مسرحية الاتفاق الأمريكي بين رواندا والكونغو الديمقراطية: سلام الصور وحرب الواقع
مسرحية الاتفاق الأمريكي بين رواندا والكونغو الديمقراطية: سلام الصور وحرب الواقع
في العرف الدبلوماسي، لا تُعدّ مراسم التوقيع على اتفاق سلام مجرد إجراء بروتوكولي، بل هي حدث رمزي شديد الدلالة. فالمصافحة، الابتسامة، الوقوف جنبًا إلى جنب، كلها عناصر تُستخدم للتعبير عن نهاية صراع وبداية صفحة جديدة. غير أن المشهد الذي رافق توقيع الاتفاق الأمريكي بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية في واشنطن افتقر إلى هذه الرموز الأساسية، وكأن الجسد كان أكثر صدقًا من الخطاب السياسي.
منذ اللحظة الأولى، بدا أن ما يجري ليس مصالحة حقيقية، بل عرض سياسي مُعدّ سلفًا. لغة الجسد كانت فاضحة: تباعد بين الموقعين، تجنب متعمد للنظر، غياب المصافحة التقليدية، ووجوه مشدودة لا تحمل أي ملامح اقتناع. حتى الانسحاب السريع من المنصة بعد التوقيع أوحى بأن الأطراف أرادت إنهاء المشهد بأسرع وقت ممكن، لا الاحتفاء بما وُقّع.
هذه الصورة وحدها كافية لزرع الشك في طبيعة الاتفاق. فالاتفاقات التي تُوقّع دون قناعة داخلية، ودون حد أدنى من الثقة بين الأطراف، غالبًا ما تكون حبراً على ورق. ولهذا، فإن الحديث عن “اتفاق سلام” في هذه الحالة يبدو مضللًا، لأن السلام لا يُفرض بالإكراه ولا يُنتج بالضغط الإعلامي، بل يُبنى عبر مسار طويل من التنازلات المتبادلة والاعتراف المتبادل بالمسؤوليات.
الأخطر في هذا المشهد أن الطرف الذي تولّى الإخراج لم يكن وسيطًا محايدًا. فالولايات المتحدة، ممثلة في الرئيس دونالد ترامب، لم تُخفِ رغبتها في تسويق الاتفاق كإنجاز شخصي، يخدم صورتها الدولية وسرديتها عن “صانع السلام العالمي”. وهنا تتحول الدبلوماسية من أداة لحل النزاعات إلى وسيلة لصناعة صورة سياسية، يكون فيها المتضرر الحقيقي هو الشعب الذي يُفترض أن يُنقذ من الحرب.
من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة الاتفاق الأمريكي بين رواندا والكونغو الديمقراطية كنقطة نهاية لصراع دموي طويل، بل يجب التعامل معه كنقطة بداية لسؤال جوهري: هل نحن أمام محاولة صادقة لإحلال السلام، أم أمام مسرحية سياسية تُخفي خلف ستارها إعادة ترتيب المصالح والنفوذ في واحدة من أغنى مناطق العالم بالموارد الطبيعية؟
أولًا: اتفاق تحت الضغط… سلام بلا إرادة حقيقية
أي اتفاق سلام حقيقي يفترض شرطًا أساسيًا لا يمكن القفز عليه، وهو الإرادة الحرة للأطراف الموقعة. فالسلام لا يُولد من الإكراه، ولا يمكن فرضه من خارج السياق السياسي والأمني للدول المعنية. غير أن الاتفاق الذي وُقّع في واشنطن بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية جاء في سياق مختلف تمامًا، سياق يشي بأن التوقيع لم يكن نتيجة قناعة، بل ثمرة ضغط سياسي مباشر ومكثف.
لقد بدا واضحًا أن الحضور إلى واشنطن لم يكن خيارًا سياديًا خالصًا للطرفين الإفريقيين، بل استجابة لأجندة أمريكية سعت إلى إنتاج “إنجاز دبلوماسي سريع”. فالرئيس الأمريكي، الذي سبق أن أعلن من على منبر الأمم المتحدة أنه نجح في إحلال السلام بين كيغالي وكينشاسا، كان بحاجة إلى صورة تؤكد هذا الادعاء، حتى وإن لم تتوفر شروط السلام على الأرض.
الرئيس الكونغولي، في هذا السياق، ظهر في موقع الطرف الأضعف. ليس لأن بلاده تفتقر إلى الشرعية، بل لأن ميزان القوة الدولي لا يعمل لصالح الدول التي تعاني من النزاعات الداخلية والاختراقات الخارجية. لقد وجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التوقيع على اتفاق ناقص ومثير للجدل، أو الظهور بمظهر الطرف الرافض للسلام في أعين المجتمع الدولي. وهكذا، تحولت الدبلوماسية إلى عملية ابتزاز ناعم، يُستخدم فيها الضغط السياسي والإعلامي لفرض قرار سيادي.
أما الجانب الرواندي، فقد دخل المفاوضات وهو في موقع مختلف تمامًا. فكيغالي تمتلك شبكة علاقات قوية داخل الدوائر الغربية، وتُجيد منذ سنوات تسويق نفسها كـ”شريك أمني موثوق” و”نموذج للاستقرار”. هذا التفوق في الخطاب واللوبي مكّنها من التفاوض من موقع قوة، لا من موقع تنازل، وهو ما يفسر غياب أي إشارات حقيقية إلى الاعتراف بمسؤوليتها في تأجيج الصراع شرق الكونغو.
النتيجة الطبيعية لاتفاق يُوقّع تحت الضغط هي انعدام الالتزام الفعلي به. فالتجربة التاريخية، سواء في إفريقيا أو خارجها، تؤكد أن الاتفاقات المفروضة غالبًا ما تنهار عند أول اختبار ميداني. وهذا ما يفسر المفارقة الصارخة بين مشهد التوقيع في واشنطن واستمرار المعارك على الأرض في كيفو، بل وتصاعدها في بعض المناطق بالتزامن مع مراسم التوقيع.
بعبارة أوضح، لم يكن الاتفاق تتويجًا لمسار سلام، بل محاولة لتجميل واقع متفجر. فالإرادة السياسية لم تُصنع في كينشاسا ولا في كيغالي، بل في واشنطن، وفق حسابات تتجاوز أمن المدنيين ومعاناة الملايين من النازحين. وهذا وحده كافٍ للتشكيك في جدية الاتفاق وفي قدرته على الصمود.
ثانيًا: قلب الحقائق – عندما يُقدَّم المعتدي في صورة الضحية
من أخطر ما يميز الاتفاق الأمريكي بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية أنه لا يكتفي بتجاهل جذور الصراع، بل يذهب أبعد من ذلك إلى إعادة صياغة الوقائع بطريقة تقلب الأدوار رأسًا على عقب. ففي نص الاتفاق، لا يظهر المعتدي باعتباره معتديًا، ولا الدولة التي انتهكت سيادة جارتها كطرف مسؤول عن العدوان، بل تُقدَّم رواندا وكأنها طرف يتصرف بدافع الدفاع عن النفس.
ينص الاتفاق على التزام الطرفين بـ«تحديد وتحييد القوات الديمقراطية لتحرير رواندا – FDLR» باعتبارها تهديدًا للأمن الرواندي، ويربط انسحاب القوات الرواندية من الأراضي الكونغولية بتحقيق هذا الشرط. هذه الصياغة تحمل في طياتها افتراضًا بالغ الخطورة: “أن الوجود العسكري الرواندي داخل الكونغو هو إجراء دفاعي مشروع، وليس انتهاكًا صريحًا لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة”.
هذا الطرح يتناقض بشكل مباشر مع القانون الدولي، الذي ينص بوضوح على أن دخول قوات دولة إلى أراضي دولة أخرى دون موافقتها يُعد عملًا عدوانيًا، بغض النظر عن الذرائع الأمنية المقدَّمة. والأخطر أن الاتفاق يتجاهل كمًّا هائلًا من التقارير الأممية التي وثّقت، بشكل لا لبس فيه، الدعم العسكري واللوجستي الذي تقدمه رواندا لحركة إم23، بما في ذلك وجود قوات نظامية رواندية داخل شرق الكونغو.
إن قلب الحقائق بهذا الشكل لا يُعد مجرد خطأ دبلوماسي، بل سابقة خطيرة. فهو يبعث برسالة مفادها أن الدولة الأقوى في لعبة النفوذ الدولي قادرة على فرض روايتها، حتى وإن كانت هذه الرواية مناقضة للوقائع المثبتة. وبهذا، يتحول الاتفاق من أداة لحل النزاع إلى وسيلة لشرعنة الأمر الواقع الذي فُرض بالقوة.
الأكثر إثارة للقلق أن هذا المنطق يُحمّل الدولة المعتدى عليها مسؤولية إنهاء الاحتلال. فبدل أن يُطالب المعتدي بسحب قواته فورًا ودون شروط، يُطلب من الكونغو أولًا تنفيذ التزامات أمنية معقدة في منطقة لا تملك السيطرة الفعلية عليها. هذا المنطق يُشبه مطالبة الضحية بإثبات حسن سلوكها قبل أن يتوقف المعتدي عن ضربها.
ولا يمكن فصل هذا الانقلاب في السردية عن النجاح الكبير الذي حققته رواندا في تسويق خطابها الأمني داخل العواصم الغربية. فمنذ سنوات، تُقدّم كيغالي نفسها كدولة تحارب «فلول الإبادة الجماعية» وتواجه تهديدات وجودية مستمرة، وهو خطاب وجد آذانًا صاغية، خصوصًا في ظل عقدة الذنب الغربية تجاه أحداث 1994. غير أن استخدام هذه المأساة التاريخية لتبرير تدخلات عسكرية خارج الحدود يشكل استغلالًا سياسيًا للتاريخ لا يخدم لا العدالة ولا الاستقرار.
إن اتفاقًا يُبنى على قلب الحقائق لا يمكن أن يُنتج سلامًا عادلًا. بل على العكس، هو يُكرّس منطق القوة، ويُضعف مبدأ السيادة، ويفتح الباب أمام مزيد من التدخلات تحت عناوين أمنية فضفاضة. وفي الحالة الكونغولية، يعني ذلك استمرار النزاع بدل احتوائه، لأن جذوره الحقيقية لم تُعالج، بل جرى التلاعب بها لغويًا وسياسيًا.
ثالثًا: شرط FDLR… بند مُفخخ لضمان فشل الاتفاق
عند التمعّن في بند “تحييد القوات الديمقراطية لتحرير رواندا FDLR” الوارد في اتفاق واشنطن، يتبيّن أنه لا يمثل حلًا أمنيًا بقدر ما يشكّل آلية سياسية معقّدة صُممت لتكريس واقع قائم بدل تغييره. فهذا الشرط، في جوهره، لا يفتح طريقًا نحو السلام، بل يضع أساسًا قانونيًا لاستمرار الوجود العسكري الرواندي في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية تحت غطاء دبلوماسي.
الإشكالية الأولى في هذا الشرط تكمن في كونه غير قابل للتنفيذ عمليًا. فالمناطق التي يُفترض أن تقوم فيها الدولة الكونغولية بتحديد مواقع القوات الديمقراطية لتحرير رواندا وتحييدها هي في الواقع مناطق خارجة عن سيطرة كينشاسا، وتخضع لنفوذ حركة إم 23 المدعومة عسكريًا ولوجستيًا من رواندا. وبذلك، يصبح تنفيذ الشرط مرهونًا بقدرة دولة على بسط سيطرتها على أراضٍ مُنتزعة منها بالقوة، وهو تناقض بنيوي يجعل الاتفاق يدور في حلقة مفرغة منذ لحظة توقيعه.
هذا التعقيد الأمني لا يمكن فصله عن البعد الاقتصادي للصراع. فشرق الكونغو ليس مجرد مسرح عمليات عسكرية، بل هو أحد أغنى أقاليم العالم بالموارد الطبيعية الاستراتيجية، من الذهب إلى الكوبالت والكولتان والمعادن النادرة. السيطرة على هذه المناطق تعني التحكم في سلاسل التوريد العالمية، وفرض اقتصاد تهريب عابر للحدود، يتم فيه تصدير الموارد الكونغولية عبر رواندا بعد إعادة تصنيفها، في ظل غياب فعلي لرقابة الدولة الكونغولية.
الأكثر إثارة للتساؤل هو أن الاتفاق يفترض استمرار وجود تهديد فعلي من قبل القوات الديمقراطية لتحرير رواندا في مناطق تسيطر عليها قوات مدعومة من رواندا منذ سنوات. فإذا كانت هذه القوات تمتلك اليد العليا ميدانيًا، فلماذا لم يتم تحييد هذه الجماعة المسلحة أصلًا؟ هذا السؤال يقود إلى استنتاج مقلق، مفاده أن وجود القوات الديمقراطية لتحرير رواندا، بحده الأدنى، يخدم وظيفة سياسية أكثر مما يشكل خطرًا عسكريًا حقيقيًا، إذ يوفّر الذريعة اللازمة لتبرير الوجود العسكري واستمرارية السيطرة على الأرض.
بهذا الشكل، لا يؤدي الشرط إلى استعادة سيادة الدولة الكونغولية، بل يكرّس نوعًا من التقسيم غير المعلن. فالكونغو تبقى دولة موحدة على المستوى القانوني والدولي، لكنها مجزأة فعليًا على الأرض، حيث يُدار جزء من أراضيها خارج إرادتها السياسية، وتُتخذ فيه قرارات أمنية واقتصادية لا تخضع لمؤسساتها الشرعية. هذا الواقع يخلق دولة ذات سيادة منقوصة، ويحوّل النزاع من أزمة مؤقتة إلى بنية دائمة.
الأخطر من ذلك أن هذا الوضع يسمح باستمرار اقتصاد الحرب، حيث تتغذى الجماعات المسلحة من تهريب الموارد، وتستفيد شبكات إقليمية ودولية من الفوضى، بينما يُحرم السكان المحليون من أبسط حقوقهم في الأمن والتنمية. وبدل أن يضع اتفاق واشنطن حدًا لهذه الحلقة، فإنه يمنحها غطاءً سياسيًا، من خلال ربط الانسحاب العسكري بشروط غير واقعية، وترك ملف الموارد خارج أي آلية رقابة أو مساءلة.
رابعًا: غياب الردع والعقوبات… اتفاق بلا قوة إلزامية
أي اتفاق سلام، مهما بلغت دقة صياغته، يفقد قيمته العملية إذا لم يكن مدعومًا بآليات واضحة للردع والتنفيذ. فالتجربة الدولية، من البلقان إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، تؤكد أن النزاعات المسلحة لا تُحل بالنوايا الحسنة وحدها، بل بوجود منظومة ضغط تجعل خرق الاتفاق مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا وقانونيًا. غير أن اتفاق واشنطن بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية جاء خاليًا تمامًا من هذا البعد الحاسم.
النص لا يتضمن أي تهديد بعقوبات دبلوماسية في حال عدم الالتزام، ولا يشير إلى إجراءات اقتصادية أو مالية يمكن اللجوء إليها عند خرق البنود. لا حديث عن تجميد أصول، ولا عن قيود على السفر، ولا عن مراجعة المساعدات الدولية. الأخطر من ذلك، أن الاتفاق لا يربط تنفيذه بأي مسار للمساءلة الجنائية، سواء على مستوى المحاكم الوطنية أو المحكمة الجنائية الدولية، رغم الكم الهائل من الجرائم الموثقة في شرق الكونغو.
هذا الفراغ ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو رسالة سياسية بحد ذاته. فحين يُوقَّع اتفاق دون أي أدوات إلزام، فإن الطرف الأقوى ميدانيًا لا يرى فيه سوى وثيقة شكلية، يمكن احترامها حين تخدم مصالحه، وتجاهلها حين تتعارض معها. وهذا بالضبط ما يحدث في الحالة الكونغولية، حيث استمرت العمليات العسكرية وتقدمت الجماعات المسلحة على الأرض في الوقت نفسه الذي كانت فيه الوثائق تُوقّع في واشنطن.
الأمر الأكثر إثارة للقلق أن الاتفاق يُراهن صراحة على ما يسميه “حسن نية الأطراف”. هذا الرهان يبدو ساذجًا، بل ومهينًا، إذا ما وُضع في سياق صراع دام أكثر من ثلاثين عامًا، وخلّف ملايين القتلى والنازحين. لو كانت حسن النية كافية، لما احتاج النزاع إلى عشرات الاتفاقات السابقة التي انتهت جميعها إلى الفشل.
في غياب الردع، يتحول الاتفاق إلى مظلة سياسية تتيح الاستمرار في خرقه دون كلفة. فالدولة المتهمة بدعم جماعات مسلحة لا تواجه أي تهديد فعلي، والجماعات نفسها لا تُذكر أصلًا كأطراف ملزمة، وكأنها كيانات خارج المعادلة، رغم كونها الفاعل الرئيسي على الأرض. هذا الفصل المصطنع بين الدول والجماعات المسلحة يخدم منطق الإفلات من العقاب، ويُبقي العنف كأداة تفاوضية مشروعة.
من زاوية أوسع، يكشف هذا الغياب عن ازدواجية صارخة في تطبيق المعايير الدولية. ففي نزاعات أخرى، تُفرض عقوبات قاسية خلال أيام أو أسابيع، وتُستخدم أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي دون تردد. أما في حالة الكونغو، فيُطلب من الضحية أن تتحلى بالصبر، وأن تراهن على وعود غير مضمونة، بينما تستمر معاناتها الإنسانية بلا أفق.
خامسًا: الكارثة الإنسانية… الضحية المنسية
بينما كان القادة يتبادلون الابتسامات المتكلفة ويلتقطون الصور التذكارية في واشنطن، كانت الأرض في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية تشتعل. في إقليمي شمال وجنوب كيفو، كانت المعارك تتصاعد، والقرى تُفرغ قسرًا من سكانها، والعائلات تُدفع إلى النزوح، والنساء يتعرضن لأبشع أشكال العنف الجنسي، فيما يُزج بالأطفال في دوامة التجنيد القسري. هذا التناقض الصارخ بين صورة السلام المعروضة أمام الكاميرات وواقع الحرب على الأرض يختزل مأساة الكونغو بأكملها.
حجم الكارثة الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة. أكثر من ستة ملايين إنسان يعيشون اليوم في حالة نزوح داخلي، محرومين من بيوتهم وأراضيهم وأبسط مقومات الاستقرار. وفي الوقت نفسه، يعاني ما يقارب ثمانية وعشرين مليون شخص من انعدام حاد في الأمن الغذائي، في بلد يختزن من الثروات الطبيعية ما يكفي لإطعام قارة بأكملها. العنف لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل واقعًا يوميًا، حيث تُغتصب امرأة كل أربع دقائق، ويُعتدى على طفل كل نصف ساعة، في صمت دولي يكاد يكون مطبقًا.
هذه الأرقام ليست مجرد معطيات إحصائية تُذكر في تقارير المنظمات الدولية، بل هي تعبير عن حياة مكسورة، وأجساد منتهكة، وأجيال تُحرم من مستقبلها. ومع ذلك، فإن الاتفاق الذي وُقّع باسم السلام تجاهل هذه المأساة بشكل شبه كامل. لم يتضمن أي مسار للعدالة الانتقالية، ولم يشر إلى ضرورة محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة، ولم يقدم ضمانات حقيقية لحماية المدنيين أو إنصاف الضحايا.
سادسًا: المعادن أولًا… السلام لاحقًا
لا يمكن فهم اتفاق واشنطن بعيدًا عن السياق الجيوسياسي الأوسع للصراع العالمي على المعادن الاستراتيجية. فشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ليس مجرد مسرح نزاع مسلح، بل يُعد أحد أهم الخزانات الطبيعية في العالم للمواد التي تقوم عليها الصناعات الحديثة واقتصاد التحول الطاقي. في هذه المنطقة تتركز كميات هائلة من الكوبالت الضروري لبطاريات السيارات الكهربائية، والكولتان المستخدم في الصناعات الإلكترونية، إضافة إلى الليثيوم والنحاس والمعادن النادرة التي أصبحت عصب التنافس التكنولوجي والعسكري بين القوى الكبرى.
في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة لاعبًا يسعى إلى تعويض تأخره النسبي في هذا السباق، خصوصًا في مواجهة النفوذ الصيني المتنامي في القارة الإفريقية. وقد شكّل النزاع في شرق الكونغو فرصة استراتيجية لواشنطن لإعادة التموضع، ليس من خلال حل جذري للصراع، بل عبر فرض تسوية سياسية تفتح لها باب الوصول المباشر أو غير المباشر إلى هذه الموارد الحيوية. تصريحات المسؤولين الأمريكيين لم تُخفِ هذا المنطق، إذ جرى تقديم السلام بوصفه مدخلًا للاستثمار، والاستقرار بوصفه شرطًا لاستغلال المعادن، في معادلة تختزل المعاناة الإنسانية في حسابات اقتصادية بحتة.
ضمن هذه المعادلة، أظهرت رواندا قدرة عالية على قراءة موازين القوى الدولية. فقد استثمرت نفوذها العسكري والأمني على الأرض لتفرض نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه، بل كـ«بوابة» إقليمية لتدفق المعادن الكونغولية نحو الأسواق العالمية. هذا الدور، وإن جرى تغليفه بخطاب التعاون والاستقرار، مكّن كيغالي من تعزيز موقعها التفاوضي مع القوى الكبرى، وتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية تفوق بكثير وزنها الجغرافي والديمغرافي.
في المقابل، وُضعت جمهورية الكونغو الديمقراطية في موقع الممول القسري لهذا النظام غير العادل. فمواردها تُستخرج من أراضيها، لكنها لا تملك السيطرة الفعلية على سلاسل إنتاجها وتسويقها، ولا تحصد عوائدها التنموية. وهكذا، يتحول السلام الموعود إلى ترتيب يخدم تدفق المعادن أكثر مما يخدم استقرار الإنسان، ويُعاد إنتاج منطق قديم يُقدَّم فيه الكونغو كخزان ثروات، لا كدولة ذات سيادة كاملة على مقدراتها.
سابعًا: تدويل الأزمة… من الحل الإفريقي إلى سوق المصالح الدولية
لم يكن المسار الذي قاد إلى اتفاق واشنطن نتاج لحظة دبلوماسية معزولة، بل ثمرة سلسلة من التحركات الإقليمية والدولية المتداخلة. فمنذ البداية، برز جهد إفريقي واضح لمعالجة الأزمة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، تمثل أساسًا في مسار لواندا الذي قادته أنغولا. ورغم ما واجه هذا المسار من تعقيدات وانسدادات سياسية وأمنية، فإنه عكس محاولة جادة لبناء حل ينطلق من فهم إقليمي لطبيعة النزاع، ويضع مسألة السيادة الكونغولية في صلب معادلة الأمن الإقليمي.
ومع وصول مسار لواندا إلى مرحلة من الجمود، برز الدور القطري بوصفه عامل دعم وتيسير، لا عامل إزاحة أو وصاية. فقد سعت الدوحة إلى إعادة تنشيط الحوار واستكمال ما تعثّر، من دون القفز فوق الجهود الإفريقية أو مصادرتها. وقد اتسم هذا الدور بقدر من البراغماتية والهدوء، ما ساعد على فتح قنوات التواصل بين الأطراف وخفض منسوب التوتر السياسي في مرحلة دقيقة، مع الحفاظ على الانسجام العام مع الإطار الإفريقي للمبادرة.
غير أن دخول الولايات المتحدة على خط الوساطة شكّل نقطة تحوّل في مسار الأزمة، ولا يمكن فصله عن الاهتمام المتزايد بالمعادن الاستراتيجية التي تزخر بها الأراضي الكونغولية. ففي هذه المرحلة، لم تعد الوساطة مجرّد جهد دبلوماسي يهدف إلى إنهاء النزاع، بل تحوّلت إلى أداة لإعادة ترتيب النفوذ الاقتصادي والسياسي في المنطقة. إذ سعت كل عاصمة معنية إلى تثبيت دورها، لا بالضرورة لإنهاء الحرب، بل للتموضع في مرحلة ما بعد النزاع، بما تحمله من فرص استثمارية وصفقات ومكاسب طويلة الأمد.
وفي خضم هذا التدويل المتسارع، تراجعت أصوات الضحايا وغابت المجتمعات المحلية عن طاولات النقاش، فيما تحوّلت القضية الكونغولية إلى ملف يُدار من الخارج. وبدل أن تكون الدولة الكونغولية صاحبة القرار في رسم ملامح السلام، أضحت طرفًا يُستدعى للتوقيع على ترتيبات تُصاغ خارج حدودها، وفق أجندات لا تعكس بالضرورة أولوياتها الوطنية ولا حجم المعاناة التي يعيشها سكانها.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار أسهم في إضعاف منطق الحل الإفريقي للمشكلات الإفريقية. فعندما تُهمَّش المبادرات الإقليمية الجادة لصالح وساطات بعيدة، تُبعث رسالة ضمنية مفادها أن القارة عاجزة عن معالجة أزماتها دون وصاية خارجية. وهذا المنطق لا يضر بالكونغو وحدها، بل يقوّض الثقة في المؤسسات الإقليمية الإفريقية ويكرّس أشكالًا متجددة من التبعية السياسية.
وبهذا المعنى، لم يعد النزاع في شرق الكونغو مجرد أزمة أمنية أو إنسانية، بل تحوّل إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الدولية. وفي ظل هذا الواقع، يغدو السلام سلعة تفاوضية، وتصبح معاناة الشعوب خلفية باهتة لمشهد تتنافس فيه القوى على النفوذ والثروة، بينما يبقى جوهر الأزمة، المتمثل في السيادة والعدالة وحماية الإنسان، دون معالجة حقيقية.
خاتمة:
يقدَّم اتفاق واشنطن بوصفه لحظة اختراق دبلوماسي ونقطة تحول في مسار النزاع بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، غير أن قراءة متأنية لمضمونه وسياقه تكشف أنه أقرب إلى سلام صُنع للكاميرات منه إلى تسوية حقيقية تنهي حربًا طويلة. فبينما احتفت الصور الرسمية بلحظة التوقيع، ظل الواقع على الأرض ينطق بلغة مغايرة تمامًا، لغة السلاح والنزوح والمعاناة الإنسانية المستمرة في شرق الكونغو.
هذا الاتفاق، كما بيّنت فقرات التحليل السابقة، لم يعالج جذور الصراع بقدر ما أعاد ترتيب مظاهره. فقد تجاهل مسألة العدوان وانتهاك السيادة، وشرعن الأمر الواقع عبر شروط مستحيلة التنفيذ، وترك ملف العدالة والمساءلة خارج الحسابات. كما ربط السلام باعتبارات اقتصادية واستراتيجية، وجعل الوصول إلى الموارد أولوية تتقدم على حماية الإنسان، في منطق يعيد إنتاج تاريخ طويل من استغلال الكونغو تحت عناوين جديدة.
الأخطر أن الاتفاق كرس فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. ففي الوقت الذي كان يُروَّج فيه للسلام، كانت المعارك تتواصل، وكانت الجماعات المسلحة تعزز مواقعها، وكانت أعداد الضحايا في ازدياد. هذا التناقض لا يضع مصداقية الاتفاق موضع تساؤل فحسب، بل يهدد بتحويله إلى غطاء سياسي لاستمرار العنف بدل أن يكون أداة لوقفه.
كما أن تدويل الأزمة، بدل أن يكون رافعة لحل عادل، أفرغ المسار من روحه الإفريقية، وهمّش المبادرات الإقليمية، وحوّل النزاع إلى ساحة تنافس بين قوى تسعى إلى تثبيت نفوذها الاقتصادي والسياسي. وفي خضم هذا الصراع الدولي، غابت أصوات الكونغوليين أنفسهم، وغُيّبت معاناة الضحايا، وأُجِّلت أسئلة العدالة إلى أجل غير مسمى.
إن السلام الحقيقي لا يُقاس بعدد الصور الملتقطة ولا بعدد البيانات الصادرة، بل بقدرته على وقف العنف، وحماية المدنيين، واستعادة سيادة الدولة، وضمان محاسبة المسؤولين عن الجرائم. ومن دون هذه الأسس، يبقى أي اتفاق عرضة للانهيار، ويظل مجرد هدنة إعلامية سرعان ما تتبدد أمام أول اختبار ميداني.
في نهاية المطاف، يظل شعب جمهورية الكونغو الديمقراطية هو الخاسر الأكبر من هذا التناقض بين سلام يُسوَّق في العواصم وحرب تُخاض على أرضه. وبينما تتغير الأسماء والعواصم والوساطات، تبقى الحقيقة واحدة: لا سلام بلا عدالة، ولا استقرار بلا سيادة، ولا مستقبل لمنط




