الأمن والدفاعالحركات المسلحةتقدير موقف

هل يمكن أن تسقط باماكو بيد القاعدة؟ تقييم واقعي لطموح وقدرات الجماعات المسلحة في مالي

هل يمكن أن تسقط باماكو بيد القاعدة؟ تقييم واقعي لطموح وقدرات الجماعات المسلحة في مالي

مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في جنوب ووسط مالي، واتساع رقعة هجماتها لتشمل محاور الإمداد الحيوية المؤدية إلى العاصمة، عاد إلى التداول سؤال ظلّ لفترة طويلة يُنظر إليه بوصفه افتراضاً بعيداً أو خطاباً دعائياً: هل يمكن أن تصبح العاصمة باماكو هدفاً مباشراً للجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة؟

غير أن طرح هذا السؤال اليوم لم يعد نابعاً من الخيال أو التهويل، بل من تحولات ملموسة في طبيعة الصراع. فالجماعات المسلحة لم تعد تكتفي بالتمركز في الأطراف أو العمل في هوامش الدولة، بل باتت تختبر قدرة النظام السياسي والأمني على حماية قلبه الاقتصادي. ومن هنا، فإن مقاربة هذا السؤال تقتضي الابتعاد عن العاطفة، والاقتراب من الحسابات الباردة التي تحكم توازن القوة، وحدود الطموح، وأدوات الضغط المتاحة.

أي نقاش جاد حول مستقبل باماكو يجب أن ينطلق من التمييز الصارم بين النية والقدرة. فالجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تُظهر خطاباً تصعيدياً عالياً، لكنها تعمل ضمن قيود ميدانية صارمة تفرضها الجغرافيا، والديموغرافيا، وتوازن القوة العسكرية.

التاريخ القريب في مالي يبيّن أن التنظيمات المسلحة غالباً ما تخلط – عمداً – بين التهديد الرمزي والإنجاز العسكري، بهدف تضخيم أثرها النفسي. غير أن إسقاط العواصم لا يتحقق بالرسائل الصوتية ولا بالحصار المؤقت، بل يتطلب منظومة سيطرة شاملة، وهو ما يفرض قراءة دقيقة لما يمكن أن تفعله هذه الجماعات، وما لا تستطيع فعله، مهما بدا خطابها متشدداً.

كيف يُقاس مستوى التهديد الأمني لباماكو؟

عند الحديث عن سقوط عاصمة بحجم باماكو، لا بد من التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة تماماً من التهديد.

المستوى الأول يتمثل في اختراقات أمنية محدودة داخل النسيج الحضري، كالهجمات الرمزية أو العمليات الانتحارية أو استهداف منشآت حساسة. وهذا السيناريو ليس افتراضًا نظريًا في حالة باماكو، بل سبق أن تحقق فعليًا في عدة مناسبات، حيث نجحت الجماعات الإرهابية في اختراق العاصمة وتنفيذ هجمات استهدفت مطار باماكو، وقواعد عسكرية ومواقع أمنية داخل المدينة عبر عمليات انتحارية.

ورغم ما تحمله هذه العمليات من صدى إعلامي قوي وتأثير نفسي بالغ، فإنها لا تُترجم بالضرورة إلى انهيار استراتيجي للدولة، إذ تبقى ضمن إطار الإزعاج الأمني وإثبات القدرة على الاختراق، دون أن تعني فقدان السيطرة الشاملة على العاصمة.

المستوى الثاني، والأكثر واقعية في الحالة المالية، يتمثل في شلّ العاصمة وظيفياً، عبر تعطيل سلاسل الإمداد، وضرب قطاعات حيوية مثل الوقود، الكهرباء، والنقل. هذا النموذج برز بوضوح خلال أزمة المحروقات منذ سبتمبر 2025، حين تحولت باماكو إلى مدينة مرهَقة اقتصادياً دون أن تفقد الدولة السيطرة العسكرية عليها.

السقوط العسكري: السيناريو الأكثر تطرفاً والأقل احتمالاً

أما المستوى الثالث، وهو السيطرة العسكرية المباشرة على العاصمة، فيبقى السيناريو الأكثر تطرفاً والأقل احتمالاً في المدى المنظور. فهذا النوع من «السقوط» يتطلب أعداداً كبيرة من المقاتلين، وقدرة على إدارة مدينة تضم ملايين السكان، وتأمينها لوجستياً وأمنياً في مواجهة جيش نظامي يمتلك تفوقاً جوياً واستخباراتياً.

أولًا: السياق الجغرافي للصراع

لأكثر من عقد، ارتبط التهديد الجهادي في مالي جغرافياً بمناطق الشمال والوسط، حيث الفراغ الأمني، والامتدادات الصحراوية، والهشاشة المؤسساتية. غير أن السنوات الأخيرة، وبشكل أوضح منذ 2024، شهدت تحوّلاً لافتاً في بوصلة الصراع، تمثل في انتقال مركز الثقل العملياتي نحو الجنوب والغرب، وهي مناطق لطالما اعتُبرت العمق الآمن للدولة.

هذا التحول لا يعكس توسعاً عشوائياً، بل إعادة تموضع محسوبة فرضتها ديناميات الميدان. فتكثيف العمليات العسكرية في وسط البلاد، وتفكيك عدد من المعاقل التقليدية للجماعات المسلحة، دفع هذه الأخيرة إلى البحث عن مساحات أقل تحصيناً، وأكثر حساسية من حيث الأثر الاقتصادي والسياسي. الجنوب، في هذا السياق، لم يعد مجرد هامش جغرافي، بل تحوّل إلى ساحة ضغط استراتيجية على العاصمة نفسها.

تكمن خطورة التحول الجغرافي في أن الجنوب المالي لا يشبه الشمال من حيث الوظيفة أو التأثير. فهو ليس منطقة عبور فقط، بل شريان الدولة الاقتصادي، ونقطة اتصالها الأساسية بالعالم الخارجي. عبر هذا المجال تمر غالبية الواردات الحيوية، من الوقود إلى السلع الأساسية، القادمة من ساحل العاج، السنغال، وغينيا.

من هنا، فإن استهداف مناطق مثل سيكاسو، بوغوني، كولوندييبا، كاي، ونِيورو، لا يهدف إلى السيطرة عليها بقدر ما يسعى إلى تعطيل دورها الوظيفي. فالجماعات المسلحة أدركت أن التحكم المؤقت أو حتى التشويش على هذه العقد اللوجستية يمكن أن ينعكس مباشرة على باماكو، دون الحاجة إلى الاقتراب من محيطها الأمني المباشر.

من السيطرة الترابية إلى التحكم في الحركة

في هذا السياق الجغرافي الجديد، تغيّر منطق العمل المسلح. لم تعد الجماعات تبحث عن «أرض تُحكم»، بل عن «طرق تُعطَّل». فالطريق الوطني رقم 7، ومحاور كاي–باماكو وسيكاسو–باماكو، باتت أهدافاً أكثر أهمية من المدن نفسها. تعطيل الحركة على هذه الطرق يعني عملياً نقل المعركة إلى داخل العاصمة، ولكن بوسائل غير مباشرة.

هذا التحول يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الدولة الحديثة، حيث لا يكفي السيطرة على الأرض لإرباك السلطة، بل يكفي ضرب سلاسل الإمداد. وهنا يصبح الجنوب، لا الشمال، هو المسرح الأكثر حساسية في معادلة الصراع.

خط تماس جديد بخصائص مختلفة

الجنوب المالي، بخلاف مناطق النزاع التقليدية، يتميز بكثافة سكانية أعلى، ونشاط اقتصادي متنوع، وقرب جغرافي من حدود دول مستقرة نسبياً. هذه الخصائص تجعل أي تصعيد فيه ذا كلفة مضاعفة أمنياً، واقتصادياً، وإنسانياً.

ولهذا، فإن انخراط الجماعات المسلحة في هذا الفضاء يحمل مخاطرة محسوبة. فهي من جهة تسعى إلى تعظيم أثرها عبر الضغط على الدولة في أكثر نقاطها حساسية، لكنها من جهة أخرى تتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تستجلب رداً عسكرياً واسعاً أو تنفر الحاضنة الاجتماعية المحلية.

ثانيًا: الحرب الاقتصادية كأداة ضغط مركزية

مع تعقّد المشهد الأمني وتراجع جدوى المواجهة العسكرية المباشرة، انتقلت الجماعات المسلحة في مالي إلى نمط أكثر فاعلية وأقل كلفة: الحرب الاقتصادية. هذا التحول لا يعكس فقط محدودية قدراتها التقليدية على خوض معارك حاسمة، بل يكشف عن قراءة دقيقة لنقاط الضعف البنيوية للدولة المالية، وفي مقدمتها الاعتماد شبه الكلي على طرق الإمداد البرية لتسيير الحياة اليومية في العاصمة والمدن الكبرى.

في هذا الإطار، لم تعد العمليات المسلحة تهدف أساسًا إلى تحقيق مكاسب ميدانية دائمة أو السيطرة على مساحات جغرافية واسعة، بل إلى إحداث اختلالات وظيفية متراكمة داخل بنية الدولة. تعطيل حركة الوقود، إرباك النقل، شلّ الكهرباء، ورفع كلفة المعيشة، تحوّلت إلى أدوات ضغط مركزية تُستخدم لإضعاف الدولة من الداخل، دون الانجرار إلى معارك مفتوحة قد تستنزف الجماعات نفسها أو تضعها في مواجهة مباشرة مع التفوق العسكري النظامي.

استهداف الوقود… اختيار استراتيجي مدروس

التركيز شبه الحصري على قطاع المحروقات لم يكن وليد المصادفة. فالوقود يشكّل العصب الحيوي الذي تتقاطع عنده معظم أنشطة الدولة والمجتمع، من النقل العمومي والخاص، إلى توليد الكهرباء، وتشغيل المستشفيات، والمخابز، وسائر المرافق الحيوية. أي اضطراب في هذا القطاع لا يبقى محصورًا في بعده اللوجستي، بل يمتد ليصيب مجمل الوظائف الأساسية للدولة.

منذ سبتمبر 2025، نفّذت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين حملة منظمة ضد قوافل صهاريج الوقود القادمة من الجنوب، مستخدمة الكمائن، الحرق، والتهديد المباشر للسائقين. هذا الاستهداف أدّى إلى تراجع حاد في تدفق المحروقات، وخلق أزمة خانقة داخل باماكو ومدن أخرى، دون أن يترافق مع انقطاع شامل للسلع الغذائية. وهو ما يؤكد أن الهدف لم يكن التجويع بقدر ما كان شلّ القدرة التشغيلية للدولة وإظهارها عاجزة عن ضمان الحد الأدنى من استمرارية الخدمات.

استهداف المصالح الأجنبية

وفي امتدادٍ منطقي لاستراتيجية الخنق الاقتصادي التي استهدفت شرايين الدولة الداخلية، لم يلبث هذا النمط من الضغط أن تجاوز حدوده الوطنية ليتخذ بُعدًا أكثر اتساعًا وتعقيدًا. فقد اتجهت الحرب الاقتصادية التي تقودها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى توسيع دائرة الاستهداف عبر ضرب المصالح والشركات الأجنبية الناشطة في جنوب وغرب البلاد، في خطوة تعكس تطورًا تدريجيًا في منطق الاستنزاف، حين لم يعد الضغط الداخلي وحده كافيًا لتحقيق الأثر المطلوب، فجرى إشراك الفاعلين الاقتصاديين الخارجيين ضمن معادلة الضغط.

الهجمات المتكررة على المواقع الصناعية والمناجم وسلاسل الإمداد المرتبطة بالاستثمار الأجنبي أعادت إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول أمن الاستثمارات وجدوى المشاريع الاقتصادية في مالي، لا سيما في المناطق التي تُعدّ مفاتيح للاقتصاد الوطني. ففي منطقة كاي الغنية بالذهب، نُفذت سلسلة من العمليات النوعية عكست هذا المنحى التصاعدي. ففي مطلع يوليو 2025، تعرّض مصنع إسمنت لهجوم أسفر عن اختطاف ثلاثة مواطنين هنود، ما استدعى تحركات دبلوماسية وضغوطًا مباشرة على السلطات المالية لتعزيز إجراءات الحماية.

وخلال الفترة الممتدة بين أواخر يوليو وأغسطس، توسّع نطاق الاستهداف ليشمل ستة مواقع صناعية صينية، معظمها مناجم ذهب، حيث سُجّلت عمليات اقتحام واختطاف طالت عمالًا صينيين. وفي 22 أغسطس، بلغ هذا التصعيد ذروته باستهداف منجم الليثيوم في بوغوني، الذي تستغله شركة بريطانية، وهو هجوم أسفر عن مقتل أحد عناصر الحراسة وفرض تشديد أمني غير مسبوق حول الموقع.

لا يمكن قراءة هذه العمليات بوصفها حوادث معزولة أو ردود فعل ظرفية، بل هي جزء من استراتيجية مركّبة ومدروسة. فإلى جانب الهجمات المباشرة على المواقع الاقتصادية، كثّفت الجماعة من تعطيل سلاسل الإمداد عبر الحواجز والكمائن، ما قوض استغلال موارد استراتيجية مثل الذهب والليثيوم، وربما لاحقًا اليورانيوم. واللافت في هذا السياق أن الاستهداف شمل مستثمرين من خلفيات مختلفة – صينيين، غربيين، هنود، وروس – بما يؤكد أن منطق الاستهداف لا يقوم على أساس الاصطفاف الجيوسياسي، بل على ضرب الاقتصاد ككل بوصفه ركيزة شرعية الدولة ومصدر قوتها.

حرب منخفضة الكلفة وعالية العائد

بالنسبة للجماعات المسلحة، تمثل الحرب الاقتصادية خياراً مثالياً من حيث الكلفة والعائد. فهي لا تتطلب احتشاداً بشرياً كبيراً، ولا إدارة مناطق مأهولة، ولا مواجهة مباشرة مع الجيش. يكفي تعطيل بضع قوافل، أو فرض تهديد مستمر على محور حيوي، لتحقيق أثر يتجاوز بكثير حجم العملية نفسها.

غير أن هذا الخيار، رغم فعاليته، يحمل في طياته حدوداً بنيوية. فنجاحه مرهون بطول أمد الأزمة وقدرة الدولة على احتوائها. وكلما استعادت الدولة زمام المبادرة اللوجستية والعسكرية، كما حدث مع تشديد المرافقة العسكرية وإطلاق عمليات استباقية، تراجعت فعالية هذا النمط من الضغط، وانكشفت هشاشته على المدى المتوسط.

ثالثًا: تداعيات الحصار على الحياة اليومية وقدرة الدولة

لم يظلّ الحصار الاقتصادي الذي فُرض عبر استهداف شرايين الإمداد في إطار الأرقام والمؤشرات اللوجستية، بل سرعان ما تُرجم إلى واقع يومي ملموس داخل باماكو ومدن الجنوب. فقد أدى تعطل تدفق الوقود إلى سلسلة من التأثيرات المتراكمة طالت مختلف مناحي الحياة، من النقل والكهرباء، وصولًا إلى الأسواق والقدرة الشرائية للأسر، ما حوّل الضغط الاقتصادي إلى أزمة معيشية واسعة النطاق.

في العاصمة، تحوّل الوقود إلى سلعة نادرة، وامتدت طوابير السيارات أمام محطات التزود لساعات طويلة، فيما أُغلقت محطات أخرى بسبب نفاد المخزون. هذا النقص انعكس مباشرة على حركة النقل العمومي، فارتفعت تعرفة المواصلات، وتقلّصت خطوط الخدمة، واضطر آلاف الموظفين والعمال إلى تعديل أنماط تنقلهم أو تقليص نشاطهم اليومي. ومع تقلص الإمدادات، انتعشت السوق السوداء، حيث بلغ سعر عشرين لترًا من الوقود أضعاف السعر الرسمي، ما فاقم الضغط على الأسر محدودة الدخل ووسّع الفجوة الاجتماعية.

ولم يتوقف الأثر عند قطاع النقل. فاعتماد جزء كبير من إنتاج الكهرباء على الوقود جعل الانقطاعات أكثر تكرارًا وحدّة، خصوصًا في باماكو وموبتي وسيغو. هذه الانقطاعات أصابت الأنشطة الصغيرة والمتوسطة في الصميم، من المخابز والورش الحرفية إلى المتاجر والخدمات، كما أثرت على القطاعات الحيوية، بما في ذلك الصحة والتعليم. وهكذا، لم يعد المواطن يواجه نقصًا في سلعة بعينها، بل اختلالًا في إيقاع الحياة اليومية ككل.

ورغم حدة هذه الضغوط، أظهر المجتمع المالي قدرة لافتة على التكيّف. لجأ السكان إلى تقاسم وسائل النقل، وتنظيم الرحلات المشتركة، وترشيد الاستهلاك، فيما واصل كثيرون أنشطتهم رغم الكلفة المرتفعة. هذا الصمود الاجتماعي حال دون الانزلاق نحو شلل كامل، لكنه كشف في الوقت ذاته مدى هشاشة المدن الكبرى أمام أي اضطراب في شرايين الإمداد، ومدى سرعة انتقال الأزمة من الأطراف إلى القلب الحضري.

على المستوى الاقتصادي الأوسع، تجاوزت آثار الحصار حدود الحياة اليومية لتطال بنية الاقتصاد الوطني نفسها. فعلى المدى القصير، أدت الاضطرابات إلى توقف الإنتاج في عدد من المواقع الحيوية، وارتفاع كبير في كلفة التأمين والحماية، فضلًا عن خسائر مباشرة في الموارد والعائدات. هذه الخسائر أضعفت قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة، وزادت من الضغط على الميزانية في سياق اقتصادي هش أصلًا.

أما على المدى المتوسط والطويل، فإن الخطر الأكبر يتمثل في الأثر الردعي على مناخ الاستثمار. فمع تصاعد المخاطر الأمنية واللوجستية، باتت الشركات الأجنبية تتردد في الحفاظ على وجودها أو توسيع أنشطتها، فيما أعادت شركات أخرى تقييم مشاريعها أو جمّدتها بالكامل. هذا التراجع المحتمل في تدفقات الاستثمار المباشر لا يهدد فقط قطاعي التعدين والطاقة، بل ينعكس على الاقتصاد ككل، بما في ذلك فرص العمل، والنمو، والاستقرار المالي.

سياسيًا، تُسهم هذه الدينامية في إضعاف شرعية السلطة القائمة، إذ تُصوَّر الدولة بوصفها عاجزة عن حماية شركائها الاقتصاديين وضمان أمن الاستثمارات، رغم التعهدات الرسمية والانفتاح على شركاء جدد. وتستغل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هذا السياق عبر خطاب دعائي يقدّم المستثمرين الأجانب بوصفهم «مستغلين» أو «مستعمرين اقتصاديين»، متهمة الدولة بالتفريط في الموارد دون عائد ملموس على المجتمعات المحلية. هذه السردية، التي تُضخّم عبر الدعاية الجهادية، تهدف إلى تغذية السخط الاجتماعي، وتعزيز القبول المحلي بسردية الجماعة، ونزع الشرعية عن الدولة وحلفائها الاقتصاديين.

رابعًا: قدرات وحدود التهديد الجهادي للعاصمة باماكو

عند تقييم قدرة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على تهديد باماكو، يصبح من الضروري الفصل بوضوح بين ما هو ممكن تكتيكيًا وما هو متعذّر استراتيجيًا. فالجماعة، رغم توسّع نشاطها ووصول ضغطها إلى تخوم العاصمة عبر الطرق والأسواق، لا تعمل في فراغ، بل ضمن بيئة أمنية وسياسية وعسكرية تفرض عليها قيودًا صارمة، تجعل من سيناريو الاقتحام العسكري المباشر خيارًا بالغ الكلفة وضعيف الجدوى.

تشير التقديرات الأكثر واقعية إلى أن عدد مقاتلي الجماعة في الجنوب لا يتجاوز ما بين 400 و800 عنصر، تدعمهم نواة قيادية محدودة تتراوح بين 30 و80 إطارًا، إضافة إلى شبكات دعم مدني ذات طابع ظرفي وغير منظم. هذه الكتلة البشرية، مهما بلغت درجة مرونتها أو خبرتها في حرب العصابات، تظل غير كافية إطلاقًا لاقتحام مدينة يتجاوز عدد سكانها أربعة ملايين نسمة.

 ويزداد هذا العجز وضوحًا إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الجماعة لا تسيطر فعليًا على أي من العواصم الإقليمية التسع عشرة في مالي، ولا على واحدة من أصل 815 دائرة إدارية (محافظة) موزعة على أراضي البلاد الشاسعة، التي تبلغ مساحتها أكثر من 1.24 مليون كيلومتر مربع. فإذا كانت الجماعة عاجزة عن فرض سيطرة دائمة على أي مركز إداري إقليمي، فإن الحديث عن قدرتها على السيطرة على العاصمة باماكو يظل، من الناحية الواقعية، افتراضًا بعيدًا.

ويُضاف إلى ذلك أن باماكو تتمتع ببيئة أمنية معقدة ومحصّنة، تضم وحدات نخبة متمركزة في محيط العاصمة وداخلها، وتستفيد من تفوق جوي واستخباراتي متزايد، فضلًا عن طوق أمني متعدد الطبقات يصعّب أي اختراق واسع النطاق.

إلى جانب العامل العددي، تفتقر الجماعة إلى المقومات الأساسية لأي معركة حضرية كبرى. فهي لا تملك مدفعية ثقيلة، ولا قدرات لوجستية مستدامة، ولا خبرة في إدارة فضاءات حضرية كثيفة ومعقدة. وأي محاولة لمواجهة مباشرة داخل العاصمة ستؤدي، في الغالب، إلى خسائر كبيرة تفوق قدرتها على التعويض، ما يجعل خيار الاقتحام العسكري غير واقعي في المدى المنظور.

ومع ذلك، لا يعني استبعاد سيناريو السقوط العسكري انتفاء الخطر. فالجماعة تمتلك قدرة مؤكدة على الإزعاج والاستنزاف من خلال انتشارها المرن في الأرياف واعتمادها على وحدات صغيرة وسريعة الحركة، وهو ما يتيح لها ضرب المحاور الحيوية دون الحاجة إلى السيطرة عليها بشكل دائم. كما أن الطبيعة الحبيسة لمالي، واعتماد باماكو شبه الكلي على الطرق البرية القادمة من الجنوب، يمنحها هامشًا فعّالًا للتأثير غير المباشر. ويُضاف إلى ذلك قدرتها على توظيف الخطاب الديني والدعائي لتبرير استهداف الاقتصاد وتقديم هذا النمط من العمليات بوصفه وسيلة ضغط «مشروعة» على الدولة، لا بديلاً عن السيطرة العسكرية الشاملة.

غير أن هذه الفرص تصطدم بحدود بنيوية عميقة. فالجماعة تفتقر إلى الكتلة البشرية اللازمة للسيطرة على مدينة بحجم باماكو، كما تفتقد إلى منظومة حكم حضري قادرة على التعامل مع تعقيداتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فالعاصمة ليست مجرد فضاء سكاني، بل مركز قرار ومؤسسات وشبكة مصالح متداخلة، ما يجعل إدارتها بالقوة أمرًا شبه مستحيل. وفوق ذلك، فإن أي اقتراب مباشر من محيطها سيضع الجماعة في مواجهة التفوق الجوي والاستخباراتي للجيش، الذي بات يمتلك قدرة أعلى على الرصد والتدخل السريع. بهذا المعنى، تمثل باماكو سقفًا صلبًا لا تستطيع الجماعة تجاوزه عسكريًا، حتى وإن نجحت مؤقتًا في الضغط عليها من الخارج.

في ضوء هذا الخلل البنيوي في ميزان القوة، يبدو أن الرهان الحقيقي لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا يتمثل في احتلال باماكو، بل في إخضاعها لوضعية ضغط دائم. هذا المفهوم لا يقوم على رفع الرايات فوق المباني أو إعلان السيطرة الترابية، بل على تعطيل وظائف الدولة الأساسية وإظهار العاصمة كمدينة تعمل بأقل من طاقتها الطبيعية. في هذا السياق، تصبح الطرق أهم من الشوارع، والاقتصاد أخطر من السلاح المباشر. يكفي تعطيل تدفق الوقود، أو تقليص إنتاج الكهرباء، أو رفع كلفة النقل، حتى تبدأ مظاهر الشلل بالظهور.

تبقى العاصمة، في هذا النموذج، رسميًا تحت سيطرة الدولة، لكنها تعيش عمليًا حالة إنهاك مستمر تجعلها عرضة للتوتر الاجتماعي والتآكل المعنوي. وتكمن خطورة هذا النمط من الضغط في كلفته المنخفضة على الجماعة مقارنة بأثره العالي على الدولة. فلا حاجة لمعركة فاصلة، ولا لتحمّل عبء إدارة مدينة معقدة. يكفي الحفاظ على قدرة متقطعة على الإزعاج وإطالة أمد الأزمة لفرض واقع تتراجع فيه ثقة المواطن بقدرة الدولة على الحماية والتأمين.

خامسًا: تحوّل المقاربة الأمنية – كيف واجهت الدولة منطق الاستنزاف

أمام تصاعد الحرب الاقتصادية واتساع أثرها ليطال قلب الحياة اليومية في العاصمة، أدركت السلطات المالية أن الاكتفاء بإدارة الأزمة وردّ الفعل لم يعد كافيًا. فاستمرار الضغط على شرايين الإمداد، ولا سيما الوقود، فرض مراجعة شاملة للمقاربة الأمنية واللوجستية، والانتقال التدريجي من وضع دفاعي يركز على الاحتواء إلى نهج أكثر مبادرة يستهدف مصادر التهديد في عمقها.

هذا التحول تجسّد ميدانيًا في تعزيز الانتشار العسكري على المحاور الجنوبية الحيوية، وتشديد مرافقة قوافل الوقود القادمة من كاي وسيكاسو، ما ضيّق هامش المناورة أمام الجماعات المسلحة. غير أن النقلة الأبرز تمثلت في إطلاق عمليات استباقية واسعة، كان أبرزها عملية «فوغا كيني» التي أُطلقت في أكتوبر 2025، وشكّلت نقطة انعطاف في مسار المواجهة مع منطق الخنق الاقتصادي.

لم تقتصر هذه العملية على تأمين الطرق الحيوية، بل استهدفت بشكل مباشر البنية اللوجستية للجماعات المسلحة في الغابات والمناطق الريفية الممتدة بين بوغوني وسيكاسو وكولوندييبا. وشمل ذلك تدمير مخازن الوقود، ومستودعات السلاح، ومراكز الاتصال، ونقاط الانطلاق التي كانت تُستخدم لتنفيذ الكمائن والهجمات على القوافل. هذا الضغط المباشر أربك قدرات الجماعات على التخطيط والاستمرار، وأدى إلى تراجع ملموس في وتيرة الاستهداف، ما انعكس سريعًا على حركة الإمدادات.

غير أن هذا النجاح، على أهميته، يبقى هشًّا ما لم يُدعّم باستمرارية الضغط العسكري، وتثبيت نقاط الحماية على المحاور الحيوية، وتعزيز الوجود الإداري والخدمي في المناطق الريفية التي تشكّل بيئة تحرّك للجماعات المسلحة. فالمواجهة، كما كشفت الأزمة، ليست معركة قصيرة الأمد، بل صراع طويل بين منطق الاستنزاف الذي تراهن عليه الجماعات، ومنطق الصمود والمبادرة الذي تسعى الدولة إلى ترسيخه.

خاتمة

لا تُظهر المعطيات الميدانية الراهنة، ولا توازنات القوة القائمة، أن باماكو تقف على أعتاب سقوط عسكري بيد جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة. فالعاصمة، بما تحمله من ثقل ديمغرافي وسياسي وأمني، تظل خارج نطاق السيطرة الترابية الممكنة لهذه الجماعات، التي تفتقر إلى الكتلة البشرية، والقدرات التنظيمية، والموارد اللوجستية اللازمة لخوض معركة حضرية واسعة أو إدارة مدينة معقّدة بحجم باماكو.

غير أن استبعاد سيناريو السقوط العسكري لا يعني تراجع مستوى التهديد. فالتحدي الأخطر الذي تواجهه العاصمة يتجسّد في حرب استنزاف مركّبة، تتجاوز منطق المواجهة المباشرة إلى استهداف الاقتصاد، والخدمات الأساسية، وإيقاع الحياة اليومية. وقد كشفت أزمة الوقود الأخيرة بوضوح كيف يمكن للضغط على الطرق، والأسواق، والطاقة أن يُنتج حالة إنهاك عميقة دون الحاجة إلى اختراق أمني مباشر داخل المدينة.

ضمن هذا السياق، يتحدد مستقبل باماكو في المسافة الفاصلة بين قدرة الجماعات المسلحة على إطالة أمد الضغط غير المباشر، وقدرة الدولة على كسر أدوات الحصار والحفاظ على استمرارية وظائفها الأساسية. فكلما نجحت السلطات في تأمين المحاور الحيوية، وضمان تدفق الإمدادات، والمبادرة عسكريًا في معاقل الخصم، تراجعت فعالية الحرب الاقتصادية، وانكشفت محدودية الطموح المسلح.

وفي موازاة ذلك، برهنت الأزمة على أن المجتمع المالي يشكّل عنصرًا حاسمًا في معادلة الصمود. فقد أسهم تماسك السكان، وقدرتهم على التكيّف، وأشكال التضامن الاجتماعي التي برزت في أشد لحظات الشحّ، في تشكيل خط دفاع غير مرئي حال دون تحوّل الضغط الاقتصادي إلى أزمة داخلية مفتوحة.

من هنا، لم يعد السؤال المطروح هو: هل يمكن أن تسقط باماكو؟

بل بات يتمحور حول ما إذا كانت الدولة قادرة على الحفاظ على زخم المبادرة، ومنع تحوّل الحرب الاقتصادية إلى واقع دائم.

كاتب

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى