الأزمات الاقتصادية والاجتماعيةالأزمات السياسية والإنسانيةالاستخباراتالتجارة والاستثمارات الأجنبيةالتحالفات الدبلوماسية والاتفاقيات الدوليةالتكامل السياسي والإقليميالحركات المسلحة

“سقوط باماكو”.. بين الحرب الإعلامية وصمود الدولة أزمة الوقود التي هزّت مالي: خلفيات وتداعيات

"سقوط باماكو"... بين الحرب الإعلامية وصمود الدولة أزمة الوقود التي هزّت مالي: خلفيات وتداعيات

شهدت مالي خلال الأسابيع الماضية واحدة من أكبر الحملات الإعلامية والسياسية التي استهدفت استقرارها منذ سنوات، وذلك بعد تصاعد هجمات إرهابية في الجنوب، تزامنًا مع تغطية واسعة من وسائل إعلام غربية، خصوصًا الفرنسية، روّجت لفكرة أن العاصمة باماكو على وشك السقوط.

الهجمات التي نفذتها جماعات مرتبطة بداعش و”نصرة الإسلام والمسلمين” وصلت إلى أقصى الجنوب المحاذي لساحل العاج، في محاولة لقطع الإمدادات النفطية القادمة من ميناء أبيدجان. كما سعت الجماعات إلى تخويف السائقين وتعطيل حركة الصهاريج، بالتزامن مع انشغال الجيش بعمليات عسكرية في الشمال ومنطقة كايس الحدودية.

الهدف، وفق متابعين، كان شلّ الاقتصاد المالي وخلق حالة من الفوضى الاجتماعية تترافق مع ضغوط إعلامية مكثفة تُظهر مالي كدولة على حافة الانهيار.

الحرب الإعلامية: رواية واحدة تتكرر

على الرغم من أن مصدر الهجمات معروف، فإن الإعلام الفرنسي تعامل معها بطريقة اعتُبرت داعمة لرسائل الجماعات المتطرفة عبر تضخيم حجم التهديد. وتبنّت وسائل إعلام عربية بارزة هذه الرواية وكذلك معارضون لنظام العسكر في مالي وهم معروفون وموجودرن في دول مجاورة وبعيدة.

طبعا هذه الحملات هي ما ساهمت في نشر حالة من الذعر داخل المجتمع المالي وأدى إلى ازدحام حاد على محطات الوقود وخشية من نفاده.

الحملة المضادة نجحت

وهنا كان هناك إعلاميون أفارقة وماليّون أطلقوا حملة مضادة لتفنيد ما وصفوه بـ”الحملة الفرنسية المنسقة” لإظهار مالي كدولة عاجزة عن حماية نفسها، وهو ما دفع مواطنين إلى التخوّف من تكرار سيناريوهات سوريا وأفغانستان.

واشنطن تغيّر موقفها خلال 72 ساعة

وفي تطور لافت، تراجعت الولايات المتحدة عن تحذيراتها السابقة لمواطنيها بمغادرة مالي خلال ثلاثة أيام فقط، وأشادت بأداء الجيش المالي على لسان مسؤول بارز في وزارة الخارجية. هذا التغيير دفع سفارات أخرى إلى تخفيف لهجتها وإصدار رسائل تطمين.

هل سقطت باماكو؟ الوقائع تقول غير ذلك

المتابع للإعلام الغربي والعربي كان يظن أن باماكو في طريقها للانهيار. لكن الواقع أن مالي صمدت، وأن غالبية المواطنين التفوا حول مؤسسات الدولة، مدركين لطبيعة الصراع الإعلامي والسياسي الذي تقوده فرنسا منذ خروج قواتها من البلاد.

وبعد تدخل الجيش وتأمين خطوط الإمداد، عادت حركة الوقود تدريجيًا إلى طبيعتها، واختفت الطوابير الطويلة أمام المحطات خلال الأيام الماضية.

دور الحلفاء في تجاوز الأزمة

ساهمت عدة دول في دعم مالي خلال الأزمة، أبرزها:

تركيا: التي نظمت معرضها العسكري الأول في إفريقيا بمشاركة 38 دولة، رغم محاولات – وفق تقديرات محللين – لتعطيله عبر افتعال الأزمة.

وثانيا: روسيا التي أرسلت نائب وزير دفاعها إلى باماكو مع طائرة تحمل وقودًا، في خطوة اعتُبرت دعمًا معنويًا مهمًا.

وثالثا: دول تحالف الساحل: مثل النيجر وبوركينا فاسو، التي شاركت في تأمين القوافل وقدمت عشرات الصهاريج لمالي.

هذه الجهود المشتركة ساعدت في احتواء الأزمة وتخفيف الضغط الشعبي.

الجيش يطارد الجماعات المسلحة

هذا وقد أطلقت القوات المسلحة عمليات عسكرية مكثفة ضد الجماعات الإرهابية التي استهدفت الطرق الجنوبية، وأعلنت تدمير معاقل رئيسية والقضاء على عدد كبير من المسلحين، ما دفع هذه الجماعات إلى التراجع نحو مناطق نائية.

انتقادات للإعلام العربي

أثار أداء بعض وسائل الإعلام العربية، وبينها قناة “العربية”، استياءً واسعًا داخل مالي، بعد تبنيها رواية قريبة من الرواية الفرنسية، فيما أرسلت قناة الجزيرة مراسلًا إلى باماكو بعد أيام من تغطية اعتمدت بدورها على المصادر الغربية.

كما تعرض إعلام الجزائر وموريتانيا لانتقادات بعد ترويجه توقعات حول أسماء شخصيات قد تقود مرحلة انتقالية مفترضة في مالي.

وأخيرا

تكشف أزمة “سقوط باماكو” أن ما جرى لم يكن مجرد اضطراب في إمدادات الوقود، بل حربا إعلامية وسياسية ممنهجة، واجهتها مالي بصمود مؤسساتها والدعم الإقليمي والدولي.

وبعد أسابيع من التوتر، استعادت العاصمة هدوءها، وتواصل الدولة مسارها في مواجهة الإرهاب والحملة الإعلامية المصاحبة له.

كاتب

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى