تقدير موقف

صفقة السلاح الباكستاني للجيش السوداني .. الحقيقة والآثار

صفقة السلاح الباكستاني للجيش السوداني .. الحقيقة والآثار

قال مسؤول سابق كبير في القوات الجوية الباكستانية إن باكستان في المراحل النهاية لإبرام صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار لتزويد السودان بأسلحة وطائرات، تتضمن 10 طائرات هجومية خفيفة من طراز كاراكورام-8 وأكثر من مئتي طائرة مسيرة للاستطلاع والهجوم، وأنظمة دفاع جوي متطورة، وطائرات تدريب من طراز “سوبر مشاق”، وربما بعض المقاتلات من طراز جيه.إف-17 التي جرى تطويرها بالتعاون مع الصين وتنتج في باكستان .

وهذا الدعم الذي سيقدمه جيش باكستان للجيش السوداني- إن صح- يمكن أن يساعد جيش السودان على استعادة التفوق الجوي الذي حظي به في بداية الحرب مع مليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات، والتي زادت من استخدام الطائرات المسيرة للاضرار بمزيد من المناطق، حيث تشير التقديرات إلى أن هذا الدعم، ولا سيما في ما يتعلق بالطائرات المسيّرة والمقاتلات، قد يمكّن الجيش السوداني من استعادة التفوق الجوي النسبي الذي امتلكه في المراحل الأولى من الحرب، في مواجهة تصاعد استخدام الدعم السريع للطائرات المسيّرة وسيطرتها على مناطق إضافية، وهو ما قد يفضي إلى تعديل موازين القوة الميدانية القائمة.

الصفقة الباكستانية السودانية.. التفاصيل والمحتوى

تشير تفاصيل الصفقة إلى تنوع لافت في مكوناتها، بما يمنح الجيش السوداني قدرات شاملة تغطي الجو والبر والدفاع الجوي، حيث تحتوي على 10 طائرات تدريب/هجوم خفيف من طراز “كي-8 كراكوروم (K-8 Karakorum)، إضافة إلى منظومة واسعة من الطائرات المسيرة تضم 20 مسيرة قتالية من نوع “شهبار-2” (Shahpar-2)، و150 مسيرة استطلاعية “ييها” (YIHA-III)، و50 مسيرة “أبابيل” (Ababeel-5:MR-10K) مخصصة للاستطلاع الإلكتروني. كما تتضمن الصفقة محركات جديدة لطائرات “ميغ-21” (MiG-21) لتمديد عمرها التشغيلي، وكذلك 150 مركبة مدرعة من طراز “محافظ” (ASV Mohafiz) لتعزيز قدرات القوات البرية، فضلاً عن تزويد الجيش بأنظمة دفاع جوي متطورة من طراز “إتش كيو-9″ و”إتش كيو-6″، بما يعكس مسعى متكاملا لإعادة بناء التوازن العسكري في ساحة الحرب.

تتميز الصفقة بأنها تحتوي أنظمة الدفاع الجوي  HQ-6 وHQ-9، منها نظام HQ-9/P – High-to-Medium Air Defence System: وهو منظومة أرض-جو بعيدة المدى بنظام توجيه شبه نشط بالرادار (SARH)، طورتها الصين بالتعاون التقني مع روسيا، وتُعد مشتقة شبيهة بنظام S-300. دخلت حيّز الخدمة لدى الجيش الباكستاني في أكتوبر 2021، يصل مداها إلى 125 كلم بالنسبة للأهداف الجوية، و25 كلم لصواريخ كروز، وتتميز بالقدرة على تتبع عدة أهداف في وقت واحد بفضل رادارها، بجانب نظام HQ-6 (يعرف أيضًا باسم LY-60 ضمن النسخ المُصدّرة): منظومة دفاع جوي صينية ميدانية قصيرة إلى متوسطة المدى، تعتمد على صواريخ أرض-جو وصواريخ جو-جو، تم تطويرها باستخدام تقنيات صينية مستمدة من صاروخ PL-11، وتتميز بمدى يصل إلى 18 كلم، وتستخدم عادةً لتعزيز الحماية في نطاقات القتال المنخفضة، وتكمّل أنظمة المدى البعيد مثل HQ-9 ضمن هيكل متعدد الطبقات.

الصفقة.. الحقيقة والتمويل

لكن لم تتأكد المعلومات بشأن الصفقة من الجيش الباكستاني ولا وزارة الدفاع هناك، ولا المتحدث الرسمي باسم الجيش السوداني سوى ما نشرته وكالة رويترز، وكان موقع “بروباكستاني” (propakistani) هو أول موقع يعلن عن الصفقة في منتصف أغسطس 2025 ، وتبعته العديد من المواقع السودانية والحسابات السودانية المحسوبة على القوات المسلحة السودانية، وقد ترجح كثرة الأصوات الناقدة للصفقة من حلفاء إقليميين للدعم السريع إبرام الصفقة، أو محاولة قطع الطريق عليها.

وهذه الصفقة الضخمة -إن صحت- فإنها تصنع ديناميات إقليمية جديدة باعتبارها خطوة غير متوقعة وغير مألوفة سواء من باكستان أو السودان، كما أن الصفقة لا تمثل مجرد استجابة لحاجات ميدانية آنية، بل تكشف عن إصرار في أولويات القيادة السودانية للحسم العسكري لمليشيا الدعم السريع، حيث ستُمكّن القواتِ المسلحةَ السودانية عسكريًا بأسلحة وأنظمة متطورة تجعلها تحافظ على تفوقها الميداني.

لم تذكر المصادر كيفية تمويل الصفقة وقد تكون من التمويل المباشر للحكومة السودانية ومنظومة الصناعات الدفاعية المتطورة في السودان، والتي تقوم بتصنيع طائرات مسيرة محليا، لكن المسؤول السابق في القوات الجوية الباكستانية الذي سرب خبر الصفقة رجح أن يأتي التمويل من السعودية، وقال: “السعودية ربما تفضل وتدعم حصول كل الأنظمة المقربة من الخليج على عتاد عسكري وتدريب باكستاني”، وذكر مصدر آخر أن السعوديين توسطوا في الصفقة لكنه أضاف أنه لا يملك مؤشرات على أنها ستدفع مقابل تلك الأسلحة، وقال مصدر آخر إن السعودية لن توفر التمويل للصفقة، ولا تتوافر حتى الآن أدلة علنية أو وثائق رسمية تُثبت أن السعودية طرف مباشر أو تعاقدي في هذه الصفقة.

لكن تراكم المؤشرات يوحي بوجود دور سعودي غير مُعلن، يقوم على التمكين السياسي وتسهيل البيئة الإقليمية، دون الانخراط المباشر أو الظهور العلني، وهذا الدور يخدم أهداف الرياض الإقليمية دون أن يضعها في موقع تحمّل تكلفة قانونية أو دبلوماسية مباشرة، حيث تتقاطع هذه الصفقات مع هدف سعودي مركزي يتمثّل في تعزيز الجيوش النظامية بوصفها الفاعل السيادي في مواجهة القوى المسلحة الخارجة عن إطار الدولة، خاصة في السودان، كما تنسجم هذه المقاربة مع أولويات المملكة في البحر الأحمر والساحل الإفريقي، حيث يشكّل تثبيت الاستقرار ومنع تحوّل هذه الساحات إلى بؤر تهديد للأمن الإقليمي أولوية استراتيجية مستدامة.

ويعزّز هذا التقدير غياب أي اعتراض سعودي معلن أو مساعٍ لعرقلة هذه الصفقات، رغم حساسية الساحتين وخضوعهما لقيود دولية واضحة، بما يجعل الصمت السعودي دلالة قبول ضمني أكثر منه موقف حياد، لكن التحليل يقتضي التمييز بشأن السودان، حيث يبدو الهدف السعودي أكثر وضوحًا، ويتمثّل في منع انهيار الجيش بوصفه العمود الفقري للدولة، ويجري هذا التمكين عبر القبول السياسي وتسهيل البيئة الإقليمية دون تدخل مباشر.

كما يأتي توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان في سبتمبر 2025 كمؤشر يرجّح أن تكون الرياض أحد الممولين للصفقة السودانية، حيث تأتي تلك الخطوة وسط توترات إقليمية متصاعدة، ويعكس توقيت الإعلان عن الاتفاقية شكوك دول الخليج بموثوقية الولايات المتحدة. وبالرغم من أن الاتفاقية نتيجة لسنوات من الحوار وليست استجابة لأي حدث، فإنها تنص على أن أي هجوم على أيٍ من البلدين سيُعتبر هجومًا عليهما، مما يؤكد على شراكتهما الأمنية المستمرة منذ عقود.

آثار الصفقة على الحرب في السودان

من الناحية الميدانية، تمثل الصفقة نقلة نوعية في قدرات الجيش السوداني، إذ تتيح له عبر إدخال المسيّرات المتقدمة ومتعددة الاستخدامات -مثل “أبابيل-5″ و”شهبار-2”- امتلاك أداة فعّالة لتنفيذ مهام الاستطلاع والاستخبارات، وتوجيه الضربات الدقيقة في عمق مناطق سيطرة الدعم السريع، دون المخاطرة باستخدام الطائرات المأهولة في أجواء معرضة للتهديد.

أما على المستوى الاستراتيجي، فإن الصفقة تعكس توجهاً نحو سد الفجوات القتالية التي عانى منها الجيش السوداني منذ اندلاع الحرب، وتمنحه قدرة على صياغة معادلة جديدة في مواجهة مرونة الدعم السريع البرية عبر تطوير منظومة تسليحهم بأسلحة تكتيكية هجومية، تستطيع كسر تكتيكات ونمط عمليات المليشيا، أي أن تلك الصفقة ستجعل الجيش السوداني أكثر مرونة في مواجهاته، مما يفقد الدعم السريع الميزة الرئيسية التي كان تتميز بها عن الجيش.

وتمثل طائرات “كي-8 كراكوروم” -وهي إحدى ركائز الصفقة الباكستانية- نقطة تفوّق للجيش السوداني، إذ ستمنحه مرونة مضاعفة في إعداد طيارين جُددا سريعا، وهو عنصر حاسم في معركة طويلة الأمد، فضلًا عن قابليتها للاستخدام في مهام الهجوم الأرضي الخفيف ضد خطوط إمداد الدعم السريع؛ فهذه الطائرات ستفتح أمام الجيش السوداني هامش حركة أوسع، بما يسمح له بالوصول إلى مطارات استراتيجية داخل دارفور، وفي مقدمتها نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، التي تبعد نحو 900 كلم عن الخرطوم، ومدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، ومدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، أحد أهم معاقل الدعم السريع قرب الحدود التشادية، وكذلك مدينة زالنجي في وسط دارفور، إلى جانب مدينة الضعين شرق دارفور، المعقل القبلي لحميدتي.

لا تقتصر أهمية الصفقة على المجال الداخلي فحسب، إذ تتقاطع مع مسارات إقليمية متشابكة؛ فالمسافة بين الخرطوم ومطار أم جرس في تشاد نحو 1050 كلم، أي أن المطار سيكون ضمن المسافة التي ستتمكن القوات الجوية السودانية من استهدافه، حيث تستخدمه الإمارات في إمدادها بالسلاح للدعم السريع بموافقة تشادية، والأمر ذاته ينطبق على قاعدة الخادم الجوية في ليبيا بوصفهما مركزًا لوجستيًا طويل الأمد.

أما أفريقيا الوسطى فتظهر في المشهد كفاعل ثانوي متورط بشكل غير مباشر، إذ ينحدر عدد من المرتزقة المرتبطين بالدعم السريع من أراضيها، وقد استُخدمت عدد من القواعد العسكرية في الشمال الشرقي للجمهورية لتوفير إمدادات عسكرية بدعم إماراتي، بحسب ما ورد في تقارير للأمم المتحدة، وذلك ضمن شبكة إقليمية أوسع لتغذية عمليات الدعم السريع في السودان. ومع ذلك، لا يُتوقع أن تذهب بانغي إلى حد إعلان موقف سياسي رسمي داعم للمليشيا، مكتفية بدور الظل الذي ينسجم مع طبيعة هشاشتها الداخلية وارتباطها بشبكات إقليمية متشابكة، سواء مع روسيا ومجموعات فاغنر أو غيرها.

خلاصة

لا تبدو الصفقة مجرد شراء أدوات قتال بقدر ما تكشف عن اتجاه استراتيجي شامل، تتقاطع فيه مصالح السودان وباكستان والسعودية، ويمتد أثره إلى دول الجوار ويعيد صياغة معادلات القوة داخل السودان وخارجه. وإذا اكتمل تنفيذها، فقد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحرب تُعيد رسم خريطة السيطرة وربما تغير شروط التفاوض المستقبلية، بحيث يدخل الجيش في أي تسوية محتملة من موقع قوة أقوى، أو يؤجل مسار المفاوضات لصالح استمرار العمليات بهدف الحسم الكامل.

وفي المحصلة النهائية، سواء أثبتت الصفقة صحتها كاملة أو جزئية، فإن تداولها بهذا الزخم يعكس تغيرًا في لحظة الحرب السودانية، حيث تستعد القوات المسلحة لمرحلة تصعيدية وممتدة، مدعومة بقدرات تكنولوجية وجوية جديدة، فيما تواجه مليشيا الدعم السريع تحدي فقدان المبادرة التي بنتها طوال العامين الماضيين. وهي لحظة يبدو أن القوى الإقليمية كافة تراقبها بدقة، لأن نتائجها ستحدد شكل الدولة السودانية المقبلة، ومن يمتلك أدوات القوة والنفوذ داخلها.

مراجع

  • سعد سعيد ومباشر بخاري، باكستان توشك على إكمال صفقة لتزويد السودان بأسلحة وطائرات، رويترز، 9 يناير 2026، الرابط:https://www.reuters.com/ar/business/E2OGSI3PPZIKDCY52HATPRSP3U-2026-01-09/
  • ذو النون سليمان، صفقات السلاح الباكستانية مع السودان وليبيا وتداعياتها الإقليمية، مركز التقدم العربي للسياسات، 10 يناير 2026، الرابط: https://shorturl.at/UMywC .
  • الصفقة السودانية الباكستانية وانعكاساتها على موازين القوى، سودان تمورو، 14 إكتوبر 2025، الرابط:https://shorturl.at/vXld7

كاتب

  • محمد خليفة صديق

    محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

محمد خليفة صديق

محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى