التحول في الموقف السعودي من مليشيا الدعم السريع.. التداعيات والسيناريوهات
أصدرت وزارة الخارجية السعودية في 7 فبراير 2026 بيانًا شديد اللهجة أدانت فيه ـ«الهجمات الإجرامية» التي نفذتها مليشيا الدعم السريع ضد مستشفى الكويك العسكري في جنوب كردفان، وقافلة برنامج الغذاء العالمي في شمال كردفان، وحافلة تقل نازحين مدنيين، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى من المدنيين بينهم نساء وأطفال. وأكدت المملكة أن هذه الأفعال تمثل انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني، وطالبت بوقفها الفوري، مع التشديد على الالتزام بما ورد في إعلان جدة لحماية المدنيين الموقع في 11 مايو 2023.
والبيان لم يقتصر على الإدانة الإنسانية؛ بل تضمن فقرة مفصلية رفضت فيها المملكة «التدخلات الخارجية» وإدخال «السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب» إلى السودان، معتبرة أن ذلك يطيل أمد الصراع ويضاعف معاناة الشعب السوداني. وهذه الصياغة المحسوبة الكلمات، وإن لم تُسمِّ طرفًا بعينه، حملت دلالات سياسية واضحة تتجاوز الإدانة الأخلاقية إلى مستوى الرسائل الاستراتيجية، وجاء البيان في سياق تصاعد ميداني خطير في إقليم كردفان، وتفاقم الكارثة الإنسانية ، كما تزامن مع تحركات سعودية–أمريكية مكثفة بشأن مستقبل مليشيا الدعم السريع، وسط تقارير عن ضغوط سعودية لتصنيفه كمنظمة إرهابية.
البيان السعودي.. قراءة في التحول
يمثل البيان السعودي تحولًا نوعيًا في مقاربة الرياض في التعامل مع الأزمة السودانية وتداعيات الحرب الحالية، ويمكن تفكيك دلالاته في ثلاثة مستويات:
- مستوى التوصيف السياسي:
استخدمت السعودية مصطلح «قوات الدعم السريع» بالاسم، ووصفت هجماتها بـ«الإجرامية»، في انتقال من لغة الحياد بين «طرفي النزاع» إلى تسمية جهة بعينها وتحميلها المسؤولية. وهذا يحمل ضمنًا سحب أي شرعية سياسية عن المليشيا، وتكريسها كفاعل خارج إطار الدولة.
- مستوى الرسالة الإقليمية:
الإشارة إلى «إدخال السلاح والمرتزقة» تمثل، في سياق الخطاب الخليجي، اتهامًا مباشرًا وإن غير مُسمّى لجهة إقليمية يُنظر إليها باعتبارها داعمًا رئيسيًا للدعم السريع، وهي دولة الامارات العربية المتحدة. وبهذا يكون البيان قد كسر، للمرة الأولى، مستوى من التحفظ الدبلوماسي الذي حكم العلاقة الخليجية في الملف السوداني منذ اندلاع الحرب.
- مستوى تعريف الصراع:
أخطر ما في البيان أنه أعاد تعريف الحرب في السودان بوصفها مسألة أمن إقليمي، لا مجرد نزاع داخلي. فالسعودية شددت على رفض التدخلات التي تمس استقرار الإقليم، وربطت استمرار الحرب بتهديدات أوسع تشمل البحر الأحمر والممرات التجارية، وبهذا المعنى، لا يُقرأ البيان بوصفه رد فعل ظرفي على هجمات بعينها، بل باعتباره إعلانًا عن إعادة تموضع استراتيجي.
والتحول السعودي لا يمكن فصله عن البيئة الدولية، خاصة الموقف الأمريكي. فقد كشفت تقارير إعلامية عن اتصال مباشر بين ولي العهد السعودي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نوفمبر 2025، في سياق مناقشة تصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية. كما صرّح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن واشنطن «تعرف الجهات التي تزود مليشيا الدعم السريع بالسلاح»، دون أن يسمّيها.
وهنا وجدت الإدارة الأمريكية نفسها في معادلة معقدة: فهي تعتمد على تعاون أمني مع الإمارات في القرن الإفريقي، لكنها في الوقت ذاته تواجه ضغوطًا إنسانية وسياسية لوقف النزيف السوداني. ومن هنا فضّلت واشنطن حتى الآن سياسة «الضغط الهادئ» بدلًا من المواجهة العلنية.
في المقابل، يبدو أن الرياض باتت ترى أن الدبلوماسية الصامتة لم تعد كافية، وأن استمرار الغموض يفاقم المخاطر. لذلك استثمرت ثقلها السياسي والاقتصادي في واشنطن للضغط باتجاه موقف أكثر صرامة، انطلاقًا من اعتبار السودان جزءًا من منظومة الأمن القومي السعودي.
الموقف السعودي والخوف من تكرار نموذج اليمن
يرتبط الموقف السعودي الجديد تجاه مليشيا الدعم السريع وداعمتها دولة الامارات العربية المتحدة، والتعامل مع الدولة السودانية، بجملة اعتبارات استراتيجية، يمكن تلخيصها في الآتي:
أولا: أمن البحر الأحمر:
معلوم أنه يمر عبر البحر الأحمر نحو 12% من التجارة العالمية، وهو شريان رئيسي لصادرات الطاقة الخليجية عامة والسعودية خاصة، وأي اختلال أمني في السودان، خاصة في مناطقه الساحلية، يمكن أن يمثل تهديدًا مباشرًا للملاحة الدولية ولأمن الطاقة السعودي والخليجي والعالمي.
ثانيا: منع تكرار نموذج اليمن:
تشير القراءة السعودية إلى أن الصمت على مسارات موازية في جنوب اليمن، وترك الحرب على الغارب للإمارات أطال أمد الحرب وخلق واقعًا انفصاليًا معقدًا. وتبدو الرياض اليوم حريصة على عدم تكرار السيناريو ذاته في السودان، حيث يمكن أن يؤدي دعم المليشيات إلى تكريس أمر واقع يصعب احتواؤه لاحقًا.
ثالثا: رؤية 2030 والاستقرار الإقليمي:
التحول الاقتصادي السعودي الطموح يتطلب بيئة إقليمية مستقرة، وقد تهدد الفوضى الممتدة في السودان الدولة المحورية في القرن الإفريقي، هذه البيئة وتنعكس على مشاريع البحر الأحمر والتنمية الساحلية، والحضور السعودي في الداخل السوداني والإفريقي عامة.
رابعا: التنافس الإقليمي على النفوذ:
لا تخفي الإمارات سعيها لبناء شبكة نفوذ ممتدة من القرن الإفريقي إلى ليبيا. وفي هذا السياق، يُنظر إلى السودان بوصفه حلقة مركزية. من هنا تتقاطع المصالح السعودية–الإماراتية، وربما تتعارض، حول طبيعة النفوذ وحدوده.
خامسًا: أدوات المواجهة السعودية المحتملة
يشير مسار الأحداث إلى أن البيان السعودي القوي ليس نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة جديدة قد تتضمن أدوات متعددة، تحتوي التصعيد الدبلوماسي عبر طرح الملف ربما في محافل ظلت تغض الطرف عن الدخول في التورط الإماراتي في الملف السوداني مثل جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، والسعي إلى موقف عربي موحد ضد التدخلات الخارجية في السودان، بجانب ممارسة المزيد من الضغط الدولي، والاستمرار في الدفع نحو تصنيف مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية، بما يترتب عليه من تبعات قانونية وسياسية على داعميها.
وقد تتجه السعودية كذلك إلى دفق المزيد من الدعم الاقتصادي والسياسي للجيش السوداني، عبر تعزيز الحضور في بورتسودان ودعم مؤسسات الدولة في العاصمة الخرطوم والولايات الآمنة والولايات التي تحررت من قبضة المليشيا، بما يكرس خيار «الدولة مقابل المليشيا».
كما يبدو أن السعودية تسعى بجدية لإعادة تفعيل مسار جدة، باعتباره الإطار الذي وضع مبدأ حماية المدنيين ونزع سلاح المليشيات في قلب العملية السياسية.
السيناريوهات المتوقعة
تشير مجمل المعطيات الماثلة إلى أن السعودية انتقلت من سياسة «الحياد الإيجابي» إلى سياسة «المكاشفة المشروطة». فهي لم تعلن قطيعة، لكنها وضعت خطوطًا حمراء واضحة: حماية المدنيين، رفض شرعنة المليشيات، ومنع التدخلات التي تهدد أمن البحر الأحمر، والوقوف ضد تفكيك الدولة السودانية.
ويعكس هذا التحول قراءة سعودية مفادها أن تكلفة الصمت باتت أعلى من تكلفة المواجهة، وأن ترك السودان ساحة مفتوحة للفوضى يقوّض توازنات إقليمية دقيقة. كما يعكس رغبة في إعادة تعريف معادلة النفوذ في القرن الإفريقي، بحيث تكون الدولة الوطنية هي الإطار الشرعي الوحيد.
ومحصلة ذلك أن البيان السعودي ليس مجرد موقف أخلاقي، بل هو خطوة في مسار استراتيجي أوسع لإعادة ضبط قواعد اللعبة في السودان والإقليم، والسؤال الذي سيحكم ويبرز خلال المرحلة المقبلة هو: هل ستُفضي هذه المكاشفة إلى تسوية تعيد الاعتبار للدولة السودانية، أم إلى جولة جديدة من التنافس الإقليمي على أرض السودان؟
وأخيرا .. القراءة المتعمقة للموقف السعودي الذي ظهر جليا بعد بيان الخارجية السعودية غير التقليدي ينبىء أن الأمور تتجه نحو واحد أو أكثر من السيناريوهات التالية :
سيناريو التراجع الإماراتي التكتيكي:
تحت ضغط سعودي–أمريكي، قد تعمد أبوظبي إلى خفض دعمها العلني للدعم السريع، مع البحث عن تسوية تحفظ مصالحها الاقتصادية دون صدام مباشر.
سيناريو المواجهة الباردة:
بأن يستمر التنافس بين البلدين دون قطيعة، مع تبادل رسائل سياسية وضغوط غير مباشرة، ما يخلق توترًا خليجيًا غير مسبوق لكنه مضبوط الإيقاع، وتحت السيطرة.
سيناريو التصعيد المفتوح:
في حال مضت واشنطن نحو تصنيف مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية، قد تجد الإمارات نفسها أمام معادلة صعبة، مما سيفاقم الخلاف الخليجي، ويعيد رسم خرائط التحالفات.
سيناريو التسوية الإقليمية الشاملة:
وهو الأقل احتمالًا على المدى القريب، ويتطلب توافقًا سعوديًا–إماراتيًا–أمريكيًا على صيغة تُنهي دعم المليشيات مقابل ضمانات لمصالح الأطراف.
مراجع
رشان اوشي، البيان السعودي.. السودان في ميزان الاقليم، البديل برس، 8 فبراير 2026، الرابط: https://www.albadeelpress.com/opinion-columns/details/16965
قلق إقليمي من الدعم السريع.. ما دلالات موقفي السعودية ومصر من السودان؟، قناة العربي، الدوحة، 7 فبراير 2026، الرابط: https://shorturl.at/PpxNl
شعيب زيد، من الحياد إلى المواجهة: السعودية تدخل مرحلة الصدام المفتوح مع الإمارات على السودان، الجزائر الآن، 8 فبراير 2026، الرابط: https://algeriemaintenant.




