الأمن القومي والدفاع العسكريالأمن والدفاع

‏التحركات الاماراتية في إثيوبيا وأثرها على سير العمليات العسكرية في السودان

‏التحركات الاماراتية في إثيوبيا وأثرها على سير العمليات العسكرية في السودان

كشف مصادر متنوعة خلال الأيام الماضية عن حراك مريب داخل الأراضي الاثيوبية المتاخمة لحدود السودان الشرقية، ويبدو على هذه التحركات الطابع العسكري والتدريبي المتقدم لتجهيز مقاتلين غير إثيوبيين، لكن الذي يتولى مهام التدريب هم قواد في الجيش الإثيوبي، بينما التمويل من دولة الإمارات العربية المتحدة، ووجهة القوات المتدربة قد تكون هي السودان، حيث أن القوات المستهدفة للتدريب هم جنود من الدعم السريع ومرتزقة سيتم الزج بهم في آتون الحرب في السودان.

الحراك العسكري الإماراتي الإثيوبي.. محاولة للاقتراب

تفيد المصادر المطلعة أن الحراك العسكري الإماراتي في الحدود السودانية الإثيوبية شمل إنشاء معسكر عسكري ضخم بتمويل إماراتي في إقليم بني شنقول–قمز داخل الأراضي الإثيوبية، على القرب من الحدود السودانية، وقد صُمم المعسكر ليستوعب عشرة آلاف مقاتل، وقد تم إنشاء المعسكر حصراً لتأهيل قوات أجنبية وليس لتدريب الجيش الإثيوبي، حيث تشير المعلومات إلى أن المستهدف الأول بهذا البرنامج هم مجندو قوات الدعم السريع (RSF) الفارّون من جبهات القتال في السودان، إضافة إلى عناصر من جنوب السودان ومرتزقة من أمريكا اللاتينية.

‏وحول من يتولى مهام الإمداد والتدريب كشفت المصادر أن الجنرال الإثيوبي غيتاتشو غودينا (Getachew Gudina) هو من الإشراف الميداني المباشر على تجهيز هذا المعسكر، وتنسيق الدعم اللوجستي والعسكري مع الضباط الإماراتيين، إضافة إلى إدارة عملية إخلاء الغابات التي ينفذها الجيش الإثيوبي لتأمين الموقع وبناء منشآته، والجنرال غيتاتشو غودينا شغل من قبل منصب رئيس الاستخبارات العسكرية في الجيش الإثيوبي، كما تولى قيادة القيادة الشمالية الغربية لقوات الدفاع الوطني الإثيوبية، رُقّي إلى رتبة لواء في يناير 2022، وكان غيتاتشو رئيسًا للإدارة الرئيسية للهندسة في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، كما كان قائدًا للقيادة الشمالية في عام 2018. وفي عام 2017، كان أيضًا قائدًا لقوة “أغازي” الخاصة.

‏وأكدت المصادر أن المعدات والأسلحة المستخدمة في المعسكر، تصل إلى منطقة المعسكر عبر ميناء بربرة في صوماليلاند وميناء مومباسا في كينيا، قبل نقلها إلى العمق الإثيوبي تحت رقابة مشتركة من ضباط إماراتيين وقادة في الجيش الإثيوبي بقيادة الجنرال غودينا، و‏تكمن خطورة هذا المعسكر في موقعه الاستراتيجي المتاخم لولاية النيل الأزرق السودانية، بجانب ‏إن إنشاء مركز تدريب بهذا الحجم وفي هذا المكان، وتحت قيادة شخصية عسكرية مؤثرة مثل الجنرال غيتاتشو غودينا، يثير أسئلة حول دور إثيوبيا، وحول مدى عمق الدعم الإماراتي العسكري الذي يغذّي الصراع في السودان ويطيل أمد الحرب.

‏الحراك الإماراتي العسكري في المصادر الإثيوبية

موقع المنشار الاخباري الذي تحدث عن الحراك الإماراتي في الحدود السودانية الإثيوبية كشف أن مصادر إثيوبية تحدثت له عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم إنشاء معسكر تدريبي عسكري كبير في منطقة (منجي وريدا) الواقعة ضمن ولاية بني شنقول-قمز شمال غرب إثيوبيا، بالقرب من الحدود السودانية، ووفق هذه المصادر الإثيوبية، فقد صمم المعسكر لاستيعاب نحو 10,000 جندي في وقت واحد. وتشارك وحدات قوات الدفاع الوطني الإثيوبية (ENDF) في أعمال تجهيز الأراضي وإعداد الموقع للبنية التحتية العسكرية. وكشفت المصادر أن المعسكر ممول بالكامل من دولة الإمارات، مع إشراف ضباط إماراتيين على عمليات التفتيش والتدريب.

في جانب اللوجستيات تشير صور ومقاطع فيديو حديثة من ميناء بربرة في أرض الصومال وميناء مومباسا الكيني إلى شحنات كبيرة من المعدات والأسلحة إلى إثيوبيا، تشمل مركبات تقنية وشاحنات أسلحة متجهة نحو بني شنقول-قماز، ما يعزز مصداقية التقارير عن المعسكر الممول اماراتيا، ويهدف المعسكر لتدريب قوات غير إثيوبية، مع التركيز على مليشيا الدعم السريع، بالإضافة إلى مجندين محتملين من جنوب السودان وأمريكا اللاتينية، مثل المرتزقة الكولومبيين، حيث أكدت المصادر أن المنشأة ليست مخصصة لتدريب قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، وتوقعت المصادر أن يبدأ تشغيل المعسكر رسميا في فبراير 2026، وفق المصادر الإثيوبية، بينما لم تؤكد السلطات الإثيوبية أو الإماراتية الخبر رسميا، إلا أن التطورات تتوافق مع أنماط التوسع العسكري الإماراتي في القرن الإفريقي.

موقع إثيوبيا من الحراك العسكري الإماراتي

تعود خلفية ما يدور إثيوبيا حاليا أن دولة الإمارات كثفت دعمها لإثيوبيا في الفترة الأخيرة وتدفعها لتبني استراتيجية سيطرة تجاه البحر الأحمر والمنطقة عموما بما يهدد بتفجير صراع الهيمنة في القرن الأفريقي، وقالت منصة “أسباب” البحثية إن استراتيجية إثيوبيا تمنح مياه النيل والبحر الأحمر موقعا محوريا في أمن وسيادة إثيوبيا وجهود استعادة موقعها كقوة مهيمنة في القرن الأفريقي، وذلك استنادا إلى منظور تاريخي حول التعاون بين الحبشة وملوك أوروبا خلال حقبة الحروب الصليبية لتنفيذ مشاريع لحجز مياه النيل عن مصر والسيطرة على التجارة في البحر الأحمر.

تركز الاستراتيجية الإثيوبية التي ظهرت بعض ملامحها أخيرا على تطوير القدرات العسكرية البحرية، وضرورة الحصول على منفذ على البحر الأحمر، وهو الدافع وراء توقيع مذكرة التفاهم مع حكومة إقليم ““أرض الصومال” الانفصالية، للحصول على قاعدة بحرية عسكرية وحق استخدام ميناء بربرة، حيث ترى أديس أبابا ضرورة لتجنب الاعتماد المفرط على نقطة وصول واحدة للتجارة والإمدادات الحيوية، حيث ساهم الدعم الإماراتي في تجاوز عقبة التمويل الأجنبي لتنفيذ مشروع تطوير ميناء بربرة وربطه عبر شبكة طرق حديثة مع إثيوبيا.

في ضوء التصميم الإثيوبي والتمسك بنهج “فرض الأمر الواقع”، يُرجح أن تتحول الأزمة إلى صراع مزمن، وأن يتشكل محور مضاد لإثيوبيا يتكون من مصر والصومال ودول أخرى مثل جيبوتي وإريتريا والسودان، مما يفتح بابا لصراع أوسع في القرن الأفريقي، خاصة مع بدء نشر قوات مصرية في الصومال، يفترض أن تكون قد بدأت عملها في يناير  2025، فيما وصلت مساعدات عسكرية مصرية بالفعل إلى الأراضي الصومالية، وتوالي إرسال شحنات دعم عسكري من القاهرة إلى مقديشو، بعد توقيع اتفاقية للتعاون العسكري مع مصر في أغسطس من العام الماضي، بالإضافة لتعهد مصر بالمساهمة للمرة الأولى بقوات عسكرية في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال “أوصوم”، ولذا تحاول أديس أبابا عبر دعم الحراك الإماراتي على أراضيها أن تتحسب لكل السيناريوهات المتوقعة، وأن تعد قوة عسكرية أجنبية أفرادا وتمويلا للقيام بمهام خارج الحدود ضمن استراتيجية اثيوبيا التوسعية والطامعة في التأثير على دول المنطقة مثل السودان ومصر وإرتريا.

سعت إثيوبيا من وقت مبكر لإغراء الإمارات بالاستثمار في ميناء بربرة بأرض الصومال بدلا من إريتريا سعيا لعزل الأخيرة، وبالفعل جرى الاتفاق على صفقة تتولى بموجبها الإمارات تطوير ميناء بربرة رغم اعتراض مقديشو، وتم بالفعل في عام 2016 توقيع اتفاقية تلتزم بموجبها شركة موانئ دبي العالمية بتطوير وإدارة ميناء بربرة لمدة 30 عاما مقابل ملكية 51٪ من المشروع، مع منح إثيوبيا حصة 19% من الميناء، والباقي لحكومة أرض الصومال، كما بنت الإمارات طريق سريع يربط ميناء بربرة مع مدينة واجالي الحدودية بين أرض الصومال وإثيوبيا. وتزامن ذلك مع انتقال التركيز الإماراتي في اليمن نحو مدينة عدن، مما زاد من أهمية بربرة الأقرب جغرافيا مقارنة بميناء عصب الارتري.

تواكب مع اهتمام الإمارات بالقرن الأفريقي، واستعدادها لتقديم التمويل لأديس أبابا، وصول آبي أحمد للحكم عام 2018. ففي ذات العام قدمت الإمارات لإثيوبيا 3 مليار دولار أمريكي، كما زار آبي أحمد أبوظبي ليرد له بن زايد الزيارة بعد شهر واحد، ويتفقان على ترسيخ علاقات التعاون والشراكة الاستراتيجية بينهما في الملف الاقتصادي فضلا عن تشاركهما في سياسة مواجهة الإسلاميين في المنطقة، وبالأخص في الصومال، وعندما اقتربت قوات جبهة تحرير تيغراي من أديس أبابا عام 2021، قدمت أبوظبي للجيش الإثيوبي طائرات مسيرة ساعدته في التصدي للهجوم، وشن هجوم مضاد أجبر قوات التيغراي على التراجع.

من المرجح أن تتحول مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال إلى بؤرة لصراع مزمن، فشحنات الأسلحة الإثيوبية بدأت تصل إلى هرجيسا وبونتلاند لدعم نزعاتهما الانفصالية في مواجهة مقديشو، ولم تنجح محاولات الوساطة التركية بين أديس أبابا ومقديشيو في تغيير مواقف أي منهما، وأبي أحمد يمضي في محاولات فرض سياسة الأمر الواقع، بينما محيطه الإقليمي متضرر من تلك السياسة، وبدأ ينسق بينيا للتصدي للطموحات الإثيوبية، كما يستمر نقل السلاح الاماراتي عبر موانيء أرض الصومال وقاعدة بوصاصو لقوات الدعم السريع، ويتوقع أن يتواصل هذا الاماد للمعسكر الاماراتي في اثيوبيا عبر ذات الطرق.

الحراك العسكري الإماراتي والآثار على الحرب في السودان

يعكس إنشاء هذا المعسكر التدريبي داخل الأراضي الإثيوبية المتاخمة للسودان استراتيجية الإمارات لتأمين مصالحها في السودان والمنطقة، عبر تأجيج الحرب ومواصلة الدعم اللوجستي لمليشيا الدعم السريع عبر الدعم بالمقاتلين المدربين تدريبا عاليا، ومواجهة منافسين إقليميين مثل تركيا وقطر وإيران، إلى جانب مواصلة دعم قوات صومالية ومليشيا الدعم السريع السودانية عبر شبكة موانئ وقواعد في أرض الصومال.

يحذر مراقبون من أن استضافة تدريبات أجنبية واسعة في منطقة بني شنقول-قماز، التي شهدت صراعات عرقية منذ 2019، قد تفاقم التوترات المحلية وتزيد من تعقيد ملف الأمن الإقليمي في الإقليم الذي يضم سد النهضة الإثيوبي، وكان جزءا من السودان حتى عام 1902م، حيث وقعت في ذلك العام معاهدة أديس أبابا بين بريطانيا (نيابة عن السودان) وإثيوبيا، مما أدى إلى تبعية الإقليم لإثيوبيا، رغم هذه التبعية القانونية، ظل الإقليم له طابع سوداني عربي مسلم وعانى من الاحتلال الإثيوبي، وشهد عدة تمردات مطالبة بالعودة إلى السودان أو الحكم الذاتي.

من المؤكد كما أشارت صور ومقاطع فيديو حديثة من مناطق مثل ميناء بربرة في أرض الصومال وميناء مومباسا الكيني إلى وصول شحنات كبيرة من المعدات والأسلحة الإماراتية إلى إثيوبيا، تشمل مركبات تقنية وشاحنات أسلحة، كما يستمر نقل السلاح الاماراتي عبر موانيء أرض الصومال وقاعدة بوصاصو، ويتوقع أن يتواصل هذا الامداد للمعسكر الاماراتي في اثيوبيا عبر ذات الطرق، والذي يرجح أنه متجهة نحو بني شنقول-قماز، مما يعزز مصداقية التقارير عن المعسكر الممول اماراتيا في المنطقة، والذي يهدف لتدريب قوات غير إثيوبية، بالتركيز على جنود من مليشيا الدعم السريع ومرتزقة سيتم الدفع بهم للحرب في السودان، ربما لفتح جبهات جديدة تضعف حراك الجيش السوداني لإنهاء سيطرة الدعم السريع على مناطق في كردفان ودارفور.

مراجع

حيدر الموسوى، قاعدة إماراتية في إثيوبيا لدعم ‘الدعم السريع’: تفاصيل معسكر بني شنقول الذي يستوعب 10,000 مقاتل، موقع المنشار، 15 نوفمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/mYozI

محمود سامي، دعم عسكري وتمويل ومآرب أخرى.. هل تطعن الإمارات مصر في أزمة سد النهضة؟ ، الجزيرة نت،22/11/2020، الرابط: https://shorturl.at/3omZL

مؤامرات الإمارات تستهدف السيطرة على القرن الأفريقي من بوابة إثيوبيا، موقع إمارات ليكس، 3 أكتوبر 2024، الرابط: https://shorturl.at/usc1k

كاتب

  • محمد خليفة صديق

    محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

محمد خليفة صديق

محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى