محورية الوساطة القطرية في حل صراع شرق جمهورية الكنغو الديمقراطية
الوساطة القطرية في حل صراع شرق جمهورية الكنغو
بلا شكّ، تبرز الوساطة القطرية في حل صراع شرق جمهورية الكنغو في سياق تعارض الأولويات وتداخل أجندات الفاعلين المحليين والإقليميين، وهي من الأسباب الرئيسية في فشل الحلول السلمية للصراع الدامي في إقليم شرق الكونغو بين الحكومة في كينشاسا ومقاتلي حركة مارس 23، حيث سعت دول عديدة فاعلة في ساحة البحيرات إلى لعب دور الوسيط لخلق بيئة مواتية لحل هذه الأزمة الإفريقية المعقدة.
إن أزمة شرق الكنغو مثل أزمات القارة الافريقية الاخرى، فشلت فيها خيارات الدبلوماسية الافريقية ولم ينفذ اليها شعار “الحلول الافريقية للمشاكل الافريقية” باي حال من الاحوال. وبالطبع يرجع ذلك الي التدافع الدولي والإقليمي في منطقة شرق الكنغو، وإنزال الحلول الخارجية دون اصطحاب الرواية المحلية من الزاوية الكنغولية والرواندية.
وفي خطوة مهمة نحو إنهاء سنوات من العنف في إقليم شرق الكنغو، وقّعت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وحركة إم23 المتمردة اتفاقًا لوقف إطلاق النار يهدف إلى وقف القتال في المنطقة الشرقية المضطربة من البلاد.
حيث وُقّع الاتفاق يوم السبت الماضي في الدوحة بإشراف ورعاية الحكومة القطرية، ويُلزم هذا الاتفاق الطرفين بوقف دائم لإطلاق النار. كما يتضمن تعهدًا بالامتناع عن خطاب الكراهية ووقف أي محاولات للاستيلاء على أراضٍ جديدة بالقوة.
وفي هذا الإطار، يهدف هذا المقال إلى تناول الوساطة القطرية في حل صراع شرق جمهورية الكنغو بوصفها نموذجًا مختلفًا عن المحاولات الإقليمية السابقة، من حيث المنهجية والأثر.
ولتحقيق ذلك، سيتوقف عند أبرز ملامح هذا الدور، بما في ذلك أسباب نجاحه النسبي، وحدود تأثيره، والتحديات التي تواجهه في ظل التنافس الدولي والإقليمي على المشهد الكنغولي.
لماذا نجحت قطر؟
- التمسك بمبدأ الحياد الاستراتيجي:
تُعدّ الوساطة القطرية في حل صراع شرق جمهورية الكنغو مثالًا حيًّا على ما بات يُعرف بـالحياد الاستراتيجي، وهو المفهوم الذي طوّرته السياسة الخارجية القطرية عبر سلسلة من الوساطات المتنوعة في مناطق النزاع، من أفغانستان والسودان إلى لبنان وقطاع غزة، ويأخذ طابعًا بنيويًّا متماسكًا وليس مجرد موقف ظرفي.
وقد تجلى هذا الحياد في سلوك الدوحة تجاه الأزمة الكنغولية، مما منحها فرصة لعب دور الوسيط المقبول لدى الطرفين؛ بل والمفضَّل في ظل تعثر المبادرات الأخرى.
ويمكن الوقوف على هذا التميز القطري من خلال النقاط الآتية:
- اتساق السياسة الخارجية القطرية مع نهج الحياد في الملفات الدولية: لا تُغيّر الدوحة مواقفها حسب تغير القوى المتدخّلة، ولا تميل إلى الانحياز العلني لأي طرف، وهو ما وفّر لها رصيدًا من الثقة لدى الحكومة الكنغولية والمعارضة المسلحة، على عكس العديد من الوساطات الأخرى التي غالبًا ما تكون محسوبة سياسيًّا أو عسكريًّا على طرف دون آخر.
- الالتزام بالاستمرارية وعدم التورط في أجندات جيوسياسية مباشرة: رغم حساسية ملف شرق الكونغو وتشابك المصالح فيه (بين رواندا، أوغندا، ومصالح غربية وفرنسية وأمريكية)، حافظت قطر على موقفها كـ”وسيط لا منافس”، يُحاور الجميع دون استثناء، ولا يسعى لتوظيف وساطته في إعادة توزيع النفوذ.
- القدرة على إدارة الضغوط دون الانسياق أو الانكفاء: رغم ما واجهته الوساطة القطرية في ملفات سابقة من انتقادات أو ضغوط، أثبتت التجربة أن التمسك الصارم بتفاصيل كل أزمة، والتعامل معها بمنطق الانخراط العميق لا التغطية الإعلامية، يمنح الدوحة ثقة مضاعفة ويحصنها من التورط في الانحيازات السريعة.
- مقارنة بالوساطات الإفريقية والأمريكية: الوساطات الإفريقية كثيرًا ما تقع تحت تأثير الدول المهيمنة في القارة، ما يجعلها موضع تشكيك من الفاعلين المحليين، كما أن الوساطة الأمريكية تميل إلى الربط بين التسوية الميدانية والمصالح الأمنية أو الاقتصادية، الأمر الذي يُضعف ثقة الأطراف الهشة فيها. بالمقابل، تميّزت الوساطة القطرية بأنها لا تعكس مركز قوة؛ بل مركز توازن، وهو ما يفسر القبول الذي حظيت به من طرفي الأزمة في الدوحة.
ويُمكن القول إن الحياد القطري ليس موقفًا سلبيًا أو انزوائيًا؛ لكنه حياد نَشِط، يستثمر في الثقة، ويدير التوازنات، ويتقن الصبر السياسي. وهذا ما يفسر تصاعد دورها كفاعل وسطي في أكثر الملفات الإفريقية تعقيدًا، ومنها شرق الكونغو.
- الحصر على التواصل المباشر مع الفاعلين المحليين:
دائماً ما تحرص دولة قطر الي التواصل المباشر مع الفاعلين الحقيقين في الصراعات، وتعمل على اقناعهم في الجلوس حول طاولة مفاوضات دون املاءات او قيود. وهذا التعامل ابتدأته الدوحة عندما استفاضة مفاوضات سلام دارفور وكذلك عندما جمعت المعارضة التشادية مع النظام التشادي في العاصمة الدوحة، واليوم في احتضانها طرفي الازمة الكنغولية.
- التركيز علي التعاون الاقتصادي:
كما هو معلوم، تتمتع دولة قطر بشراكات اقتصادية كبيرة مع جمهورية الكنغو ورواندا (الفاعل الأهم في الصراع). حيث تستثمر في الكنغو في مجالات البنية التحتية والزراعة والمجالات الصحية، كما ينشط صندوق قطر للتنمية في رواندا في تنفيذ مشروعات تنموية وتقديم تمويلات لتحسين جودة الحياة في البلاد، وذلك من خلال العمل على تقليص المعوقات المرتبطة بالنفاذ إلى هذه خدمات الصحة والتعليم؛ تعزيز الأمن الاجتماعي وترقية العمل والتشغيل بالتنسيق مع الحكومة الرواندية ومنظمات محلية واممية.
تحديات الوساطة القطرية في حل صراع شرق جمهورية الكنغو
على الرغم من الجوانب الإيجابية التي تمتعت بها الوساطة القطرية في حل صراع شرق جمهورية الكنغو، إلا أنّ هناك تحديّات عديدة قد تعيق الدور القطري تجاه ازمة شرق الكنغو الديمقراطية، ويمكن حصرها في الاتي:
- تحدي ادارة تناقضات أطراف الازمة: ان عملية إدارة تناقضات أزمة ذات طابع عرقي أمر صعب للغاية، وبالتالي إقناع الأطراف بتجاوز مرارات الماضي تحتاج لوقت وجهد حثيث وهذا بالنتيجة يفسح المجال للقوى الخارجية الأخرى إلي اللعب على عناصر هذه التناقضات من أجل إفشال الوساطة القطرية.
- تحدي التعامل المبادرات الأخرى: هناك دول عظمي كالولايات المتحدة الأمريكية تعمل جاهدة لإيجاد من أجل حل الأزمة وفق أجندتها الدولية والطامحة لتحقيق مكاسب جيو-اقتصادية.
خلاصة:
في ضوء ما تقدّم، تُعد الوساطة القطرية في حل صراع شرق جمهورية الكنغو نموذجًا متمايزًا، ليس فقط بسبب نجاحها في جمع الطرفين على طاولة التفاوض، بل لأنها استندت إلى نهج متماسك من الحياد الاستراتيجي والانخراط غير المشروط مع جميع الفاعلين. وقد أسهم هذا المنهج في منح الدوحة قدرًا من الشرعية والقبول، سواء على مستوى صانع القرار في كينشاسا وكيغالي، أو في أوساط الحركات المسلحة التي طالما تعاملت بحذر مع الوساطات الخارجية.
غير أن استمرار هذا الدور وفعاليته يبقيان رهينين بقدرة قطر على إدارة التوازنات الإقليمية والدولية المحيطة بالملف، فضلًا عن استعداد الأطراف الأخرى – الإقليمية والدولية – لقبول منطق الوساطة المحايدة، بدلًا من إعادة إنتاج مقاربات الضغط والتدخل التقليدية.
فالوساطة، وإن نجحت كمدخل، إلا أنها لا تملك وحدها مفاتيح التسوية المستدامة… ما لم تتقاطع مع إرادة سياسية إقليمية، وفهم عميق لخصوصية الجغرافيا والتاريخ في شرق الكونغو، واعتراف ضمني بأن صمت البنادق يحتاج أحيانًا إلى أكثر من مجرد اتفاق، بل إلى وسيط يسمع الرواية ولا يفرض الرواية.




