تقدير موقف

استراتيجية ترامب في إفريقيا.. هل دخل السودان دائرة الاهتمام؟

استراتيجية ترامب في إفريقيا.. هل دخل السودان دائرة الاهتمام؟

منذ وصول الرئيس دونالد ترمب إلى موقعه في البيت الأبيض رئيسا للولايات المتحدة للمرة الثانية، رجحت تحليلات أن يكون السودان خارج أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، باعتباره بلدا افريقيا موبوءا بالحروب ويبدو بعيدا عن دائرة الاهتمام الأمريكي المشغول بالدول الكبيرة وضعا واقتصادا، كما استند هذا التصور إلى تجربة ترمب في ولايته الأولى، التي اتسمت بتجاهل واضح لافريقيا، ونظرة سلبية بوصفها عبئا ثقيلا على السياسة الأمريكية الخارجية، بل كرر ترمب -بغطرسته المعهودة- أوصافه غير اللائقة تجاه افريقيا ودولها.

غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، لم تكن كافية لتحديد موقع السودان في سياسة ترامب الخارجية في عهدته الثانية، إذ سرعان ما عاد السودان إلى دائرة الاهتمام الأمريكي، وظهر ذلك جليا في “المبادرة الرباعية” بشأن الحرب في السودان، ثم في الدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية ولقاء ترامب بن سلمان في هذا السياق، إضافة إلى المقال اللافت الذي كتبه الفريق أول عبد الفتاح البرهان في صحيفة وول ستريت جورنال، موجها رسائل سياسية واقتصادية مباشرة إلى صانع القرار الأمريكي.

سياسة ترامب الإفريقية .. السياق التحولات

أحد أبرز التحولات في سياسة ترامب تجاه إفريقيا تمثّل في قرار تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، وهو ما أدى إلى تعطيل شحنات غذائية وطبية كانت متجهة إلى السودان والكونغو الديمقراطية، حيث شددت الإدارة الأمريكية على أن المساعدات لم تعد محور السياسة الأميركية، مفضلة شعار “التجارة لا المساعدات”، وفسر البعض تخفيض وتحجيم المساعدات الخارجية عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بأنه انسحاب أمريكي من القارة الافريقية.

تبين أن السودان لم يكن غائبا عن الحسابات الأمريكية، وإنما ظل حاضرا في العقل الاستراتيجي الأمريكي ضمن رؤى متباينة نحو افريقيا، لكن في ولاية ترمب الثانية بات أكثر وضوحا في الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي التي خصصت حيزا معتبرا للقارة الأفريقية، بوصفها ساحة مركزية في التنافس الدولي، على ضوء التحولات الجديدة التي تركز بالاساس على التنافس الاقتصادي وتحديدا ما يعرف بـ”دبلوماسية الصفقات التجارية” كأولوية على القيم التي كانت مطروحة على الأقل في الخطاب الامريكي مثل الاستجابة الإنسانية للأزمات، والديموقراطية التي يتحمس لنشرها عادة الحزب الديموقراطي، حيث ركزت استراتيجية ترمب الأمنية على مسألة مصالح بلاده في العالم، وبرغم الخطاب السياسي الذي ركز على “تقليص الأعباء الخارجية”، فإن اطروحة ترمب لافريقيا لم تكن انعزالية، واستمرت براغماتية وتنافسية للنفوذ الصيني في القارة الافريقية، وعلى صدارة أولوياتها الخارجية تأمين المعادن الحيوية الضرورية للاقتصاد الأمريكي، وبالطبع تقليل الاعتماد على سلاسل إمداد تسيطر عليها الصين أو دول غير متعاونة مع الولايات المتحدة في افريقيا.

السودان وأمريكا .. أبحث عن المعادن

باتت السيطرة على المعادن الحيوية قضية أمن قومي أمريكي من الدرجة الأولى، بأعتبارها مجالا اقتصادي وسياسي في آن، لذلك تصنف الولايات المتحدة مجموعة من المعادن بوصفها حيوية لأنها تدخل في الصناعات العسكرية، وتستخدم في الطاقة المتجددة، وتعد أساسية في التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، ومن أبرز هذه المعادن (الكروم، المنغنيز، النحاس).

وفق تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)، يمتلك السودان احتياطيات مؤكدة من الكروم (معدن استراتيجي لصناعة الفولاذ العسكري)، إلى جانب وجود خامات منغنيز ونحاس ذات إمكانات مستقبلية، ومعادن صناعية داعمة تدخل في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، لكن التقرير نفسه يشير إلى أن معظم هذه المعادن غير مستغلة صناعيا، وأن التركيز السوداني ظل منحازا للذهب، اضافة لغياب استراتيجية وطنية للمعادن غير الذهبية، وهو ما ما يجعل السودان في المنظور الأمريكي  الحالي فرصة جيواقتصادية أكثر منه شريكا تقليديا مثل دول الخليج النفطية.

لكن الأهم في هذا الأمر هو المسألة التجارية التي يملك فيها السودان ثلاث ميزات هي موارد معدنية حيوية غير مستغلة صينيا بالكامل، موقع جغرافي يربط أفريقيا والبحر الأحمر والشرق الأوسط، وهو كذلك دولة تكافح للخروج من عزلة غربية، والانخراط في النظام المالي العالمي، ما يجعل شروط الشراكة قابلة لإعادة التفاوض من الصفر، وكل ذلك ينسجم مع اطروحة ترمب لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي بشكل عام وافريقيا بشكل خاص.

وقد طرح رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في مقاله الأخير في وول ستريت جورنال في نوفمبر الماضي، فكرة شراكة اقتصادية مع الولايات المتحدة، ركز فيها على إعادة الإعمار والاستثمار، والانفتاح على الغرب، وخصص خطابه بالأساس إلى صانع القرار الأمريكي، وضمنيا قدم عرضا لموارد السودان الاستراتيجية دون تسميتها صراحة بالمعادن الحيوية والموقع الجغرافي والعمق الأفريقي، لكن المقال يفهم وكأنه “رسالة استعداد” للاندماج في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لافريقيا.

تظهر الاستراتيجية الامريكية للأمن والتوجهات الاقتصادية العالمية تظهر أن السودان لا يمكن تجاهله في لعبة المعادن الحيوية الأفريقية، لكنه بحاجة إلى استراتيجيات وطنية قوية تضمن تطوير الصناعة المحلية، والقدرة على حماية مصالح طويلة المدى، ومفاوضات متوازنة مع الشركاء الدوليين، وهذا المسار محاط بالكثير من المخاطر مثل أن تتحول الشراكة إلى مجرد استخراج خامات، وستتحول إلى تجارة تصدير خامات فقط، وهي بالطبع ضعيفة في القيمة المضافة، والأخطر كونها تكرس تبعية اقتصادية يصعب الفكاك منها في المستقبل.

ومهما بلغت جاذبية شراكة “المعادن الحيوية”، تظل العقبات قائمة في ظل غياب استراتيجية وطنية واضحة للتنمية في السودان، وهي غيبة لا تتعلق فقط بتعثر التخطيط الاقتصادي، وإنما بغياب تصور شامل لطبيعة الدولة نفسها، ودورها في إدارة الموارد وتوزيع عوائدها، بجانب غياب التوافق الوطني حول أولويات التنمية، ما يجعل أي شراكة خارجية خصوصا في الموارد الحيوية مرشحة لإعادة إنتاج النزاعات بدل إخمادها، وتكريس شبكات مصالح ضيقة، وتعميق الشعور بالتهميش الجهوي والاجتماعي، وبدون إطار وطني متفق عليه لإدارة الموارد المعدنية، وسياسات تربط الاستخراج بالتصنيع المحلي والقيمة المضافة، ستظل مثل هذه الشراكات أقرب إلى صفقات قصيرة الأجل، تخدم أهداف الاستراتيجيات الخارجية، لكنها لا تؤسس لتنمية مستدامة.

الحالة السودانية والمعادن الحيوية

يبدو تحوّل عام 2025 إلى محطة مفصلية في العلاقات الأميركية الأفريقية، فبين الضربات العسكرية، والقيود على الهجرة، والتحولات الاقتصادية، بدا أن ترامب يسعى إلى صياغة علاقة جديدة مع إفريقيا، قائمة على الأمن والتجارة أكثر من المساعدات، لكن نجاحه في ذلك سيظل رهنا بقدرته على معالجة ملفات معقدة، من النزاعات في الكونغو والسودان إلى التحديات البنيوية التي تعيق التصنيع الأفريقي، إضافة إلى متابعة اتفاق السلام بين الكونغو ورواندا الذي مثّل بارقة أمل في شرق أفريقيا.

وفي هذا السياق، تبدو مقاربة “المعادن الحيوية” محفوفة بمخاطر مضاعفة في الحالة السودانية. فالسودان اليوم لا يفتقر فقط إلى استراتيجية وطنية للمعادن غير الذهبية، بل يفتقر إلى دولة موحّدة قادرة على احتكار القرار السيادي، وإدارة الموارد خارج منطق الحرب والتحالفات المسلحة. وهذا ما يجعل أي شراكة خارجية، مهما كانت جاذبيتها الاقتصادية، مرشحة لأن تُدار عبر شبكات مصالح ضيقة، أو أن تتحول إلى رافعة جديدة لاقتصاد الصراع.

كما أن الرهان على إعادة إدماج السودان في النظام الاقتصادي العالمي عبر بوابة الموارد، يتجاهل جزئيًا حقيقة أن واشنطن نفسها تتعامل مع السودان من خلال حلفاء إقليميين متناقضين في المواقف والأجندات. فالتباين بين مصر والإمارات والسعودية في مقاربة الحرب، وحدود قدرة الولايات المتحدة على توحيد هذا المعسكر، يفرغ أي رؤية اقتصادية من مضمونها السياسي، ويجعل “الشراكة” رهينة لتوازنات إقليمية غير مستقرة.

من زاوية أخرى، فإن تحويل السودان إلى عقدة في سلاسل الإمداد الأمريكية للمعادن الحيوية، دون ربط ذلك بمشروع تنموي متكامل يشمل التصنيع المحلي، وبناء المؤسسات، وإعادة هيكلة الاقتصاد، سيعيد إنتاج النموذج الأفريقي التقليدي القائم على استخراج الخام وتصديره. وهو نموذج أثبت تاريخيًا أنه يولّد التبعية أكثر مما ينتج التنمية، ويغذي الصراعات بدل أن يطفئها.

أهمية السودان في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها مكسبًا بحد ذاته، بل كنافذة اختبار: إما أن تُستثمر لإطلاق مشروع وطني يعيد تعريف علاقة السودان بالعالم على أساس القيمة المضافة والسيادة الاقتصادية، أو أن تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة استنزاف الموارد تحت عناوين الأمن القومي والمنافسة الدولية.

خاتمة

من الواضح أن أزمة الحرب في السودان في جانب منها، هي اختبار لقدرة الولايات المتحدة على صياغة دور جديد في إفريقيا، في ظل تناقص فاعلية القوة الأمريكية وصعود قوى إقليمية تمتلك إرادة مستقلة؛ فالفشل الأمريكي في التعامل مع السودان قد يفتح الباب أمام مزيد من التمدد الصيني–الروسي، الأمر الذي يتعارض مع مصالح واشنطن في الأمن البحري والموارد الطبيعية والممرات الاستراتيجية. ولذلك، فإن نجاح السياسة الأمريكية يتوقف على قدرتها على تطوير مقاربة تتجاوز ردود الفعل، وتستند إلى فهم أكثر عمقاً لتوازنات الداخل السوداني وديناميات الإقليم.

إجمالاً، يبدو أن مستقبل الدور الأمريكي في السودان سيكون مرهوناً بمدى قدرة واشنطن على التعامل مع أربعة تحديات ماثلة في السودان، هي : ضبط تدفق السلاح، تجفيف اقتصاد الحرب، إدارة التحالفات الإقليمية بصورة رشيدة، وبناء مسار سياسي. فإذا استطاعت الإدارة الأمريكية أن تحقق التوازن المطلوب بين هذه العناصر، فإن ذلك ربما يساعدها في استعادة حضورها في البحر الأحمر وشرق أفريقيا.

لكن في حال فشل المقاربة الأمريكية وعدم قدرتها على استيعاب التحولات الكبرى، فسيظل السودان ساحة مفتوحة للتنافس الدولي والاقليمي، وربما تتحول الحرب إلى صراع ممتد يعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة، وفي نهاية الأمر تظل الحقيقة الماثلة هي أن السودان، بما يحمله من موقع ورهانات وموارد بشرية وجغرافية، ليس اختباراً لاتجاه السياسة الأمريكية فحسب، بل نقطة قياس لتحولات النظام الدولي نفسه في اللحظة الراهنة.

مراجع

  • أماني الطويل، ترامب والسودان: حدود الدبلوماسية الشخصية في مواجهة حرب معقدة، مركز الأهرام للبحوث والدراسات، 7/12/2025، الرابط: https://acpss.ahram.org.eg/News/21585.aspx
  • خالد سعد، السودان في استراتيجية ترمب لافريقيا، 21/12/2025، جبراكة نيوز، الرابط:https://shorturl.at/KE0bA
  • محمد أحمد شبشة، السودان بين جاذبية الموارد ومأزق الجغرافيا السياسي، 22 ديسمبر 2025، الرابط: https://www.facebook.com/mohmdahmdshabasha
  • مهدي الزغديدي، أفريقيا في أجندة ترامب في 2025: الأمن أولا، الجزيرة نت،23/12/2025 ، الرابط: https://shorturl.at/8Czoz

كاتب

  • محمد خليفة صديق

    محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

محمد خليفة صديق

محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى