الحكومة الموازية في دارفور.. سيناريوهات الوحدة أم التقسيم في السودان؟
أعلنت مجموعة (تحالف السودان التأسيسي- تأسيس) من نيالا عاصمة جنوب دارفور عن ما أطلقت عليه حكومة موازية تتألف من مجلس رئاسي مكون من 15 عضواً برئاسة قائد مليشيا الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، ومجلس وزراء برئاسة عضو مجلس السيادة سابقاً، محمد حسن التعايشي.
وأسندت الهيئة القيادية للتحالف منصب نائب المجلس الرئاسي لرئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان -شمال، عبد العزيز الحلو، في خطوة تثير مخاوف بشأن إنزلاق السودان لسيناريو التقسيم، وفي ظل وجود عقبات أساسية أمام هذه السلطة للحياة وحصد الاعتراف الدولي، يبدو أنها ستكون مجرد فرقعة إعلامية عابرة تتجاوزها البلاد لصالح السودان الموحد.
حكومة الدعم السريع الموازية.. خلفية التشكيل
تعود القصة إلى نهاية فبراير/شباط الماضي، حينما وقَّعت أكثر من 20 كياناً سياسياً وفصيلاً مسلحاً على رأسها الدعم السريع، والحركة الشعبية -شمال بزعامة عبد العزيز الحلو في العاصمة الكينية نيروبي ميثاقا سياسيا لتشكيل حكومة موازية تحت شعار “السلام والوحدة”، في إطار سعيهم لتيسير دخول واردات الأسلحة المتقدمة إلى البلاد، وسحب الشرعية من الحكومة الحالية التي يقودها الجيش.
وتهدف هذه الحكومة على حد قولهم إلى إنهاء الحرب، وتحقيق السلام الشامل، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، وقد أثار توقيع ميثاق نيروبي بين الدعم السريع والمكونات المتحالفة معه آنذاك، قلق الأمم المتحدة والولايات المتحدة، الذي اعتبرته “تصعيداً جديداً”.
وبعد شهر من إقرار هذا الميثاق، وقعت فصائل التحالف على دستور انتقالي نص على أن السودان “دولة علمانية ديمقراطية لامركزية ذات هوية “سودانوية”، تقوم على فصل الدين عن الدولة“، ونصّ الدستور الانتقالي المكوّن من 16 صفحة، على خضوع الجيش الجديد منذ تأسيسه للرقابة المدنية، ومنع تدخله في السياسة أو الاقتصاد. وأكد التزامه بالعدالة والمحاسبة وإنهاء الإفلات من العقاب، إلى جانب حظر تأسيس أي حزب أو تنظيم سياسي على أساس ديني أو عرقي. كما جرّم الدستور الانتقالي كل أشكال التطرف والانقلابات العسكرية واستغلال الدين لأغراض سياسية، ودعا إلى إنشاء جهاز أمني مستقل، لا يخضع لأي ولاءات أيديولوجية أو سياسية أو حزبية.
وبشأن نظام الحكم في السودان أقر الدستور الانتقالي لهذا التحالف أنه يقوم على اللامركزية السياسية، والإدارية، والقانونية، والمالية، وأن الدولة السودانية تؤسس على الوحدة الطوعية، والإرادة الحرة لشعوبها، واحترام التنوع والتعدد العرقي والديني والثقافي والمساواة بين جميع الأفراد والشعوب في الحقوق والواجبات، وأن تكون الفترة الانتقالية من مرحلتين، وهما “الفترة ما قبل الانتقالية التأسيسية، الفترة الانتقالية التأسيسية”. وتبدأ الفترة ما قبل الانتقالية التأسيسية من تاريخ سريان هذا الدستور، وتستمر حتى الإعلان الرسمي عن إنهاء الحروب.
وفيما يتعلق بمستويات الحكم، نص هذا الدستور على 3 مستويات للحكم، وهي “المستوى الاتحادي”، و”المستوى الإقليمي”، و”الحكم المحلي”، كما منح مستويات الحكم المختلفة اختصاصات، وسلطات حصرية ومشتركة وموارد يحددها القانون.
كما يجوز لكلِ إقليم اختيار الاسم المناسب لمستوى الحكم المحلي، وحدد الدستور عدد 8 أقاليم للسودان وهي “إقليم الخرطوم، الإقليم الشرقي، الإقليم الشمالي، إقليم دارفور، الإقليم الأوسط، إقليم كردفان، إقليم جنوب كردفان/جبال النوبة، إقليم الفونج الجديد”، وأقر أن يكون لكل إقليم دستور يراعى خصوصيته، دون المساس بطبيعة الدولة المنصوص عليها في هذا الدستور.
الحكومة الموازية .. سلطة إسفيرية غير قابلة للحياة
حكومة الدعم السريع الموازية لا تعدو أن تكون سلطة اسفيرية إفتراضية؛ فأي حكومة لا بد أن تقوم علي أرض مستقلة، وبحدود جغرافية واضحة المعالم ومعترف بها دوليا، وتقوم أيضا علي شعب تستطيع أن تستمد منه السلطة والقوة والدعم ، وهي أشياء لا تملكها مجموعة “تأسيس”.
ومن المفارقة أنه مع إعلان هذه الحكومة أعلنوا أيضاً تعيين ولاة لأقاليم السودان في الوسط والشمال والشرق والنيل الأزرق والخرطوم، وهي المناطق التي كان أهلها يحتفلون بانتصارات الجيش والقوات التي تقاتل في صفوفه، وإخراجه «قوات الدعم السريع» منها. هذه التعيينات تضيف بلا شك إلى عبثية المشهد، لسببين؛ الأول أنه لا أمل لهؤلاء «الولاة» في تسلم سلطة فعلية على هذه المناطق، ولا معطيات حقيقية بإمكانية عودة «الدعم السريع» للسيطرة عليها.
والثاني أنه حتى عندما كانت قواتها تسيطر عليها سابقاً فإن الإدارات المدنية التي شكلتها فيها لم تكن سوى مسميات وهمية لا وجود حقيقياً لها، ولا إنجازات، ما يعني هذه السلطة لا تملك من الإدراك السياسي والأمني ما يؤهلها لبناء تصور مستقبلي لحكومتها المقامة اليوم في نيالا، بدليل تعينيها والياً جديداً لولاية الخرطوم وهي لم تتقدم قيد أنملة في الفاشر الملاصقة لمناطق حواضنها الشعبية.
وقد سارعت منظمات دوالية كبرى على رأسها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد”، ودول كذلك منها الولايات المتحدة ودولا أخرى بالإعلان أنها لن تعترف بحكومة في مناطق الدعم السريع، وعدّتها خطوة لتمزيق البلاد. غير أن بعض الدول -خاصة المرتبطة بمصالح مع قوات الدعم السريع والدول الإقليمية التي تقف خلفها- قالت أنها يمكن أن تتعامل معها من دون أن تعترف بها، لأن الاعتراف ربما يشجع كيانات ومليشيات أخرى في المنطقة، مشيرا إلى حكومة شرق ليبيا وأرض الصومال.
تقود قراءة سياقات اقدام الدعم السريع على إعلان حكومته الموازية، إلى هناك الكثير من العقبات العملية الأساسية تواجه ما يسمى حكومة المليشيا وتضربها في مقتل، على رأسها إفتقار القيادات العليا في المليشيا للمعرفة الدقيقة لقواعد الإستراتيجيات الأمنية والإستخباراتية، وقناعة كافة المكونات المدنية التي إنضمت لهذه الحكومة بما فيهم “تحالف صمود” بأن وجودها ضرورة “مؤقتة”، وتكريساً لشرعية مفقودة، وسينتهي الأمر قريباً، كما أن حكومة المليشيا الموازية لا تستمد بقاءها من الداخل السوداني، بل من الخارج الذي يمسك بخيوط اللعبة.
الحكومة الموازية .. سيناريوهات المستقبل
يبدو أن حكومة الدعم السريع الموازية هي محاولة لتهيئة المسرح لتفاوض جديد لفرض واقع يتأسس عليه تفاوض تقوده الرباعية الدولية بقيادة الولايات المتحدة، للمحافظة على بعض قوة الدعم السريع واعطاء مشروعها بعدا سياسيا، مما يحقق الهدف النهائي لبقاء المليشيا في السودان بعد الهزيمة العسكرية التي تعني نهاية هذا المشروع في السودان.
وهي محاولة لانقاذ ما يمكن انقاذه لأن المليشيا في تراجع مستمر والزمن ليس في صالحها، وهي محاولة للقفز على الحقائق وصنع واقع جديد يقوم على الادعاء والوهم، ومحاولة لتجاوز الهزيمة العسكرية لمجموعة خارجة على القانون مارست التطهير العرقي ليست لها مشروعية اخلاقية، وتفتقر للرضا الاجتماعي والالتفاف الشعبي وهي عوامل مهمة لاكتساب أي شرعية سياسية.
- سيناريو تقسيم السودان: إعلان الدعم السريع تشكيل حكومة موازية في السودان يعني أن محاولات تقسيم السودان إلى أقاليم متنازعة تحت سيطرة جهات مسلحة متفرقة باتت قاب قوسين أو أدنى على غرار السيناريو الليبي؛ فوجود سلطتين متنازعتين يدعي كل منهما الشرعية، يعني أن الدعم السريع يعمل لمزيد من التفكك بعد أن خسر مساحات واسعة من البلاد، وسيرضى من غنيمة الحرب بما تيسر من أراضي دارفور.
- سيناريو التفاوض بين الحكومة والمليشيا: وهو سيناريو متوقع بأن تلجأ قوى مؤثرة على الحكومة السودانية والمليشيا وتحت ضغط دولي وإقليمي لجمع الأطراف السودانية سعيا لدرء خطر التقسيم، برغم التعثر الملازم لجهود الوساطات الإقليمية والدولية، التي بدأت بمنبر جدة، وما زالت مستمرة دون ثمار واضحة.
- سيناريو الحسم العسكري: وذلك بأن يواصل الجيش والمقاومة الشعبية في كل من كردفان ودارفور في تضييق الخناق على الدعم السريع، وفك حصار الفاشر، ما يعني انحسار نفوذ الدعم السريع في مناطق سيطرته، واطلاق رصاصة الرحمة على ما عرف بالحكومة الموازية، وتحولها إلى سلطة معلقة بلا أرض ولا مواطنين ولا مقومات حياة.
____________
المصادر والإحالات
- محمد محمد عثمان، الحكومة السودانية تدعو لعدم الاعتراف بـ”الكيان الموازي” الذي أعلنته قوات الدعم السريع، بي بي سي عربي، 27 يوليو 2025، الرابط: https://www.bbc.com/arabic/articles/cj4wdxvzprzo
- واشنطن: إنشاء حكومة موازية في السودان يهدد بتقسيم البلاد، الشرق نيوز، 06 مارس 2025 ، الرابط: https://shorturl.at/d28vs
- عبدالملك النعيم، سلطة جماعة التأسيس المزعومة، بوابة الخبر، 30/7/2025، الرابط: https://newsgateway.net/?p=1868
- أمينة العريمي، حكومة “السلام” بلا سلام : “من منطق القوة إلى مأزق الشرعية”، مركز مقديشو للبحوث والدراسات، 28 يوليو 2025، الرابط: https://shorturl.at/t42F0
- أحمد عبد الملك الدعاك مستشار رئيس حركة الإصلاح الآن السودانية، قناة طيبة، السودان بين اجتماعات الرباعية وحكومة نيالا، الرابط : https://www.youtube.com/watch?v=fg5OR592slI





