تقدير موقف

مخاطر انتقال العدوى الأمنية إلى دول غرب إفريقيا

عبد السلام ميغا

المقدمة

تشهد منطقة غرب إفريقيا تحوّلاً مقلقاً في طبيعة التهديدات الأمنية، يتمثل في انتقال مركز الثقل الجهادي من دول الساحل إلى الدول الساحلية المطلة على خليج غينيا. هذا التحول لم يعد مجرد احتمال نظري، بل بات واقعاً ميدانياً تؤكده وتيرة الهجمات، واتساع رقعة النشاط المسلح، وتغيّر أنماط عمل الجماعات الجهادية التي لم تعد تكتفي بالتمركز في البيئات الهشة تقليدياً، بل تتجه نحو فضاءات أكثر قيمة اقتصادياً واستراتيجياً.

يتزامن هذا التطور مع أزمة عميقة في منظومة الأمن الإقليمي، نتيجة الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ثم انسحاب هذه الدول من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس)، وتشكيلها إطاراً أمنياً بديلاً هو تحالف دول الساحل. هذا الانقسام السياسي والأمني خلق فراغاً عملياتياً استغلته الجماعات المسلحة، وفي مقدمتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (فرع تنظيم القاعدة في غرب أفريقيا)، لتوسيع نفوذها جنوباً على حساب الدول الساحلية.

التفاصيل

التوسع نحو خليج غينيا: من الساحل إلى السواحل

  • لم يعد الساحل الإفريقي هدفاً نهائياً للجماعات الجهادية، بل تحوّل إلى مرحلة انتقالية ضمن رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى الوصول إلى السواحل الأطلسية.
  • التمدد الجاري نحو خليج غينيا يتم بشكل تدريجي ومدروس، عبر اختراق المناطق الحدودية الهشة، واستغلال الغابات والمحميات الطبيعية، ثم استهداف البنى الأمنية والاقتصادية ذات الحماية المحدودة.
  • تشير المعطيات الميدانية إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الهجمات داخل وحول المناطق الحدودية للدول الساحلية، خصوصاً في شمال بنين وتوغو وجنوب.
  • هذا التوسع لا يعتمد على السيطرة المباشرة أو احتلال المدن، بل على إنهاك القوات النظامية، وإرباك الدولة، وفرض حضور أمني منخفض الكلفة يسمح للجماعات بالتحرك والانسحاب دون خسائر كبيرة.

لماذا تمثل الدول الساحلية هدفاً استراتيجياً؟

  • تكمن الأهمية الاستراتيجية للدول الساحلية في كونها تمثل القلب الاقتصادي لغرب إفريقيا. ففي حين تعاني دول الساحل من الفقر والانغلاق الجغرافي، تحتضن دول خليج غينيا الموانئ الدولية، وشبكات التجارة الإقليمية، والبنى التحتية الحيوية المرتبطة بالاستيراد والتصدير والطاقة.
  • السيطرة غير المباشرة أو حتى التهديد المستمر لهذه الدول يمنح الجماعات المسلحة عدة مكاسب جوهرية:

أولاً، فتح قنوات تمويل جديدة عبر التهريب والابتزاز والسيطرة على الأنشطة غير الرسمية.

ثانياً، تسهيل دخول السلاح والعتاد عبر المسارات البحرية.

ثالثاً، امتلاك أوراق ضغط اقتصادية من خلال تهديد طرق الإمداد التي تعتمد عليها دول الساحل نفسها.

رابعاً، توسيع مسرح العمليات إلى فضاء إقليمي يصعب احتواؤه بجهود وطنية منفردة.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كفاعل محوري في التوسع

  • تُعد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الفاعل الأكثر ديناميكية وخطورة في المشهد الأمني الراهن بغرب إفريقيا.
  • فالجماعة تمتلك بنية تنظيمية مرنة، وشبكة تحالفات محلية، وقدرة عالية على التكيف مع البيئات المختلفة.
  • تعتمد الجماعة نموذج توسع غير تقليدي، يقوم على إنشاء خلايا محلية صغيرة، واستغلال الاقتصاد غير الرسمي، وفرض الإتاوات تحت غطاء ديني، إضافة إلى محاولة لعب دور بديل عن الدولة في المناطق المهمشة.
  • هذا النموذج يسمح لها بالتمدد دون الحاجة إلى مواجهات واسعة، ويجعل تفكيك نفوذها عملية معقدة وطويلة الأمد.

  الدول الأكثر عرضة: بنين وتوغو

  • تمثل بنين وتوغو خط المواجهة الأمامي مع التمدد الجهادي نحو خليج غينيا، بحكم موقعهما الجغرافي واتصالهما المباشر بمناطق نفوذ الجماعات المسلحة في جنوب بوركينا فاسو وغرب النيجر.
  • في بنين، انتقلت الهجمات من عمليات تسلل محدودة إلى ضربات أكثر جرأة وتعقيداً استهدفت مواقع عسكرية وأمنية، ما يعكس تطوراً في القدرات العملياتية للجماعات المسلحة. هذا التحول يشير إلى أن الهدف لم يعد مجرد الاختراق، بل اختبار قدرة الدولة على الصمود والاستجابة المستمرة.
  • في توغو، يتركز الخطر في منطقة السافانا الشمالية، حيث تعتمد الجماعات استراتيجية “الترسيخ البطيء” بدلاً من الهجمات الكبرى، بهدف استنزاف الدولة وإضعاف حضورها، تمهيداً لتحويل المنطقة إلى فضاء نفوذ غير معلن.
  • غير أن دائرة الخطر تتجاوز هذين البلدين. ففي غانا، تتزايد مؤشرات النشاط غير المباشر في الشمال، خصوصاً في ظل تدفقات اللاجئين من بوركينا فاسو وما يصاحبها من توترات اجتماعية قابلة للاستغلال.
  • وفي كوت ديفوار، ورغم نجاح المقاربة الأمنية-التنموية في تقليص التهديد، لا تزال المناطق الشمالية والغابات الحدودية تمثل نقاط هشاشة محتملة.
  • أما السنغال وغينيا، فيظل الخطر كامناً لكنه يتصاعد مع اقتراب النشاط الجهادي من الحدود الجنوبية لمالي.
  • وتبقى نيجيريا حالة خاصة، إذ تعاني منذ أكثر من عقد من الإرهاب المرتبط بجماعات محلية مثل “بوكو حرام” وتنظيم “داعش في غرب إفريقيا”. إلا أن التهديد الجديد يتمثل في امتداد ديناميات الساحل إلى الداخل النيجيري، حيث تبنّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي يتمركز ثقلها في مالي، أول هجوم منسوب لها داخل نيجيريا في أواخر عام 2015، ما ينذر بتداخل مسارات العنف القادمة من الساحل مع تلك القائمة في حوض بحيرة تشاد.

العامل الديني والنزاعات القبلية وكيف يمكن استغلاله

  • يختلف السياق الديني في دول خليج غينيا عن دول الساحل الإفريقي، حيث تمثل الأغلبية المسلمة أكثر من 95% في مالي والنيجر، ونحو 64% في بوركينا فاسو. في المقابل، يغلب الطابع المسيحي على دول خليج غينيا، ويشكل المسلمون أقل من 20% من السكان في بنين وتوغو وغانا.
  • هذا التباين لا يحمل بطبيعته بعداً صراعياً، لكنه قد يتحول إلى أداة تعبئة إذا ما استُغل خطابياً من قبل الجماعات الجهادية. تسعى هذه الجماعات إلى تغذية سرديات المظلومية الدينية والتهميش الاجتماعي، وربط النزاعات القبلية أو الخلافات حول الأراضي والرعي بخطاب ديني عابر للحدود.
  • هذا النمط من الاستغلال أثبت فعاليته في مناطق أخرى مثل شمال نيجيريا وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية وفي الموزمبيق، حيث تحولت توترات محلية إلى أدوات تجنيد وتوسع، ما يهدد بتآكل النسيج الاجتماعي وفتح مساحات نفوذ طويلة الأمد.

أزمة التعاون الإقليمي: الانقسام الذي يخدم الجماعات

  • يشكل تراجع التعاون الإقليمي عاملاً حاسماً في تفاقم الخطر. فقد أدى الانقسام السياسي بين الإيكواس وتحالف دول الساحل إلى إضعاف تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتراجع العمليات المشتركة، وتقلص آليات المطاردة عبر الحدود.
  • في المقابل، تتحرك الجماعات المسلحة ضمن فضاء عمليات موحد، مستفيدة من هذا التفكك المؤسسي، ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

مبادرة أكرا: إطار واعد لكنه يعاني الجمود

  • أُطلقت مبادرة أكرا منذ عام 2017، لربط دول الساحل والدول الساحلية في إطار أمني عملي، لكنها عانت من الجمود وتراجع الزخم السياسي.
  • في المقابل، حاولت الإيكواس استعادة دورها عبر تقديم دعم مالي مباشر لبعض الدول المتضررة، وإحياء مشروع قوة إقليمية لمكافحة الإرهاب، إلا أن هذه الجهود ما تزال تواجه تحديات التمويل والجاهزية والتوافق السياسي.

بين الإيكواس وتحالف دول الساحل: الواقعية تفرض التنسيق

  • رغم الخلافات، تفرض طبيعة التهديد واقعاً لا يمكن تجاهله، وهو أن الإرهاب عابر للحدود ولا يمكن مواجهته ضمن تكتلات منغلقة.
  • وقد بدأت تظهر مؤشرات واقعية على ضرورة التنسيق، خاصة في ملف مكافحة الإرهاب، باعتباره مصلحة مشتركة لا تحتمل القطيعة.

التعقيب والتحليل

  • انتقال العدوى الأمنية إلى دول غرب إفريقيا الساحلية ليس نتاج عامل منفرد، بل نتيجة تفاعل معقد بين التوسع الجهادي، والهشاشة الاجتماعية، والانقسام السياسي، وتراجع التعاون الإقليمي.
  • الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تصاعد الهجمات، بل في تشكل مساحات نفوذ طويلة الأمد تُقوض سلطة الدولة تدريجياً.

الرأي والتوصيات

  • إعادة بناء التنسيق الأمني الإقليمي على أسس عملية بعيداً عن الاستقطاب السياسي.
  • تفعيل مبادرة أكرا ميدانياً وربطها بآليات تنفيذ وتمويل واضحة.
  • الجمع بين المقاربة العسكرية وبرامج التنمية المحلية في المناطق الحدودية.
  • تعزيز الخطاب الديني المعتدل ومنع توظيف الهويات الدينية والقبلية في الصراع.
  • الانتقال من استراتيجيات الاحتواء المؤقت إلى مقاربة إقليمية شاملة تعالج جذور التهديد لا مظاهره فقط.

كاتب

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى