الأمن والدفاعالجغرافية الاقتصاديةالجغرافية السياسية

دوافع المساعي الإثيوبية للوصول إلى البحر الأحمر: قراءة تحليلية

منذ أن تحوّل طموح إثيوبيا في الوصول إلى البحر إلى خطاب سياسي رسمي يتبناه كبار المسؤولين، تصاعد الجدل الإقليمي والدولي حول دوافع هذا التوجه ومدى واقعيته من ناحية، وما يمكن أن يترتب عليه من تهديدات لأمن واستقرار المنطقة من ناحية أخرى.

ففي خطابه أمام البرلمان في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أكد رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، أن الوصول إلى البحر يمثل “ضرورة وطنية” كما هو أيضًا “مسألة وجودية” بالنسبة لإثيوبيا وفقًا لهذا التصور.

وجاء توقيع مذكرة التفاهم، في كانون الثاني/ يناير 2024، مع “أرض الصومال”، الكيان الذي يسعى للانفصال عن الصومال وتأسيس دولة مستقلة، ليعيد تسليط الضوء على هذا الطموح، وليفتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن أبعاده وأهدافه وتداعياته الإقليمية.

ومع مرور الوقت، يبدو أن هذا الخطاب السياسي يعتمد على نهج “حافة الهاوية”، إذ تستخدم أديس أبابا أسلوب التصعيد الإعلامي والضغط الخطابي لجعل قضية الوصول إلى البحر محورًا مركزيًا في سياستها الخارجية، مع التلويح باستخدام القوة كوسيلة لفرض التفاوض أو انتزاع تنازلات من الأطراف المعنية، كما يظهر مؤخرًا في العلاقة المتوترة مع إريتريا.

وإذا كان السعي نحو البحر عبر الأراضي الصومالية يُقدَّم داخليًا في إثيوبيا بوصفه “حقًا مشروعًا” يهدف إلى تأمين المصالح القومية وحشد الدعم الوطني والخارجي اقليميًا ودوليًا، فإن الموقف الإثيوبي تجاه إريتريا بهذا الشأن يتخذ منحى مختلفًا، حيث يُعاد تبرير هذا المسعى على أساس “الحق التاريخي” في استعادة تبعية ميناء عصب إلى السيادة الإثيوبية مجددًا. 

أولًا: مذكرة التفاهم مع أرض الصومال

وفي إطار “عقيدة البحر الأحمر”1، شكّل توقيع مذكرة التفاهم بين إثيوبيا و”أرض الصومال” في يناير/كانون الثاني 2024 خطوة اختبارية، أو بمثابة جسّ نبض لقياس مدى ردود الأفعال الإقليمية والدولية تجاه هذا التحرك الجريء، واستكشاف حدود التسامح مع الطموح الإثيوبي المتنامي للوصول إلى البحر الأحمر على المدى الطويل.

ورغم ما يحيط بهذه المساعي من مخاطر سياسية وأمنية، مضت أديس أبابا في توقيع مذكرة تفاهم (لم تُنشر تفاصيلها علنًا)2 مع رئيس “أرض الصومال” السابق موسى بيحي عبدي، نصّت على منح إثيوبيا وصولًا شبه سيادي إلى البحر الأحمر، أي على أساس تأجير محدود المدة لا يرقى إلى التبعية الدائمة. وبموجب الاتفاق، يُسمح لإثيوبيا بإنشاء ميناء تجاري وقاعدة بحرية على مساحة تشكل نحو 20 كيلو مترًا مربعًا من الساحل الصومالي، ولمدة خمسين عامًا، في مقابل التزام أديس أبابا بالاعتراف باستقلال “أرض الصومال”.

إلا أن هذه الخطوة أثارت على الفور موجة رفض واسعة، بدأت من الحكومة الصومالية التي اعتبرت المذكرة انتهاكًا صارخًا لسيادتها ووحدة أراضيها، مرورًا بمواقف الدعم الديبلوماسي والسياسي الذي تلقته من المنظمات الإقليمية والدولية، مثل الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، ووصولًا إلى الدول الكبرى التي أكدت جميعها على ضرورة احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها. وبذلك، وُضعت المساعي الإثيوبية في إطار من القيود القانونية والسياسية الواضحة، رغم محاولات أديس أبابا الحثيثة لحشد دعم علني من أطراف إقليمية ودولية.

وقد اعترف موسى بيحي (رئيس أرض الصومال السابق)3 لاحقًا بأن الاتفاقية “انهارت تحت ضغط من الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية وعدد من الشركاء الدوليين الرئيسيين”، مضيفًا أن “إثيوبيا واجهت الصوت الجماعي لأفريقيا”.

من جانب آخر، كشفت المذكرة عن تباينات في التفسير والتأويل حتى بين طرفيها المباشرين؛ إذ أعلن مسؤولو “أرض الصومال” أن الاتفاق يُلزم إثيوبيا بالاعتراف الكامل باستقلالهم، بينما تجنّب المسؤولون الإثيوبيون تأكيد ذلك صراحة، مكتفين بالقول إنهم “سيدرسون المسألة بعناية”. كذلك، في حين تحدثت أديس أبابا عن إنشاء ميناء وقاعدة بحرية، أوضحت “أرض الصومال” أن التعاون سيقتصر على استخدام ميناء “بربرة” لأغراض تجارية دون أي شكل من أشكال التملك الدائم.

ويُفسَّر هذا التباين في المواقف بأن قيادة “أرض الصومال” — بوصفها كيانًا غير معترف به دوليًا — سعت من خلال توقيع المذكرة إلى تحقيق مكسب رمزي كبير يتمثل في انتزاع أول اعتراف خارجي محتمل باستقلالها، ما قد يفتح الباب أمام اعترافات دولية لاحقة. كما هدفت الخطوة إلى تسليط الضوء على تجربتها السياسية المستقرة ونموذجها في الحكم والإدارة، باعتبارها كيانًا يتمتع بفاعلية مؤسساتية واستقرار سياسي وتداول سلمي للسلطة، وهي سمات ترى قيادتها أنها تتفوّق بها على بعض الدول القائمة، بما في ذلك الدولة الأم (الصومال).

ثانيًا: ملامح السياسة الخارجية الجديدة

منذ تولّيه السلطة في نيسان/أبريل 2018، عمل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على تبنّي نهج جديد في السياسة الخارجية يهدف إلى إعادة تموضع بلاده إقليميًا ودوليًا بما يخدم رؤيته السياسية ومشروعه الداخلي.

وبحسب الباحث أديتيا ساركار، فإن السياسة الخارجية الإثيوبية بعد عام 2018 تعكس “مزيجًا من جهود آبي أحمد لترسيخ سلطته داخليًا عبر أسلوب شخصي للغاية، ومنزوع الطابع المؤسسي في إدارة الشؤون الخارجية”4.

ووفقًا لساركار أيضًا5، فقد اتسمت إدارة السياسة الخارجية الإثيوبية في عهده بقدرٍ كبير من المركزية والشخصنة، ما جعل القرارات المصيرية تُدار بصورة مباشرة من مكتب رئيس الوزراء، بعيدًا عن المؤسسات الدبلوماسية التقليدية كوزارة الخارجية.

تتبنّى أديس أبابا، وفق الخطاب الرسمي، مبدأ “الجوار أولًا” شعارًا لسياساتها الإقليمية الحالية، وهو ما يعني، نظريًا على الأقل،إعطاء الأولوية لدول الجوار عبر تعزيز التعاون المشترك، ومواجهة التحديات الإقليمية، وبناء علاقات قائمة على تبادل المنافع والمصالح المتبادلة. غير أن هذا الشعار، كما يبدو من الممارسة الفعلية، يُترجَم في الواقع بصورة أحادية تميل إلى فرض الرؤية الإثيوبية الخاصة على محيطها بدلاً من بناء شراكات متوازنة قائمة على الحوار والتفاهم.
ويظهر ذلك بوضوح في الخطاب الرسمي حول حق إثيوبيا في الوصول إلى البحر، إذ يُقدَّم هذا الطموح على أنه جزء من تعزيز التعاون الإقليمي، بينما يعكس في جوهره اتجاهًا توسعيًا ذا نزعة قومية يسعى إلى إعادة تعريف مفهوم “التعاون” بما يتوافق مع المصالح الإثيوبية وحدها. وقد أدّى هذا الطرح في الواقع إلى تآكل الثقة بين إثيوبيا وبعض دول الجوار، حتى في القضايا ذات الطابع التجاري والاقتصادي، مثل استخدام الموانئ عبر الاتفاقيات التقليدية، بسبب لجوء أديس أبابا إلى سياسة الضغط والتهديد بدلًا من الحوار الدبلوماسي المتكافئ القائم على الاحترام والثقة المتبادلين.

وفي سياق متصل، يُلاحظ أنه في أعقاب المصالحة مع إريتريا عقب توقيع البلدان ما أُطلق عليه “إعلان المصالحة والصداقة” في 9 يوليو/تموز 2018، كان لدى القيادة الإثيوبية الجديدة اعتقاد بأن هذا التقارب السياسي سيمهد لتعاون اقتصادي مثمر يتيح لإثيوبيا الاستفادة من الموانئ الإريترية بشكل متوازن، ويُسهم في تقليل الاعتماد شبه الكامل على الموانئ الجيبوتية.

وقد انسجم ذلك التوجه مع خطط وطنية وضعت – خلال السنوات الأخيرة – بهدف تنويع الوصول إلى الموانئ تبنّتها إثيوبيا لتعزيز شراكات اقتصادية مع دول الجوار دون إثارة نزاعات أو اعتراضات تُذكر. إلا أن الخطاب الحالي حول “الوصول السيادي إلى البحر الأحمر” مثّل تحوّلًا جذريًا في النهج، إذ تجاوز منطق التعاون الاقتصادي إلى الطرح القومي ذي الطابع الجيوسياسي، ما أعاد  طموحات إثيوبيا ودورها إلى دائرة الجدل والتوتر الإقليمي.

ثالثًا: بناء سرديات وطنية كبرى

في إطار سعيه لتشكيل هوية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات العرقية والسياسية، عمل الحزب الحاكم الجديد، حزب الازدهار (Prosperity Party) على بناء سردية وطنية كبرى تقوم على تعزيز الانتماء للدولة وإعادة تعريف مفهوم المواطنة في مواجهة إرث نظام “الفيدرالية الإثنية” الذي يُتَّهم بتأجيج النزاعات الداخلية وترسيخ الولاءات الفرعية.

سعت هذه الرؤية إلى إضعاف الخطابات القومية الضيقة التي تغذّي الانقسام والاستقطاب داخل المجتمع الإثيوبي، وإلى توجيه الاهتمام نحو مشاريع وطنية كبرى قادرة على توليد روح الفخر والانتماء المشترك. ويُعد مشروع سد النهضة أبرز مثال على ذلك، إذ جرى تقديمه كرمز لوحدة الأمة ومصدر للفخر الوطني العابر للهويات الإثنية والمناطقية.

في هذا السياق، يندرج خطاب “الوصول إلى البحر” ضمن مسعى أوسع لبناء سردية وطنية جديدة، يُروَّج فيها لهذا الهدف باعتباره قضية قومية تجسّد الإرادة الوطنية وتعيد الاعتبار لدور إثيوبيا التاريخي والإقليمي. وضمن هذه السردية، تُصوَّر القيادات السابقة — ولا سيما تلك المنتمية إلى “الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا” (EPRDF) و”جبهة تحرير شعب تيغراي” (TPLF) — على أنها فرّطت في الحقوق الوطنية وأهدرت فرصة تاريخية لاستعادة منفذ بحري لإثيوبيا6، إما بسبب ضعف الحس الوطني أو لقصر نظر سياسي. أما القيادة الحالية برئاسة آبي أحمد، فيُقدَّم خطابها على أنه يسعى إلى تصحيح هذا “الخطأ التاريخي” واستعادة “الحق الطبيعي” لإثيوبيا في البحر الأحمر.

وتستند هذه السردية إلى رؤية تاريخية تعيد صياغة الجغرافيا الوطنية، إذ يُروَّج لمقولات مفادها أن “الحدود الطبيعية لإثيوبيا هي البحر الأحمر والمحيط الهندي”7، وأن إقليم تيغراي المجاور لإريتريا — بوصفه مركزًا للحضارة الأكسومية القديمة التي امتدت  لقرون من شمال إثيوبيا الحالية وحتى حوض البحر الأحمر الكبير — يمثل الامتداد الطبيعي لهذه الرؤية القومية الجديدة، بالنظر إلى ارتباط أكسوم تاريخيًا بالملاحة والتجارة في البحر الأحمر. وبهذا، يُعاد توظيف رموز التاريخ والحضارة لتبرير طموحات جيوسياسية معاصرة، رغم التوترات القائمة حاليًا بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيغراي بشأن تنفيذ اتفاق بريتوريا (2022) والعلاقات مع إريتريا.

وعلاوة على ذلك، تُقدَّم هذه السردية القومية الجديدة كجزء من مشروع إعادة الاعتبار لإثيوبيا كدولة كبرى في القرن الأفريقيالكبير، بحيث يُصوَّر تحقيق الوصول إلى البحر الأحمر، ولا سيما استعادة ميناء عصب من إريتريا، كإنجاز تاريخي سيُخلّد اسم آبي أحمد إلى جانب قادة إثيوبيا البارزين الذين صنعوا “أمجاد الدولة الحديثة”.

ولخدمة هذا التوجه، نشطت مؤسسات فكرية وإعلامية رسمية، على رأسها “معهد الشؤون الخارجية” (IFA) التابع لوزارة الخارجية الإثيوبية، في ترسيخ هذه السردية عبر أبحاث وندوات ودراسات ضمن مبادرة “حوارات البحر الأحمر” وغيرها من الأنشطة التي تهدف إلى إضفاء طابعٍ أكاديمي ومؤسسي على فكرة “حق إثيوبيا المشروع في البحر الأحمر” وضرورة إشراكها في أي ترتيبات تتعلق بإدارة هذا الإقليم الحيوي.

رابعًا: العامل الديموغرافي

يُشكّل العامل الديموغرافي أحد المحاور الرئيسة في الخطاب الإثيوبي الداعم لمساعي الوصول إلى البحر، إذ تُقدَّم الزيادة السكانية الكبيرة – التي تجاوزت نحو 120 مليون نسمة – باعتبارها مبررًا موضوعيًا ووطنيًا لضرورة امتلاك منفذ بحري دائم.

ويستند هذا الخطاب إلى فرضية مفادها أن النمو السكاني المتسارع يتطلب توسعًا اقتصاديًا يضمن تلبية الاحتياجات المتزايدة لمختلف الفئات الاجتماعية، وأن غياب منفذ بحري يُعد عائقًا أمام تحقيق التنمية المستدامة والانفتاح التجاري. كما تُطرح الكتلة السكانية الضخمة بوصفها عنصر قوة استراتيجية مقارنة بدول الجوار ذات الكثافة السكانية المنخفضة، مثل إريتريا والسودان، وهو ما يمنح إثيوبيا – وفق هذا المنظور – أفضلية ديموغرافية يمكن توظيفها سياسيًا أو اقتصاديًا عند الضرورة.

