عُمان هي الجهة الوحيدة القادرة على تقديم “ضمانات متقاطعة” بين الخصوم الإقليميين.

إذن يشير هذا التوجه لعمان إلى أن الزيارة ربما حملت أجندة خلفية تتمثل في استكشاف إمكانية فتح قنوات تفاوض غير مباشرة مع أبوظبي، للاعتراف بدورها في الصراع، وربما السعي لإعادة دمجها في مسار الحل وفق ترتيبات جديدة تراعي السيادة السودانية. عُمان، التي تربطها علاقات تاريخية واقتصادية وثيقة بالسودان، والتي كانت دائماً بوابة نحو العمق الإفريقي، أصبحت اليوم المنصة المثالية لاختبار فرص المصالحة أو على الأقل تجميد الخلافات.

جولات البرهان .. ملاحظات وحيثيات

لا يمكن فصل جولات البرهان المختارة بعناية عن السياق الدولي الأوسع، وتحديداً عن مؤتمر برلين الذي انعقد في منتصف أبريل 2026 لدعم السودان، وقاطعته الحكومة السودانية بشدة، معتبرة إياه تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية ومحاولة لفرض وصاية دولية. هذا الموقف المتشدد من برلين، الذي جاء بالتزامن مع الانفتاح على الرياض ومسقط، يعكس استراتيجية سودانية واضحة: التوجه نحو محور إقليمي قادر على تقديم الدعم المطلوب دون شروط سياسية ثقيلة، بدلاً من الخضوع للأجندات الغربية التي تتساوى بين الحكومة والجماعات المسلحة.

في المحصلة، لا يمكن قراءة زيارة البرهان إلى الرياض ومسقط كتحرك سياسي عابر، بل كإعلان عن بداية مرحلة جديدة في تاريخ السودان والمنطقة. فالخرطوم تبحث عن تحالف إقليمي جديد قادر على تثبيت المكاسب الميدانية وترجمتها إلى واقع سياسي مستقر، في مقابل تقديم ضمانات أمنية للخليج تحمي ممرات الطاقة والملاحة البحرية. تبقى التحديات هائلة في عدد من المحاور، كما أن مليشيا الدعم السريع لم تُهزم بالكامل بعد، والانقسامات السياسية الداخلية تعقد المشهد بشكل كبير. لكن الجولة الأخيرة للبرهان تشير إلى أن مفاتيح الحل لم تعد حكراً على القوى الغربية أو الأمم المتحدة، بل أصبحت في أيدي أطراف إقليمية تمتلك القدرة والإرادة لفرض واقع جديد على الأرض. ومع بدء مفاوضات معقدة في الغرف المغلقة وقنوات خلفية غير مرئية، يبدو أن السودان دخل أخيراً نفق التسوية، وإن كانت الرحلة لا تزال طويلة وشاقة.

ما بعد جولات البرهان .. السيناريوهات المتوقعة

في ضوء هذه التحركات الدبلوماسية الرئاسية للفريق عبد الفتاح البرهان، يمكن استشراف عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل هذه الجولات على مجمل الأوضاع في السودان:

السيناريو الأول: التسوية المُدارة (الأكثر ترجيحاً): في هذا السيناريو، قد تنجح الضغوط السعودية والعُمانية في دفع الأطراف نحو طاولة مفاوضات تُفضي إلى وقف إطلاق نار طويل الأجل. ستكون الرياض هي الراعي الرئيسي لهذا الاتفاق، على أن تتضمن بنوداً أمنية صارمة تمنع إعادة انتشار الجماعات المسلحة. ومع ذلك، سيكون هذا السلام هشاً، حيث سيتم تجميد الصراع بدلاً من حله جذرياً، مما يخلق حالة من “لا حرب ولا سلام” قد تستمر لسنوات.

السيناريو الثاني: الحرب الطويلة (الاحتمال قائم): في حال فشلت الجهود الدبلوماسية، وتصاعد الدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع بشكل غير مسبوق، قد ننتقل إلى مرحلة حرب استنزاف طويلة الأمد. هذا السيناريو يستند إلى فكرة أن الدعم السريع، على الرغم من خسائرها الميدانية، لا تزال تمتلك قدرة على المناورة وإعادة التنظيم، خاصة إذا ما تلقت دعماً لوجستياً متطوراً من جهات إقليمية. في هذه الحالة، سيتحول السودان إلى ساحة لصراعات بالوكالة، مما سيدمر أي فرصة لإعادة الإعمار في المستقبل المنظور.

السيناريو الثالث: الانهيار والفوضى (الاحتمال الأضعف، لكنه الأخطر): إذا استمرت الجماعات المسلحة في التمترس في مناطقها ورفضت أي تسوية، ومع استمرار مقاطعة الحكومة للمبادرات الدولية التي تراها منحازة، فقد يؤدي ذلك إلى انهيار الدولة بالكامل وتقسيمها فعلياً إلى كيانات متناحرة. هذا السيناريو سيفتح الباب أمام تنظيمات إرهابية وجماعات إجرامية لملء الفراغ، مما سيخلق تهديداً وجودياً مباشراً لأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي بأكمله.

مراجع

1-  شقلاوي، إبراهيم. “عُمان وصفقة السودان الجديدة”. منصة المحقق (العدد 87)، 15 أبريل 2026.

2-  المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS). “توازن القوى العسكري في السودان: الربع الأول من 2026”. لندن، تقرير رقم 2026-04، مارس 2026.

3- منصة “وجه الحقيقة” التحليلية. “السودان بين ثلاث دوائر: قراءة في الانتقال الجديد”. ملف خاص، الخرطوم / إسطنبول، العدد 22، أبريل 2026.

كاتب

  • محمد خليفة صديق

    محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

محمد خليفة صديق

محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى