دوافع ومؤشرات التمدد الهندي في إفريقيا
في ظل التدافع الدولي على القارة الإفريقية، واشتداد وتيرة التنافس الجيوسياسي حولها باعتبارها محورًا رئيسيًا ضمن دائرة المصالح الاستراتيجية للقوى العالمية، كالولايات المتحدة والصين وروسيا الاتحادية، تبرز الهند كقوة طامحة إلى توسيع انخراطها في إفريقيا وانتزاع دور قيادي في الجنوب العالمي، عبر تقديم نفسها كفاعل مستقل ونموذج بديل للشراكة يمكن لحكومات الدول الإفريقية التعويل عليه في تعزيز التنمية وبناء الأمن المُستدام.
وتتجاوز محاولات التمدد الهندي في القارة المصالح التقليدية، مستهدفةً تطوير شراكات عميقة ودائمة في مجالات التجارة والطاقة والأمن، وغيرها من المجالات الاستراتيجية، في إطار مسعى نيودلهي لتحقيق مزيج مركَّب من الأهداف والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية والأمنية التي من شأنها تعزيز مكانتها كلاعب رئيسي وفاعل مؤثر على الساحة الدولية.
ارتباطًا بما تقدم، يطرح النفوذ الهندي المتصاعد في القارة الإفريقية عديدًا من التساؤلات حول دوافعه ومؤشراته. من هنا تحاول هذه الورقة الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال ثلاثة محاور رئيسية؛ حيث يتتبع المحور الأول التطوُّرات التاريخية للعلاقات الهندية الإفريقية التي شكَّلت ملامح العلاقات الثنائية الراهنة، ويعالج المحور الثاني دوافع ومبررات التوجه الهندي نحو إفريقيا، فيما يرصد المحور الثالث والأخير أبرز المؤشرات الكاشفة عن تصاعد النفوذ الهندي في القارة.
أولًا: تطور العلاقات الهندية الإفريقية: من النضال المشترك إلى الشراكة الاقتصادية
تربط الهند بالقارة الإفريقية علاقات قديمة متعددة الأوجه ترتد بجذورها إلى قرون مضت، ارتكزت في بداياتها على الروابط التجارية والتبادل الثقافي، ثم النضال المشترك ضد الاستعمار وصولًا إلى الشراكة الحديثة القائمة على التنمية والتعاون الاقتصادي.
فالهند، كما عديد الدول الإفريقية، رزحت تحت نير الاحتلال البريطاني لعقود طويلة، وقد ألهم كفاحها ضد الاستعمار، بقيادة المهاتما غاندي Gandhi، وجواهر لال نهرو Jawaharlal Nehru، وآخرين، الكثير من القوميين الأفارقة، كما دعمت الهند حركات التحرّر الوطني الإفريقية، فكانت في طليعة الدول التي سارعت إلى الاعتراف بالبلدان الإفريقية التي نالت استقلالها منذ أواسط خمسينيَّات القرن الماضي وشرعت في إرسال مبعوثيها لإقامة علاقات دبلوماسية مع حكومات هذه الدول المُستقلة.
واصلت الهند دعمها للدول الإفريقية لحفزها على تبني الديمقراطية وتوسيع نطاق حقوق الإنسان؛ لذا فقد عارضت نيودلهي نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) الذي طبّقته حكومة الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا، وانخرطت في العقوبات الدولية ضدها حتى تسعينيّات القرن الماضي.
كما بادرت بإرسال قواتها مع اندلاع أزمة الكونغو الديمقراطية (1960- 1965) لمساعدة حكومتها على استعادة الأمن والاستقرار، وفي الوقت ذاته وسّعت الهند شراكاتها مع دول القارة في عدة مجالات، أهمها إنتاج الأدوية والأسمدة، وتكنولوجيا المعلومات، وتنوعت صادرات الهند إلى إفريقيا لتشمل المواد الغذائية والمنسوجات والورق والأدوية، وغيرها.
كما انخرطت الهند، منذ أواخر السبعينيّات فصاعدًا، في عدة مبادرات كان الهدف منها تشجيع التعاون بين بلدان الجنوب ودعم الحكومات الإفريقية في مواجهة الصعوبات الناجمة عن الركود وتباطؤ النمو الاقتصادي[1].
بعد نهاية الحرب الباردة، توسّعت الهند في استراتيجيتها تجاه القارة الإفريقية؛ إذ لم تعد سياسة نيودلهي الخارجية إزاء دول القارة مدفوعةً بالأجندة السياسية والأيديولوجية مثلما كان الوضع في مرحلة الثنائية القطبية؛ حيث قررت الهند، عوضًا عن ذلك، انتهاج سياسة أكثر برجماتيةً من خلال الدبلوماسية الاقتصادية، سعيًا منها لاستقطاب الحكومات الإفريقية وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني معها، وفتح مجالات جديدة للتعاون في قطاعات الطاقة، والصحة، والتكنولوجيا، والتجارة، والتنمية، وغير ذلك من القطاعات الأخرى.
في سياق هذا التحوّل الاستراتيجي صوب القارة الإفريقية، اتخذت الهند خطوةً رئيسيةً لتعزيز الشراكة والتعاون الثنائي مع إفريقيا خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تمثلت في إطلاق قمّة “منتدى الهند وإفريقيا” عام 2008، بحضور زعماء 14 دولةً ومنظمةً إقليميةً، وفي أعقاب تلك القمة، أرتفع حجم التبادل التجاري بين الطرفين إلى 72 مليار دولار عام 2015.
وفي إطار هذا المنتدى، أطلقت الهند مبادرةً ترمي إلى تعزيز المرافق والبنية التحتية لبعض الصناعات الرئيسية في قطاعات مثل تصنيع الأغذية والمنسوجات، كما أعلنت الحكومة الهندية عن افتتاح 19 مؤسسةً لبناء القدرات، بما في ذلك المؤسسات الإفريقية في شرق القارة، ومعهد الهند وإفريقيا للتعليم والتخطيط والإدارة في بوروندي.
وتعهدت كذلك ببناء أكثر من 100 معهد تدريبي في جميع أنحاء القارة، فضلًا عن تقديم منح دراسية للطلاب الأفارقة الراغبين في استكمال دراستهم في جامعاتها[2].
وبفضل جهود الحكومة الهندية وضغوطها الدبلوماسية، تمكّن الاتحاد الإفريقي من الانضمام إلى مجموعة العشرين G-20 كعضو كامل، أسوةً بالاتحاد الأوروبي، خلال قمّة نيودلهي التي عقدت في سبتمبر 2023؛ حيث وصف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي Narendra Modiإفريقيا بأنها “أولوية الهند القصوى”، قبل ذلك، وتحديدًا في يونيو 2023، اجتمع قادة الحكومات والقطاع الخاص والصناعة الأفارقة والهنود في العاصمة الهندية لحضور المؤتمر الهندي الإفريقي الثامن عشر الذي استضافه بنك التصدير والاستيراد الهندي (EXIM) بالشراكة مع وزارتي الخارجية والتجارة الهنديتين[3].
بالإضافة إلى ذلك، تعد الهند من بين الدول التي أظهرت دعمًا وتأييدًا واضحًا إزاء مسألة منح القارة الإفريقية تمثيلًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، من أجل تعزيز دور القارة وتوسيع مشاركتها في صياغة القرار العالمي.
ثانيًا: الدوافع المحفزة للتمدد الهندي في إفريقيا
يمكن القول إن الاهتمام الهندي بإفريقيا له جوانب متعددة، فهو مدفوع بعدة اعتبارات اقتصادية واستراتيجية وسياسية، كما يعكس هذا الاهتمام مزيجًا من الضرورات الاقتصادية والطموحات الاستراتيجية؛ حيث تتطلّع نيودلهي إلى تعميق التعاون والشراكة مع دول القارة، سعيًا منها لتحقيق أهدافها التنموية والاقتصادية وتعزيز مكانتها كقوة عالمية.

1. الدوافع السياسية
تبرز إفريقيا كمنطقة رئيسية في طموحات الهند الخارجية، نظرًا لإمكاناتها الاقتصادية وأهميتها الجيوستراتيجية في بنية القوة العالمية. فهي تمثل مدخلًا مهما لتأكيد الدور القيادي للهند داخل الجنوب العالمي وتعزيز مكانتها كقوة عالمية ناشئة.
وتحقيقًا لهذا الدور، تدرك الهند بشكل متزايد أهمية الاعتراف بها كقوة مؤثرة من قبل الدول الإفريقية؛ وهو ما يفسر جهودها لبناء علاقات ودية مع دول القارة من خلال تقديم نفسها كفاعل استراتيجي مستقل، لديه سياسات متمايزة عن سياسات القوى العالمية الأخرى، كالولايات المتحدة والصين، وعن المؤسسات الدولية الخاضعة لهيمنة الغرب مثل البنك وصندوق النقد الدوليين، التي تتّهم بالاستغلال ومحاولة تكريس التبعية الاقتصادية لدول القارة[4].
ومن الدوافع السياسية الأخرى المحفزة لتوجه الهند نحو القارة الإفريقية، رغبة نيودلهي في الاستفادة من الثقل السياسي لدول القارة في المحافل الدولية، ولاسيّما الأمم المُتحدة؛ حيث تعد إفريقيا الأكبر تمثيلًا في المنظمة الأممية بإجمالي 54 دولةً، مما يجعلها تتمتع بأكبر قوة تصويتية.
لذلك تعمل الهند على توسيع انخراطها الدبلوماسي مع دول القارة، سعيًا منها لاستمالة حكوماتها إلى جانبها فيما يتعلق بالملفات والقضايا الدولية التي تشكل أولويةً بالنسبة لنيودلهي وتحتاج إلى دعم وتأييد سياسي واسع.
2. الدوافع الاقتصادية
تعد الدوافع الاقتصادية، بلا شك، المحرك الرئيس لتوجه الهند وتوسيع انخراطها في إفريقيا؛ إذ تلعب هذه الأخيرة دورًا استراتيجيًّا في وصول الهند إلى موارد النفط والغاز اللازمة لاستدامة الزخم الاقتصادي الهندي، فحوالي 15 في المائة من إجمالي واردات الهند النفطية تأتي من إفريقيا.
تمتلك إفريقيا ثروات طبيعية هائلة، لاسيّما المعادن الأرضية النادرة، مثل الكوبالت والليثيوم والبلاتين والنحاس واليورانيوم، والتي أصبحت مصدرًا للتنافس العالمي بين القوى الكبرى، ….
وتعكس الاستثمارات الهندية في قطاع النفط والغاز الإفريقي، وخاصةً في دول موزمبيق ونيجيريا، عزم نيودلهي تعزيز شراكاتها الاقتصادية في هذا القطاع وتنويع وارداتها من الطاقة وتقليل اعتمادها على أسواق غرب آسيا المتقلبة[5].
ومع تسارع وتيرة نمو الاقتصاد الهندي خلال السنوات الأخيرة؛ حيث تحتل الهند المرتبة الخامسة عالميًا متجاوزةً المملكة المتحدة وفرنسا من حيث الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، ويتوّقع أن تتجاوز الاقتصادين الألماني والياباني في المستقبل القريب، فإن القارة الإفريقية، التي تضم نحو 1.3 مليار نسمة وتضم أكبر منطقة تجارة حرة في العالم، تشكل بذلك سوقًا ضخمة للواردات والسلع الهندية، إذ لا تمثل المنتجات الهندية، حتى اليوم، سوى 6% من إجمالي واردات القارة.
علاوةً على ذلك، تمتلك إفريقيا ثروات طبيعية هائلة، لاسيّما المعادن الأرضية النادرة، مثل الكوبالت والليثيوم والبلاتين والنحاس واليورانيوم، والتي أصبحت مصدرًا للتنافس العالمي بين القوى الكبرى؛ لذا تتطلع الهند للوصول إلى هذه المعادن وضمان حصتها منها في إطار جهودها للتحوُّل نحو الطاقة والصناعات النظيفة.
3. الدوافع الأمنية
تحظى الدول الإفريقية الساحلية والدول الجزرية في منطقة المُحيط الهندي، والتي تعتبرها الهند جزءًا من جوارها الإقليمي المُمتد، بأهمية متزايدة في مجال السياسة الأمنية لنيودلهي؛ حيث تطمح هذه الأخيرة لأن تصبح مزودًا أمنيًا لدول المنطقة لمُعادلة تأثير النفوذ الصيني المتنامي، ولهذا السبب تحديدًا، تركز الحكومة الهندية على توسيع بحريتها، وهو ما تجلى في تسيير حاملات طائرات هندية وسفن حربية أخرى بانتظام في غرب المُحيط الهندي[6].
وفي إطار سعيها لتعزيز وجودها الأمني والعسكري في المنطقة، أعربت الهند، كما دول أخرى مثل روسيا الاتحادية، عن رغبتها في إقامة قاعدة عسكرية لها في جيبوتي، الدولة الصغيرة المطلة على مضيق باب المندب الاستراتيجي؛ حيث تحتضن هذه الدولة، رغم صغر مساحتها، عددًا كبيرًا من القواعد العسكرية للقوى الكبرى، كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان، بالإضافة إلى الصين التي افتتحت قاعدتها العسكرية في أغسطس 2017.
ثالثًا: مؤشرات تنامي النفوذ الهندي في القارة الإفريقية
برز خلال السنوات الماضية عدد من المؤشرات الدالة على تصاعد النفوذ الهندي في إفريقيا، وفيما يلي أبرز تلك المؤشرات:

1. زيادة الاستثمار والتبادل التجاري
فخلال السنوات الخمس الماضية، باتت الهند من بين أكبر خمسة مستثمرين في إفريقيا؛ حيث بلغ إجمالي استثماراتها في القارة حوالي 74 مليار دولار، وتسعى نيودلهي إلى مضاعفة هذا الحجم ليصل إلى 150 مليار دولار بحلول عام 2030 [7]، وتعبّر “مبادئ كمبالا”، التي أعلن عنها رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، خلال زيارته إلى أوغندا عام 2018، عن أهداف نيودلهي في الاستثمار الإفريقي الذي زاد بنسبة 18 في المئة بشكل سنوي منذ عام 2003.
حيث تضمنت هذه المبادئ وعودًا بفتح الأسواق، والاستثمار في قطاعات التعليم، والبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، والتحسينات الزراعية، والرعاية الصحية أيضًا، ويلاحظ أن الاستثمارات الهندية قد تركزت في دول شرق إفريقيا على نحو خاص مستهدفةً مجالي التصنيع والخدمات المالية والعقارية[8].
كما أصبحت الهند اليوم ثالث أكبر شريك تجاري للقارة الإفريقية بعد الصين والاتحاد الأوروبي، بل إنها قد تجاوزت الصين في بعض الأسواق الرئيسية مثل كينيا؛ حيث بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 93 مليار دولار أمريكي عام 2022 أي بزيادة قدرها تسعة أضعاف مقارنةً بمطلع القرن الحالي[9].
وتسعى الهند لاستغلال تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المُتحدة والصين، لتقدم نفسها كشريك مستقل لدول القارة الإفريقية، بعيدًا عن التقلبات التجارية العالمية الناجمة عن هذه التوترات.

2. تزايد مبيعات السلاح الهندي إلى إفريقيا
برزت الهند خلال الآونة الأخيرة كدولة رائدة في تصدير المنتجات الدفاعية؛ حيث زادت مبيعاتها من الأسلحة المُنتجة محليًا، بما في ذلك الأسلحة الصغيرة والطائرات وأنظمة الصواريخ المطوّرة، إلى الجيوش الإفريقية، مدفوعةً بطموحاتها لتوسيع نفوذها ورغبتها في أن تصبح موردًا رئيسًا للسلاح إلى القارة السمراء، وتعوِّل الهند في هذا المسار على التكلفة المعقولة لأسلحتها، مما يجتذب إليها الدول الفقيرة التي لا تتحمل تكلفة شراء الأسلحة والمعدات الغربية أو الروسية.
وقد حققت الهند بالفعل اختراقات قوية في سوق الأسلحة الإفريقية، فبحلول نهاية 2023 وقعت نيجيريا صفقةً بقيمة مليار دولار مع الهند لتعزيز صناعتها الدفاعية، إلى جانب ذلك بدأت بوتسوانا محادثات مع شركة هندوستان أيرونوتيكس ليمتد Hindustan Aeronautics Limited (HAL) التابعة للحكومة الهندية لشراء سرب واحد من طائرات تيجاس المقاتلة لتعزيز قدراتها الدفاعية، كما أبدت مصر بدورها اهتمامًا لشراء نظام أكاش Akash الصاروخي، المطوّر من قبل منظمة البحث والتطوير الدفاعي الهندية (DRDO)، وهو نظام صواريخ أرض/ جو متوسط المدى يمكنه تحييد الأهداف الجوية كالطائرات المقاتلة وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية، لكن هذه الصفقة لم تبرم حتى اليوم[10].
3. تنفيذ مناورات عسكرية مشتركة
انخرطت الهند مؤخرًا في مناورات عسكرية بحرية مع عدد من الدول الإفريقية في إطار تعزيز التعاون العسكري والأمني بين الجانبين، كما تعد هذه المناورات جزءًا من استراتيجية الهند الرامية إلى توطيد نفوذها في القارة الإفريقية، وتحمل في مضمونها رسائل سياسية للدول الأخرى، وعلى رأسها الصين.
فقد شاركت الهند، في أبريل 2025، إلى جانب عشر دول إفريقية، ضمَّت بجانب تنزانيا – الدولة المُضيفة – كلاً من جنوب إفريقيا وجيبوتي وجزر القمر ومدغشقر وكينيا وموريشيوس وموزمبيق وإريتريا وسيشل، في مناورات بحرية هي الأولى من نوعها قبالة السواحل التنزانية على المحيط الهندي، أطلق عليها “الاشتباك البحري الرئيسي بين إفريقيا والهند (AIKEYME)” وفيما كان الهدف المعلن لهذه المناورات هو تعزيز العلاقات الدفاعية بين الدول المُشاركة وزيادة قدرتها على الاستجابة للتهديدات الأمنية، كالقرصنة والهجرة غير الشرعية، فإن الهدف غير المعلن منها يتمثل في موازنة النفوذ الصيني المتنامي في المحيط الهندي.
وضمن السياق ذاته، أعلن رئيس الوزراء الهندي، خلال زيارته لموريشيوس في مارس 2025، عزم بلاده إطلاق مبادرة بحرية جديدة “IOS Sagar” ترمي إلى تعزيز دور الهند كـشريك أمني ومستجيب أول في منطقة المُحيط الهندي، من خلال نشر السفينة البحرية الهندية (INS Sunayna) في منطقة جنوب غرب المحيط الهندي بطاقم مشترك من الهند والدول الإفريقية المذكورة التي شاركت في مناورات الاشتباك البحري الرئيسي[11].
4. توسيع المساعدات التنموية
شهدت السنوات الماضية توسعًا مطردًا في حجم المُساعدات التنموية الهندية المقدمة لإفريقيا، فبحلول عام 2020، أنجزت الهند 194 مشروعًا تنمويًا في 37 دولةً إفريقية، بالإضافة إلى 77 مشروعًا إضافيًا لا يزال جاريًا، مما يجعل إفريقيا أكبر متلقٍ لبرنامج التعاون الفني والاقتصادي الهندي (ITEC)، كما أن نصف التمويل الدولي لبنك التصدير والاستيراد الهندي يذهب للمساعدات الفنية والتنموية في إفريقيا[12].
5. دعم جهود السلام الإفريقية
تمتنع الهند في سياستها الخارجية عن الانخراط في الصراعات الإفريقية أو التحيز لأطراف ضد أخرى، ومع ذلك دأبت الهند، منذ انضمامها إلى عملية الأمم المُتحدة في الكونغو (ONUC) في ستينيّات القرن الماضي، على المشاركة في جميع عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في القارة الإفريقية.
فقد شاركت القوات الهندية في أنغولا، وليبريا، والكونغو، وإريتريا، وكوت ديفوار، وموزمبيق، كما ساهمت أيضًا في البعثات الموفدة إلى سيراليون، والسودان، وجنوب السودان[13]. وهي تشارك اليوم كمساهم رئيسي في عمليات حفظ السلام الخمس الجارية في القارة.
وتعكس مساهمة الهند النشطة في بعثات السلام الأممية رغبتها في دعم جهود الأمن والاستقرار في إفريقيا، وتأكيد أحقيتها في انتزاع مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة.

الخاتمة
يمكن القول إن تزايد النفوذ الهندي في إفريقيا يعكس تنامي قوة الهند الاقتصادية واتساع نطاق مصالحها السياسية واحتياجاتها الأمنية؛ إذ تمثل إفريقيا مدخلًا لتعزيز طموح الهند في قيادة الجنوب العالمي وكبح النفوذ الصيني وموازنته في منطقة المحيط الهندي، وهي تشكل أيضًا مصدرًا رئيسًا لتأمين حصولها على النفط والغاز والمعادن الأرضية النادرة، وسوقًا ضخمة لتصريف منتجاتها الوطنية.
وبالتالي فإن التوجه الهندي نحو إفريقيا، والذي تحكمه جملة من الاعتبارات السياسية والاقتصادية، يتجاوز تحقيق المصالح التقليدية ويعكس مزيجًا مركبًا من الضرورات الاقتصادية والطموحات الاستراتيجية التي تكشف عن مساعي الهند للصعود كقوة عالمية ناشئة والاضطلاع بدور قيادي في النظام الدولي.
__________________
المصادر
[1] Paul Chiudza Banda, India-Africa Relations: 1947 to the Present, The Diplomatist, 26 August 2020, available at: https://n9.cl/oj63iv
[2] Emmanuel E. Obuah, George B. L. Komi, Assessing Africa-India Relations, from the 15th-21st Century, Scientific Research and Academic publisher, April 2024, available at: https://n9.cl/vgr80
[3] Paul Nantulya, Africa-India Cooperation Sets Benchmark for Partnership, African Center for Strategic Studies, 12 December 2023, available at: https://n9.cl/o3mrn
[4] Harry Clynch, Modi’s mission: Africa ties targeted in India’s superpower quest, African Business, 20 October 2023, available at: https://n9.cl/2jaha
[5] Bilal Habib Qazi, Hussain Abbas, and Irfan Qaisrani, Explaining India’s Africa policy: power ambitions and pro-active strategies, Nature Portfolio, 1 July 2025, available at: https://n9.cl/x146d
[6] Philipp Gieg, India and Africa: Deepening a Millenia-Old Relationship, Universitat Wuerzburg, available at: https://n9.cl/d65qhg
[7] Oindirla Mukherjee, Examining the impact of Indian Investments in Africa, Raising House, 9 January 2024, available at: https://n9.cl/m1pjl
[8]Ian Oxnevad, India and China compete to shape Africa’s economic future, Geopolitical Intelligence Services AG, 18 June 2025, available at: https://n9.cl/o5ldsi
[9] Harry Clynch, India’s largest naval exercises with Africa flaunt expanded influence, African Business, 17 April 2025, available at: https://n9.cl/73ejot
[10] Ekene Lionel, One year later, no sign of India’s “affordable” weapons in Africa, Military Africa, 12 July 2024, available at: https://n9.cl/eecqc
[11] Indian Navy To Participate In Multilateral Maritime Exercise With African Nations, DD News, 24 March 2025, available at: https://n9.cl/c89jn0
[12] Agnieszka Paczyńska, China and India’s Roles in Providing Development and Peace building Assistance in Africa, Lee Kuan Yew School of Public Policy , 29 March 2024, available at: https://n9.cl/8n6mo
[13] Anit Mukherjee, “At the crossroads: India and the future of UN peacekeeping in Africa”, Brookings, 20 October 2015, available at: https://n9.cl/zui6h