ويُقدَّم هذا التصور الديموغرافي في الخطاب الرسمي كعاملٍ مزدوج التأثير: فمن جهة، يُنظر إلى الزيادة السكانية مصحوبةً بالنمو الاقتصادي المتوقع ووفرة اليد العاملة الرخيصة، باعتبارها وقود النهضة الإثيوبية وفرصتها للتحول إلى قوة إقليمية صاعدة. ومن جهة أخرى، يُحذَّر من أن هذه الزيادة نفسها قد تتحول إلى “قنبلة ديموغرافية” تهدد الاستقرار الداخلي إذا لم تُواكبها تنمية اقتصادية وفرص عمل كافية.

وتُبرز التجربة السياسية الأخيرة في البلاد هذه المخاوف بوضوح، إذ تشكّل فئة الشباب نحو 60% من السكان (وفقًا لتعداد عام 2007)، وهي الفئة التي قادت حركة احتجاجية واسعة، عُرفت باسم “قيرو”، وأسهمت في الإطاحة بنظام “جبهة تحرير تيغراي” الذي حكم البلاد لأكثر من عقدين ونيف. ويبدو أن الحكومة الحالية تُدرك حساسية هذا العامل مع اقتراب موعد الانتخابات العامة السابعة المقررة في منتصف عام 2026، في ظل تصاعد نشاط ما يُعرف بـ”جيل زد”، ما يجعل السيطرة على الديناميات السكانية تحديًا سياسيًا داخليًا بامتياز.

وفي السياق الإقليمي، تُوظَّف هذه الحجة الديموغرافية أيضًا للقول بأن “الضغط السكاني” في إثيوبيا لا يُمكن أن يبقى حبيس الداخلالمضطرب والهش، وأن التجاهل الإقليمي لمطالب أديس أبابا قد ينعكس سلبًا على دول الجوار التي تتحمل بالفعل أعباء تدفقات اللاجئين الإثيوبيين خلال الأزمات خلال العقود الماضية. ومن هذا المنطلق، يُطرح التعاون مع إثيوبيا في مسألة الوصول إلى البحر بوصفه ضرورة مشتركة ضمن إطار “التعاون الإقليمي”، وليس خيارًا سياسيًا فحسب.

وبناءً على هذا التصور، فإن تحقيق “الحلم البحري” يُقدَّم في السردية الإثيوبية المعاصرة كخطوة محورية نحو “إعادة إثيوبيا عظيمة مرة أخرى” وجعلها مركز الثقل السياسي والاقتصادي في القرن الأفريقي8. ويُعتقد أن هذا الإنجاز – وفق هذه الرؤية –سيقود إلى استقرار طويل الأمد، وينهي دوامة الصراعات الداخلية، ويحدّ من فرص التدخلات الخارجية التي وُصفت بأنها كانت سببًا في إضعاف البلاد وإعاقة نهوضها لقرون.

خامسًا: الأورومو كطبقة حاكمة جديدة

مثّل صعود آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء كأول شخصية من قومية الأورومو حدثًا سياسيًا مفصليًا في تاريخ إثيوبيا الحديث؛ إذ وضع حدًا لعقود من التهميش والإقصاء الذي عانت منه هذه القومية رغم كونها الأكبر عددًا في البلاد، إذ تمثل نحو 35.8% من السكان (نحو 35 مليون نسمة). غير أن هذا التحول التاريخي لم يُترجم بعد إلى مشروع سياسي متكامل يحقق التطلعات القومية للأورومو، وعلى رأسها حق تقرير المصير الذي ظل مطلبًا مركزيًا لـ”جبهة تحرير أورومو”، وهي من أقدم  الحركات السياسية المعارضة في البلاد.

بالنسبة للنخب الأورومية الجديدة، يُنظر إلى تحقيق هدف الوصول السيادي إلى البحر الأحمر كأحد المسارات التي يمكن أن تسهم في تعزيز مكانتها كطبقة حاكمة جديدة، خصوصًا في ظل محدودية أدوات التمكين الاقتصادي مقارنة بالقوميات التي سبقتها في الحكم، وعلى رأسها التيغراي والأمهرا. فبينما راكمت تلك القوميات الثروة والنفوذ من خلال مؤسسات الدولة وأجهزتها، لا يزال الأورومو يفتقرون إلى قاعدة اقتصادية صلبة تتيح لهم ترسيخ سلطتهم وتوزيع مكاسب التنمية على نحوٍ متوازن داخل الإقليم(أوروميا) الذي يشكل القاعدة السياسية الصلبة لحزب الازدهار الاثيوبي الحاكم.

ومن هذا المنطلق، فإن السيطرة على منفذ بحري أو الحصول على موانئ تجارية — سواء عبر الصومال أو غيرها — يعني توجيه الموارد المالية التي كانت تُدفع مقابل استخدام الموانئ المجاورة (مثل جيبوتي) نحو دعم التنمية الوطنية عمومًا والتنمية في إقليم أوروميا خصوصًا. ويُعزّز هذا التوجه ما تشهده المنطقة من مشاريع اقتصادية كبرى، مثل تأسيس الصندوق السيادي لإقليم أوروميا مؤخرًا9، وهو ما يعكس سعي الحكومة لتحويل الإقليم إلى مركز اقتصادي رئيسي (Economic Hub) في الاقتصاد الإثيوبي، خاصة في مجالات الإنتاج والتصدير والخدمات.

في المقابل، يرى الإريتريون أن الخطاب الذي يتبناه “حزب الازدهار” بشأن الوصول إلى البحر الأحمر، والتلميحات المتكررة حول استعادة ميناء “عصب” الإريتري، يعكس نزعة توسعية جديدة في السياسة الإثيوبية تحت حزب الازدهار، تُعرف في بعض الأوساط باسم “عقيدة الأوروموما”، أي العقيدة القومية للأورومو التي أصبحت تحكم توجهات رئيس الوزراء وحزبه الحاكم، بحسب ما جاء في تصريحات كبار المسؤولين الإريتريين مؤخرًا بهذا الصدد.

لكن من اللافت أن “جيش تحرير الأورومو”(OLA)  أو (أوناق شاني)، وهو الفصيل المسلح الرئيس المعارض لحكومة آبي أحمد، إلى جانب قوى قومية أخرى، قد رفضت هذه الطروحات علنًا. إذ صرّح جال جيريجنا جوديتا، مستشار قائد التنظيم جال مارو، بأن مسألة الوصول إلى البحر “ليست قضية للأورومو”10، في إشارة إلى رفض ربط هذا المشروع القومي لشعب الأورومو بسياسات الحكومة المركزية الحالية.

وفي ضوء ذلك، يمكن فهم خطاب “الوصول إلى البحر” ضمن إطار أوسع يتعلق بالصراع حول الاقتصاد السياسي في إثيوبيا؛ فكل نظام حكم يسعى لتأمين موارده الاقتصادية وترسيخ شرعيته عبر تمكين قواعده الاجتماعية والسياسية. وعلى هذا المنوال، تحاول النخب الأورومية الجديدة أن تحذو حذو نخب التيغراي سابقًا، التي استطاعت، ومن خلال ائتلاف “الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا” (EPRDF) أن تبني نفوذًا اقتصاديًا واسعًا مكّنها من السيطرة على الدولة لعقود، بل ومن ترك بصمة عميقة على الاقتصاد الوطني والعلاقات الإقليمية.

 سادسًا: صناعة إرث للحزب الحاكم

في إطار مشروع حزب الازدهار الحاكم، الذي يقدّم نفسه بوصفه حزبًا وطنيًا جامعًا يسعى إلى ترسيخ إرث سياسي جديد في البلاد يخلّد دوره كقوة موحِّدة ومُجدِّدة لمشروع بناء الدولة الإثيوبية. وقد يعمل الحزب على تجاوز الإرث السياسي للائتلاف الحاكم السابق (“الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا (“EPRDF- كما يعمل في الوقت ذاته على صياغة سردية وطنية مختلفة تُبرز إنجازاته وتؤسس لشرعية سياسية قائمة على “الإحياء الوطني” و”النهضة الإثيوبية الجديدة”.

بحكم حجمها الاقتصادي الكبير وسوقها الاستهلاكي الواسع وقوتها الشرائية النامية، تمثل إثيوبيا محور جذب لدول الجوار الساحليةللاستفادة من السوق الإثيوبي الضخم عبر الأنشطة والخدمات المرتبطة الموانئ. وفي هذا السياق، يسعى الحزب الحاكم إلى تحويل هذه المكانة الاقتصادية من عامل تبعية إلى مصدر نفوذ، من خلال تبنّي خطاب السيادة الاقتصادية والسعي إلى الحصول على منفذ بحري مستقل يُعزّز استقلال البلاد عن الاعتماد المفرط على موانئ دول الجوار وفق الصيغ الثنائية التقليدية المألوفة.

أما على المستوى الشخصي والسياسي، فإن آبي أحمد، وبصفته رئيس الحزب والحكومة، يسعى إلى بناء صورة ذهنية راسخة عنهكقائد ملهِم قادر على قيادة إثيوبيا نحو “نهضة كبرى”، عبر تنفيذ مشاريع ضخمة وبنى تحتية كبرى تشكّل ملامح إرثه السياسي، مثل سد النهضة ومشروعات الطاقة والربط الإقليمي. هذه الصورة تستهدف بالأساس الأجيال الشابة، بغية غرس شعور بالفخر الوطني والانتماء لحزب الازدهار كرمز للتقدم والوحدة.

وفي إطار التنافس الداخلي مع تيار القوميين الأورومو، الذي يشكّل تحديًا سياسيًا بارزًا داخل القاعدة الاجتماعية للأورومو أنفسهم، يسعى الحزب إلى تقليص نفوذ هذا التيار عبر تبنّي بعض شعاراته بصورة انتقائية. ويأتي في مقدمة هذه الشعارات الدعوة إلى تحقيق فيدرالية حقيقية تُتيح للإقاليم، وفي مقدمتها أوروميا، إدارة مواردها واستثمارها بما يخدم مصالح سكانها، وهي مطالب طالما رفعها القوميون الأورومو ضمن إطار السعي إلى الحكم الذاتي الواسع. بذلك، يحاول الحزب احتواء النزعة القومية الأورومية وتحويلها إلى رصيد سياسي داعم له بدل أن تكون عامل تهديد سياسي كامن.

ومن الملاحظ أن فكرة الوصول إلى البحر لم تنشأ بمعزل عن هذا المسار؛ إذ تندرج ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى أعلن ملامحها آبي أحمد مبكرًا11، حين أعلن في عام 2018 عن خطط لإعادة إحياء القوات البحرية الإثيوبية رغم كون البلاد حبيسة. وقد مثّل ذلك الإعلان جزءًا من محاولة ترسيخ صورة إثيوبيا كقوة إقليمية متكاملة الأركان، قادرة على حماية مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية.

وفي المحصلة، يبدو أن حزب الازدهار يسعى من خلال هذا المشروع الطموح إلى بناء إرث وطني مؤسسي يجعله الحزب المهيمن في النظام السياسي الإثيوبي لسنوات قادمة، سواء في ظل نظام تعددي محتمل (وإن كان مستبعدًا في المدى المنظور) أو في إطار استمرار نظام الحزب الواحد المركزي القابض، وهو السيناريو الذي يراه كثير من المراقبين الأكثر ترجيحًا في المدى القريب.

سابعًا: هشاشة النظام الدولي والإقليمي

يستند الخطاب الإثيوبي في تبرير اندفاعه نحو تحقيق هدف الوصول إلى البحر إلى قراءة براغماتية لطبيعة البيئة الدولية والإقليمية الراهنة، التي تشهد، وفق هذا الخطاب، حالة من الضعف أصبحت تعتري النظام الدولي في ضوء تراجع الالتزام بالقواعد التقليدية الناظمة للعلاقات بين الدول. إذ يرى صانع القرار الإثيوبي أن تراجع قدرة المجتمع الدولي على فرض احترام مبدأ سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، كما تجلى في حالات عديدة أبرزها ضم روسيا لشبه جزيرة القرم (آذار/مارس 2014)، يُمثّل دلالة على تغيرٍ جوهري واختبار حاسم في التمسط بمبادئ وقواعد النظام الدولي، ما يتيح فرصًا نادرة أمام الدول الطموحة (مثل إثيوبيا)لإعادة صياغة بعض الأوضاع الجيوسياسية.

في هذا السياق، يبدو أن النخبة الحاكمة في أديس أبابا تنظر إلى اللحظة الراهنة باعتبارها فرصة تاريخية “قد لا تتكرر” لتحقيق مشروعها بالوصول إلى البحر الأحمر، مستفيدة من انشغال القوى الكبرى بأزمات عالمية متشابكة، ومن ضعف فعالية النظام الإقليمي الإفريقي في إدارة النزاعات الكبرى. ومن ثمّ، فإن استعادة ميناء “عصب” تحت السيادة الإثيوبية يُقدَّم في هذا الخطاب كهدف مشروع يمكن تحقيقه “بأي وسيلة”، استنادًا إلى فرضية أن المعارضة الأولية من قبل الدول المتضررة أو المجتمع الدولي ستتلاشى تدريجيًا بمجرد فرض الأمر الواقع.

وتُظهر وثيقة “الاستراتيجية الرئيسية للجسمين المائيين” (حوض النيل والبحر الأحمر، أيار/ مايو 2024)، ذات الصلة السياسات والاستراتيجيات المائية والبحرية الكبرى في إثيوبيا أن الموقف الإثيوبي الرسمي يتكئ على مقاربة قانونية انتقائية، إذ تشير الوثيقةبوضوح إلى أنه “يتعذر العثور على قانون دولي يمنح مباشرة الدول غير الساحلية حق الحصول على منفذ بحري”21، لكنها في الوقت ذاته تلمّح إلى أن القانون الدولي ليس الحل الأمثل أو الأهم لهذه المعضلة، في إشارة واضحة إلى أولوية تستند إلى مقاربة القوة والواقع الجيوسياسي على الالتزامات القانونية الدولية الراسخة.

غير أن هذا الرهان على ضعف المواقف الدولية يحمل في طياته قدراً كبيراً من المغامرة؛ إذ إن منطقة البحر الأحمر تظل ذات أهمية استراتيجية بالغة لعدد من القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة، والصين، وفرنسا، وروسيا، إلى جانب القوى الإقليمية البارزة كمصر والسعودية والإمارات وتركيا وغيرها. ومن ثمّ، فإن أي محاولة لتغيير الوضع القائم بالقوة أو المساس بسلامة أراضي دولة عضو في الاتحاد الإفريقي، ستُواجَه على الأرجح بردود فعل حازمة دوليًا وإقليميًا.

علاوة على ذلك، فإن الاتحاد الإفريقي، بحكم مرجعيته القانونية والسياسية القائمة على مبدأ “احترام الحدود الموروثة من الاستعمار”، سيكون مضطرًا لاتخاذ موقف صارم من أي خطوة إثيوبية يمكن أن تُعد انتهاكًا صريحًا لوحدة وسلامة أراضي دولة إفريقية، خصوصًا إذا اقترنت بمحاولات لاستخدام القوة أو فرض واقع جديد يتنافى مع قواعد القانون الدولي ومبادئ الاتحاد نفسه.

ثامنًا: معضلة نمط الوصول إلى البحر

على الرغم من الجرأة التي يطرح بها الخطاب الإثيوبي مسألة أن البلاد تستحق الوصول السيادي إلى البحر، يظل هذا الطرح غامضًا ومربكًا من الناحية العملية. إذ يقصد بـ”الوصول السيادي” امتلاك ساحل على البحر والأراضي المتصلة به بالكامل تحت السيادة الإثيوبية، وهو ما يعني فعليًا تغييرًا للحدود الموروثة من الاستعمار.

حتى البدائل المقترحة، مثل الوصول عبر “تبادل الأراضي” أو “السيادة المشتركة”13، كما في وثيقة الجسمين المائيين أعلاه، تبدو غير قابلة للتطبيق عمليًا. فالموانئ والسواحل تُعد أصولًا استراتيجية لا يمكن التفريط فيها بسهولة، وأي أراضٍ ستُبادر إثيوبيا بتبادلها ستكون أقل قيمة من الموانئ التي تسعى للحصول عليها. كذلك، تتجنب أديس أبابا اللجوء إلى القوانين والتحكيم الدولي، خشية عدم الحصول على أحكام تصب في صالحها، كما يُظهر حكم محكمة العدل الدولية في النزاع بين شيلي وبوليفيا14، حيث رفضت المحكمة منح بوليفيا حق الملكية الدائمة عبر أراضي شيلي، مما يعكس صعوبة تحويل حقوق الاستخدام المؤقت إلى حقوق ملكية دائمة.

وفي سياق هذه التحديات، ظهرت محاولات إثيوبية لتقديم حلول عملية، مثل عرض إدارة ميناء تاجورة الجيبوتي بالكامل لتخفيف التوترات، إلا أن هذه المبادرة وُصفت بأنها غير كافية لتحقيق الهدف السيادي. وقد أشار الرئيس الجيبوتي إلى أن إثيوبيا طالبت بممر خارجي عن سيادة الأراضي ووجود قاعدة بحرية، وهو ما رفضته جيبوتي مؤكدًا أن: “جيبوتي ليست القرم”15.

وتشير وثائق “معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي”، وخصوصًا وثيقة “الاستراتيجية الرئيسية للجسمين المائيين” (حوض النيل والبحر الأحمر، أيار/ مايو 2024)، إلى أن الخيارات المتاحة لإثيوبيا محدودة، بما في ذلك تبادل الأراضي أو تقديم إغراءات اقتصادية لإريتريا، مثل حصة في الخطوط الجوية الإثيوبية مقابل الوصول الدائم إلى موانئها.

مع مرور الوقت، تغير تصور إثيوبيا لصعوبات الوصول إلى البحر، وبدأت تراهن على استعادة ميناء “عصب” الإريتري، مستندة إلى ضعف النظام الإريتري (أفورقي)، الذي كان معزولًا دوليًا وإقليميًا، وباتت إثيوبيا ترى في الخيار العسكري المباشر، سواء بالغزو أو حرب خاطفة أو حرب وكالة، وسيلة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية بسرعة.

عاشرًا: مواجهة النفوذ المصري

يمثل السعي الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر جزءًا من استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى موازنة النفوذ المصري المتنامي في كلٍّ من القرن الإفريقي الكبير وحوض البحر الأحمر. فوفقًا للخطاب السياسي والإعلامي السائد في أديس أبابا، تُقدَّم مصر بوصفها “عدوًّا تاريخيًّا” يسعى باستمرار إلى إضعاف إثيوبيا وزعزعة استقرارها عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية وإقليمية متنوعة.

وفي هذا السياق، تشير وثيقة “الاستراتيجية الرئيسية للجسمين المائيين”16 إلى أبرز ملامح السياسة الخارجية المصرية الرامية إلى محاصرة الدور الإثيوبي في كلٍّ من حوض النيل والبحر الأحمر، سواء عبر مشاريع مائية أو تحالفات إقليمية.

وعلى الرغم من دعوات بعض الباحثين الإثيوبيين إلى ضرورة انضمام بلادهم إلى “منتدى الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن” أو (منتدى الرياض)17، تفاديًا لعزلها عن المنصات التي تعزز المصالح المصرية وضمان مصالحها الحيوية في إطار اقليمي، فإن أديس أبابا اتخذت موقفًا متحفظًا ومتشككًا تجاه “منتدى الرياض” الذي تأسس عام 2018 ودُشِّن رسميًا في 6كانون الثاني/ يناير 2020، وتضم عضويته- بالإضافة إلى المملكة العرية السعودية – كلًّا من: مصر، الأردن، جيبوتي، الصومال، السودان، اليمن، وإريتريا.

وترى إثيوبيا أن هذا المنتدى يمثل أداةً لتكريس النفوذ المصري في البحر الأحمر، في حين تؤكد القاهرة مرارًا أن حوكمة البحر الأحمر يجب أن تظل حصرًا في يد الدول المشاطئة له، أي المطلة مباشرة على سواحله، الأمر الذي يستبعد الدول غير الساحلية،وفي مقدمتها إثيوبيا، من أي ترتيبات أو مناقشات تخص الأمن والاستقرار في المنطقة. وتعكس هذه الرؤية المصرية رفضًا قاطعًا للطموحات الإثيوبية المتعلقة بالوصول السيادي إلى البحر.

انطلاقًا من ذلك، تتبنى إثيوبيا سياسة مواجهة مزدوجة تجاه مصر في كلٍّ من حوض النيل وحوض البحر الأحمر، تقوم على معادلة صفرية ترى أن أي مكسب تحققه القاهرة يُعد خسارة لأديس أبابا، والعكس صحيح.

وفي ضوء هذا التنافس الاستراتيجي، تعتبر الحكومة الإثيوبية، بقيادة آبي أحمد، أن تحقيق حلمها بالوصول إلى البحر الأحمر يُعد مدخلًا لتعزيز نفوذها الإقليمي وترسيخ حضورها في منظومة الأمن البحري في المنطقة، انطلاقًا من قناعتها بأن أمن إثيوبيا وسيادتها الوطنية مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالمائين18 معًا: مياه النيل ومياه البحر الأحمر.

خاتمة

رغم الطموح الواضح والمعلن للوصول إلى البحر، فإن هذه المساعي أضافت مزیدًا من التوترات في القرن الأفريقي الكبير، وهي منطقة تتسم أصلًا بعدم الاستقرار والصراعات المزمنة والأزمات السياسية والاقتصادية.

لقد اصطدمت الطموحات الإثيوبية بمعطيات صعبة، سواءً مع الصومال أو إريتريا، بما يشمل رفض الطرفين التدخل في سيادتهما، إلا أن إثيوبيا لا تزال تظهر تصميمًا على تحقيق هدفها الاستراتيجي. وفي كلتا الحالتين، راهنت أديس أبابا على ضعف الدولة وهشاشة الأنظمة الحاكمة في تلك البلدان لتحقيق هدف الوصول إلى البحر، وهو ما أوقف المسعى مع الصومال وأثار مخاوف من مواجهة مسلحة مع إريتريا، كما عزز المخاوف الإقليمية والدولية بشأن نزعة توسعية محتملة لإثيوبيا على حساب أراضي جيرانها.

بالتالي، يبقى تحقيق الوصول السيادي إلى البحر تحديًا استراتيجيًا معقدًا، يتطلب موازنة دقيقة بين الطموحات الوطنية والقيود الدولية والقانونية والإقليمية، مع إدراك المخاطر العالية لأي تحرك أحادي الجانب قد يؤدي إلى تصعيد الصراعات الإقليمية.

_______________

الهوامش

Biruk terrefe, Ethiopia’s res sea politica: corridors, ports, and security in the horn of africa, rift valey instutute, XCEPT (cross- border conflict evidence/ poliy/trends).march 2025, p 20.

Biruk terrefe, Ethiopia’s res sea politica: corridors, ports, and security in the horn of africa, rift valey instutute, XCEPT (cross- border conflict evidence/ poliy/trends).march 2025, p 7.

 Yared Seyoum, Ex-Somaliland Leader Tells What Went Wrong With Ethiopia’s Sea Access .Birrmetrics, September 6, 2025https://birrmetrics.com/ex-somaliland-leader-tells-what-went-wrong-with-ethiopias-sea-access-deal/

 . 4Aditya Sarkar Two-Level Game or the Primacy of Domestic Politics? Ethiopia’s Regional Foreign Policy after 2018 . p10,22.

. 5Aditya Sarkar Two-Level Game or the Primacy of Domestic Politics? Ethiopia’s Regional Foreign Policy after 2018.. p 7,9,10.

“الاستراتيجية الرئيسية للجسمين المائيين )حوض النيل والبحر الأحمر(“، معهد الشؤون الخارجية (IFA)؛ أديس أبابا. أيار/ مايو .2024. ص 69.

نفس المصدر، ص 73.

نفس المصدر، ص 47.

Oromia sets up its own sovereign wealth fund, 22/07/2025 Africa Intilligence ,

Abiy’s Red Sea Delusion: Oromo Voices Reject Ethiopia’s War Rhetoric, The Mesob Journal, october 16, 2025. https://mesobjournal.com/post/abiy-red-sea-delusion-oromo-reject-war

Landlocked Ethiopia Plans to Build Navy, Prime Minister Says. Horn diplomat, 3 June,2018,
. https://www.horndiplomat.com/2018/06/landlocked-ethiopia-plans-to-build-navy-prime-minister-says/

الاستراتيجية الرئيسية للجسمين المائيين، مصدر سابق. ص 64.

الاستراتيجية الرئيسية للجسمين المائيين، مصد، سابق، ص 127.

الاستراتيجية الرئيسية للجسمين المائيين، مصدر سابق، ص 56.

Ismail Omer Guelleh: ‘the Emiratis are deeply destabilizing for the ergion’ Afric reports
س May,23

الاستراتيجية الرئيسية للجسمين المائيين، مصدر سابق. صص بين 41-45. وأيضاً الصفحات: 120 و121.

Mohammed Seid Mohammed, “Thr Red Sea Coucil (RSC): Opportunties And Threats for Ethiopia’s National Security” on: Red Sea Dialouge Regional Consultative Forum on Red Sea Cooperation At the Time of Global Series Series-ll. 30the may 2024. p 47.  Addiss Ababa.,Geopolitical shifts

الاستراتيجية الرئيسية للجسمين المائيين، مصدر سابق، ص 7. 

كاتب

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى