الجغرافية السياسيةالحركات المسلحةتقدير موقف

موقف الاتحاد الأفريقي من قضية الصحراء الغربية بعد القرار 2797 لمجلس الأمن: قراءة في التحولات والتحديات

موقف الاتحاد الأفريقي من قضية الصحراء الغربية بعد القرار 2797 لمجلس الأمن: قراءة في التحولات والتحديات

تُعدّ قضية الصحراء الغربية من أبرز النزاعات الإقليمية المستمرة في أفريقيا، إذ تمتد جذورها إلى فترة ما بعد انسحاب إسبانيا من الإقليم عام 1975، لتصبح محور صراع متعدد الأبعاد بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر. لقد تطورت هذه القضية لتصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاتحاد الأفريقي على إدارة النزاعات الإقليمية، وصياغة سياسات توازن بين الشرعية الدولية والمصالح الوطنية للدول الأعضاء.

حاولت القارة الأفريقية، ممثلة في منظمة الوحدة الأفريقية ثم الاتحاد الأفريقي لاحقًا، لعب دور الوسيط الفاعل في تسوية النزاع، مستندةً إلى المبادئ المؤسسية المتعلقة بحق الشعوب في تقرير المصير وضرورة حل النزاعات بطريقة سلمية. وقد شمل هذا الدور دعم مفاوضات جادة بين الأطراف، وتوفير أطر سياسية وإقليمية لتسهيل الحوار، إلى جانب العمل على تعزيز التعاون الإقليمي لضمان استقرار المنطقة.

مع صدور القرار 2797 لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 31 أكتوبر 2025، أصبح من الضروري إعادة تقييم موقع الاتحاد الأفريقي في هذا الملف، خصوصًا في ضوء التحولات الإقليمية والدولية الأخيرة التي أظهرت ميلًا واضحًا لصالح المقاربة المغربية للحكم الذاتي، مع الحفاظ الظاهر على حق تقرير المصير. فقد منح القرار المغرب دفعة دبلوماسية مهمة، بينما كشف محدودية التأثير الأفريقي في النزاع، وهو ما يستدعي دراسة دقيقة للخيارات المتاحة للاتحاد الأفريقي في المستقبل.

تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية لموقف الاتحاد الأفريقي بعد القرار 2797، مع التركيز على التحولات السياسية، تراجع الدور الأفريقي، تقييم الخيارات المستقبلية، ودراسة الإمكانيات المتاحة لتعزيز الوساطة الأفريقية في إطار متعدد الأبعاد يشمل السياسة والتنمية والاستقرار الإقليمي.

أولًا: الإطار التاريخي لموقف الاتحاد الأفريقي

منذ تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963، كان مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير أحد الركائز الأساسية لسياساتها الخارجية، وهو المبدأ الذي شكّل أساس دعم المنظمة لجبهة البوليساريو. في عام 1984، اعترفت المنظمة بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وهو القرار الذي دفع المغرب إلى الانسحاب من المنظمة، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل إخلالًا بمبدأ وحدة الأراضي الوطنية.

مع عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي عام 2017، تغيرت ديناميكيات التعامل مع النزاع، إذ أصبح الاتحاد مضطرًا لموازنة عضوية المغرب مع العضوية المستمرة للجمهورية الصحراوية، وهو ما خلق توترًا بين الالتزام بالمبادئ التاريخية للدعم الأفريقي لتقرير المصير والحاجة إلى مواكبة التحولات الإقليمية والدولية.

على مدار العقود الماضية، حاول الاتحاد الأفريقي عبر مفوضية السلم والأمن ولجان خاصة بالقضية تسهيل الحوار بين الأطراف، مع التركيز على آليات الوساطة الأفريقية والتنسيق مع الأمم المتحدة. كما شمل هذا الدعم مساعي لتعزيز القدرات الأمنية الإقليمية، وتقديم الدعم الفني والاقتصادي، وتحسين البنية التحتية في المناطق المتأثرة بالنزاع.

تجارب الوساطة الأفريقية السابقة

  1. بعثة الاتحاد الأفريقي (2000–2010): سعت هذه البعثة إلى إقامة قنوات حوار مباشرة بين المغرب والبوليساريو، مع التركيز على القضايا الإنسانية وتسهيل مرور المساعدات.
  2. المبادرات التنموية: عمل الاتحاد الأفريقي على ربط جهود الوساطة بمشاريع تنموية في المنطقة، مثل دعم التعليم والبنية التحتية الزراعية، بهدف تعزيز الاستقرار الاجتماعي.
  3. تسوية النزاعات الإقليمية: حاول الاتحاد الأفريقي إشراك الجزائر وموريتانيا كمحاور أساسية، مع مراعاة الأبعاد الإقليمية في اتخاذ القرارات.

على الرغم من هذه الجهود، ظل النزاع معقدًا بفعل اختلاف المواقف داخل الاتحاد، وتباين مصالح الدول الأعضاء، والتأثير المتصاعد للقوى الدولية، وهو ما أعاد تحديد دور الاتحاد الأفريقي ليصبح أكثر تكميليًا واستشاريًا ضمن المسار الأممي.

ثانيًا: القرار 2797 لمجلس الأمن ومضامينه

صدر القرار 2797 عن مجلس الأمن في أكتوبر 2025، وجدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) لمدة عام، مع التأكيد على ضرورة استئناف المفاوضات بين الأطراف «بدون شروط مسبقة وبحسن نية».

التحول النوعي في القرار تمثل في وصفه مقترح الحكم الذاتي المغربي لعام 2007 بأنه الحل الأكثر جدوى وواقعية لإنهاء النزاع، وهو تقدير ضمني للمقترح المغربي كأساس للتسوية المستقبلية. كما دعا القرار إلى تعزيز التعاون الإقليمي وإشراك الدول المجاورة مثل الجزائر وموريتانيا، وهو ما يبرز الدور المهم الذي تلعبه البيئة الإقليمية في تعزيز الحلول السلمية أو تعقيدها.

من منظور دبلوماسي، يعكس القرار تحولات في موازين القوى الإقليمية والدولية. فقد نجحت الدبلوماسية المغربية في حشد الدعم من الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، بينما واجهت جبهة البوليساريو تراجعًا نسبيًا في الدعم الدولي، مما أدى إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل الاتحاد الأفريقي والدول الأعضاء.

 

ثالثًا: انعكاسات القرار على مواقف الأطراف الأفريقية

أبرز القرار أثره على إعادة ترتيب المواقف داخل الاتحاد الأفريقي، حيث انقسمت الدول الأعضاء بين محورين:

  1. محور داعم للمغرب: يضم دولًا مثل السنغال والغابون وكوت ديفوار، ويرى أن الحكم الذاتي المغربي يمثل الحل الواقعي للحفاظ على استقرار المنطقة مع تجاوز الخلافات التاريخية حول تقرير المصير.
  2. محور داعم للبوليساريو: تقوده الجزائر وجنوب أفريقيا وناميبيا، ويؤكد أن أي حل لا يضمن الاستفتاء على تقرير المصير يُعد انتهاكًا للمواثيق الأفريقية ومبادئ الأمم المتحدة.

هذا الانقسام صعّب تبني موقف جماعي للاتحاد الأفريقي، وأدى إلى بيانات عامة تدعو لدعم جهود الأمم المتحدة دون مبادرات أفريقية مستقلة. وقد أدى التنافس على النفوذ بين الدول الكبرى إلى تقليص مساحة المبادرة الأفريقية في صياغة الحلول النهائية.

رابعًا: تراجع تأثير الاتحاد الأفريقي – الأسباب البنيوية والسياسية

يمكن تفسير تراجع دور الاتحاد الأفريقي في النزاع عبر عدة عوامل:

  1. انتقال مركز الثقل إلى المسار الأممي: أصبحت القرارات الحاسمة تُتخذ في نيويورك لا في أديس أبابا، مما قلل من هامش التأثير الأفريقي.
  2. ضعف الأدوات التنفيذية: الاتحاد يفتقر إلى آليات تنفيذية فعالة ويعتمد على الوساطة والدبلوماسية غير الملزمة.
  3. الانقسامات الداخلية بين الدول الأعضاء: التباين بين الداعمين للمغرب والبوليساريو يحد من قدرة الاتحاد على تبني موقف موحد.
  4. القيود الإقليمية والسياسية: عودة المغرب إلى الاتحاد عام 2017 فرضت قيودًا على أي موقف قد يُعتبر غير متوازن تجاه أطراف النزاع.
  5. تأثير القوى الدولية: الدعم الغربي للمغرب أعاد ترتيب الأولويات لصالح المسار الدولي على حساب المبادرات الأفريقية.

خامسًا: آفاق الدور الأفريقي في إدارة النزاع

رغم التحديات، يمكن للاتحاد الأفريقي لعب دور تكميلي ووسيط معتدل ضمن مسار التسوية عبر:

  • تعزيز الحوار بين الأطراف: آليات قارية موحدة تركز على القضايا الإدارية والاقتصادية والتنموية.
  • بناء الثقة بين الأطراف: مشاريع تنموية واقتصادية لدعم الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
  • مراجعة السياسات الداخلية: لضمان تماسك المواقف بين الدول الأعضاء وزيادة الوزن السياسي للاتحاد ضمن الإطار الدولي.

سيناريوهات مستقبلية محتملة:

  1. المشاركة كوسيط تكميلي في المفاوضات السياسية مع الأمم المتحدة.
  2. تقديم الدعم الفني والتنموي لتعزيز الاستقرار في الصحراء الغربية.
  3. استخدام آليات الضغط السياسي لضمان الالتزام بالمسار السلمي.

ستظل الانقسامات بين الدول المؤيدة للمغرب وتلك المؤيدة للبوليساريو عاملًا مؤثرًا في مدى نجاح الاتحاد الأفريقي في لعب دور فعال.

الخاتمة

يعكس القرار 2797 لمجلس الأمن تحوّلًا جوهريًا في النزاع حول الصحراء الغربية، إذ منح المقاربة المغربية دفعة دبلوماسية مهمة، وكشف محدودية الدور الأفريقي. يظل التحدي الأكبر للاتحاد الأفريقي هو تحقيق توازن بين الشرعية الدولية ومبادئ تقرير المصير والمصالح الإقليمية، بما يضمن حضورًا سياسيًا فعالًا دون الانخراط المباشر في صراعات قد تهدد استقراره الداخلي.

يتضح أن الدور الحالي للاتحاد الأفريقي يميل نحو الوساطة والدعم التنسيقي للمسار الأممي أكثر من كونه لاعبًا أساسيًا، مع إمكانية تعزيز الدور التنموي والسياسي التكميلي مستقبلًا، بما يحقق استقرار المنطقة ويضمن احترام مبادئ الاتحاد الأفريقي.

المراجع والمصادر

  1. African Union. (2017). Decision on the Membership of Morocco in the African Union. Addis Ababa: AU.
  2. United Nations Security Council. (2025). Resolution 2797 (2025) on Western Sahara. New York: UN.
  3. Zunes, S., & Mundy, J. (2020). Western Sahara: War, Nationalism, and Conflict Irresolution. Syracuse University Press.
  4. Pazzanita, A. G. (2006). Historical Dictionary of Western Sahara. Lanham: Scarecrow Press.
  5. Beswick, D. (2007). Western Sahara: Anatomy of a Stalemate. International Affairs, 83(5), 1031–1048.
  6. United Nations. (2025). Report of the Secretary-General on the Situation in Western Sahara. New York: UN.
  7. Entelis, J. P. (2010). Morocco and the African Union: Reconciliation and Strategic Interests. Middle East Journal, 64(2), 219–236

كاتب

  • محمد تورشين

    باحث سوداني، متخصص بالشأن المحلي والشؤون الإفريقية

محمد تورشين

باحث سوداني، متخصص بالشأن المحلي والشؤون الإفريقية

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى