فوز بول بيا في انتخابات 2025: قراءة في انعكاساته على الأمن والاستقرار الكاميرون
فوز بول بيا في انتخابات 2025: قراءة في انعكاساته على الأمن والاستقرار الكاميرون
تتمتع الكاميرون بأهمية كبرى نظرا لموقعها الجيواستراتيجي في القارة الأفريقية ، حيث تشكل أهم الفواعل في المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا، وبجانبه كل من تشاد الغابون وأفريقيا الوسطى والكونغو وغينيا الاستوائية، في يناير 1960 نالت الكاميرون استقلاله عن فرنسا ، استطاع بول بيا ان يحقق استقرار نسبي في بلد يعاني من التناقضات والانقسامات وتنامي التيارات الانفصالية في المناطق الانجلوفونية، عن الحد من تمدد جماعة بوكو حرام التي لديها نفوذ وانتشار كبير حول بحيرة حوض تشاد ، يواجه بيا انتقادات حادة مرتبطة بالفساد والمحسوبية ، وتراجع معدلات التنمية وارتفاع نسبة البطالة ، في ظل تصاعد وتيرة الاحتجاجات، أعلنت اللجنة الوطنية للانتخابات فوز الرئيس بول بيا بولاية جديدة، إلا أن منافسه لم يتقبل النتيجة النهائية ودخلت البلاد في حالة من التظاهرات والمواجهات المستمرة مع الأجهزة الأمنية ودخلت الكاميرون في حالة من الاحتقان السياسي لا يمكن التكهن بمآلاتها، في إطار محيط إقليمي تتزايد في حالات الانقلاب العسكرية.
تسعى هذه الورقة التحليلية إلى قراءة في المشهد الكاميروني بعد فوز بول بيا في انتخابات 2025 وانعكاسات ذلك على الأمن والاستقرار؟
السياق السياسي والانتخابي في الكاميرون
تولى بول بيا السلطة في جمهورية الكاميرون في نوفمبر / تشرين الثاني عام 1982، بعد استقالة الرئيس السابق أحمد أهيدجو، الذي كان يعاني من إشكاليات صحية ، معتمدا على نص دستوري يمنح رئيس الوزراء أحقية تولى منصب رئاسة الجمهورية في حالة شغور المنصب ، واكتملت عملية انتقال السلطة بشكل سلس وهادي، واستمر في حكم الكاميرون عبر مراحل سياسية متعددة ومختلفة ، بفضل قبضته على السلطات حتى يومنا هذا وذلك من خلال الفوز المتكرر في كل الانتخابات الرئاسية التى شهدتها البلاد، إذ ألغى الحد الأقصى لعدد الولايات الرئاسية في الكاميرون، وسيطر أيضا على مراكز القرار داخل اجهزة الحزب الحاكم الاتحاد الوطني الكاميروني .(1)
وفي إطار مساعي بول بيا للقضاء على ما تبقى من نفوذ داخل أجهزة الدولة للرئيس السابق أحمد أهيدجو، أعلنت السلطات عن اعتقال أشخاص على صلة بـ أهيدجو بتهمة التآمر على الدولة ، في 1984 انتخب بيل رئيسا للجمهورية بعد أن حصل على أغلبية ساحقة ،وفي تطور مفاجئ أعلنت الحكومة عن افشال انقلاب عسكري حيث ارتبطت المحاولة الانقلابية بالرئيس السابق أهيدجو، الذي غادر الكاميرون في العام 1983. وصدر بحقه حكم غيابي بالإعدام، قبل أن يتوفى في السنغال بالعام 1989 ، إثر أزمة قلبية ودفن هناك بسبب رفض بيل نقل جثمانه إلى الكاميرون . (2) وفي ظل اتساع مخاوف بيا من فقدان السلطة في ظل تنامي موجات الانقلابات العسكرية في القارة الأفريقية، ألغى بيا منصب رئيس الوزراء ، وجمع كل الصلاحيات في يديه بما في ذلك الحزب الحاكم الذي أقدم على تغيير اسمه إلى التجمع الديمقراطي للشعب الكاميروني بدل عن الاتحاد الوطني ، ليمحو بذلك إرث الرئيس الأول للجمهورية أحمدو أهيدجو.
في العام 1988 أعيد انتخاب بيا حيث حصل على أكثر من 98 من الأصوات ، وفي الجانب الآخر استحوذ حزبه على جميع مقاعد البرلمان ، في انتخابات داخل الحزب الواحد .(3) ليستمر بول بيا في أحكام السيطرة المطلقة على السلطة في بلادها بلا منازع محتمل ، وفي مطلع التسعينات وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، بدأت مرحلة جديدة في القارة الأفريقية بانتقال عدد من الأنظمة الحاكمة من نظام الحزب الواحد إلى مرحلة التحول الديمقراطي وإقرار التعددية الحزبية وتأكيد على قضية التداول السلمي للسلطة ، و انخرطت الكاميرون في هذا المسار ، جاء ذلك في سياق ضغوط داخلية وخارجية ، تتمثل في موجة من الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح السياسي ، وأثر ذلك أعاد بيا منصب رئيس الوزراء ، وأصدر عفوا شمل العديد من المعارضين والسياسيين ، بهدف تهدئة الشارع وتهيئة المناخ لحوار وطني شامل ، حيث فاز بيا في عام 1992 في أول انتخابات رئاسية تعددية ، متقدما بفارق ضئيل على منافسه جون فرو ندي ، مرشح الجبهة الديمقراطية الاجتماعية . (4)
رغم التحولات التي سادت في القارة الأفريقية لم تتغير الأوضاع في الكاميرون كثيرا عقب الحوار الوطني ، حيث حصل الحزب الحاكم على 116 معقدا في البرلمان من أصل 180 ، وأعيد انتخاب بول بيا مجددا بنسبة تفوق 90% من الأصوات وذلك في انتخابات 1997، وكذلك فاز بيا بانتخابات 2004 بدون مفاجأة .(5) راهن بول بيا على قضايا الأمن والاستقرار في البلاد ، مما دفعه إلى إلغاء الحد الأقصى لعدد الولايات في العام 2008 ، وهنا بدأ جليا بأن بيا يسعى للبقاء في السلطة مدى الحياة مستفيدا من انقسام المعارضة التي لم تتوحد حول مرشح واحد في جميع الانتخابات ، فضلا عن بروز المعضلة الأمنية مجددا إلى السطح ، مما سهل له مهمة الاستمرار في الحكم والفوز بالانتخابات في عامي 2011 و 2018
الانتخابات الرئاسية للعام 2025
تعتبر الانتخابات الرئاسية في الكاميرون التي جرت في أكتوبر 2025 ، وسط مشهد سياسي شديد الاستقطاب، حيث استطاع الرئيس المنتهية ولايته بول بيا الفوز بولاية ثامنة بنسبة %53.66 من الأصوات متقدما على أبرز منافسيه إسحاق تشيروما بكاري الذي حصل 35.19% ، في ذات السياق استبعد المعارض البارز موريس كامتو بقرار من المجلس الدستوري (6). الظروف الانتخابية شكلت بشكل أو بآخر لصالح بيا فضلا عن تقسيم المعارضة وعدم توافقها على مرشح واحد أسهم بشكل مباشر في فوز بيا بالانتخابات مجددا ليبقى الرئيس الأكبر عمرا في السلطة مستفيدا من سيطرة حزبه الحركة الديمقراطية الشعبية على الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد ، ويلاحظ أيضا أن قرار تأجيل الانتخابات التشريعية والمحلية إلى 2026، لتمنح للحرب الحاكم أفضلية.
مع تصاعد الآمال الشعبية في وضع حد للنظام الحاكم في الكاميرون ورفض استمرارية بول بيا وحزبه الحاكم في السلطة ، شككت قوى المعارضة في مصداقيتها وادعت أنها مزورة واللجنة الانتخابية منحازة لصالح الحكومة ، حيث أعلن المرشح إسحاق تشيروما بكارى فوزه بالانتخابات في مناسبات متعددة ، مما دفع بعض البعض بضرورة إعادة الانتخابات من جديد وتفعيل أدوار المراقبين الإقليميين والدوليين لوضع حد من التدخل الحكومي في العملية الانتخابية . (7) حالة الانسداد السياسي الذي تعيشه الكاميرون وفشل محاولات التغيير عن طريق التداول السلمي مما يفتح الباب أمام التوقعات للأوضاع في الكاميرون لاسيما أن البلاد تعاني من إشكاليات وتعقيدات كجماعة بوكو حرام والحركة الانفصالية في المناطق الانجلوفونية.
تبدو الانتخابات الرئاسية في الكاميرون ابعد ماتكون عن مجرد استحقاق دوري ، بل أقرب إلى اختبار شامل لمدى قدرة البلاد على تفادي الانزلاق نحو مزيد من الانقسام وعدم الاستقرار بالرغم من ذلك ظلت مسألة شرعية النظام السياسي حاضرة بقوة ، الشرعية في النظام الكاميروني منذ أن تولى بيا السلطة ، مزيجا من الاستقرار وهيمنة الحزب الحاكم على كل الأوضاع وخلق توازن مناطقي ، لكن سرعان ما تراجعت هذه المقارنة في الحكم ويعود ذلك إلى استمرارية الرئيس بيا في السلطة لفترة تجاوزت الأربعة عقود (8) ، حيث تناقصت شعبيته بشكل متسارع في تنامي تيارات شعبية شبابية رافضة لحكمه حيث تعاني شرائح واسعة من الكاميرونية من البطالة وتفشي الفقر مصحوبا مع تآكل الثقة في الأجهزة الحكومية .
فالقيادة ذاتها تعاني من أزمة الحضور ، فالرئيس بيا نادر الظهور و تدار شؤون الدولة عبر قلة من مستشاري وتؤكد بعض التقارير الصحافية بأن بيا يقضي أوقات طويلة في جنيف لأسباب صحية أو ترفيه مما انعكس بشكل مباشر على الأداء الحكومي وسط تساؤلات متنامية حول حالته الصحية وقدرته على ممارسة مهامه بعد تجاوز عمره التسعين عاما ، رغم أن النظام الحاكم يقدمه باعتباره رمزا للاستقرار فإن بقائه في السلطة خلق حالة من السلام الشعبي وفتح الباب أمام مخاوف من فراغ حال غيابه المفاجئ (9) . خصوصا في ظل غياب اي ملامح واضحة لخطة انتقالية أو إجماع داخل الحزب الحاكم حول خليفته .
هناك عدد من العوامل أسهمت في إعادة انتخاب بول بيا لولاية ثامنة في الانتخابات الرئاسية في الكاميرون ويمكن إجمالها في التالي :
اولا : سيطرة الحزب الحاكم على العملية الانتخابية في الكاميرون ، يتميز المشهد السياسي في الكاميرون بهيمة حزب التجمع الديمقراطي للشعب بالتحكم على أجهزة ومؤسسات الدولة وذلك منذ أربعة عقود ، مصحوبا بتعديلات دستورية ألغت الولايات الرئاسية مما جعل المنافس الانتخابية شكلية حيث يوظف الحزب الحاكم كل إمكانيات الدول لخدمة مرشحه الرئاسي ، والاتجاه الآخر تحاصر المعارضة بالقيود القانونية والأمنية، مما يضعف من أهمية الانتخابات كآلية فعالة للتداول السلمى للسلطة ، كما ان غياب الشفافية (10) والتلاعب بالنتائج يفتح الباب أمام نزاعات سياسية ستفضي إلى اضطرابات شعبية وواسعة.
ثانيا:غياب التوافق حول مرشح قوى منافس للرئيس بيا من قوى المعارضة، انقسام المعارضة وتشتتها وعدم قدرتها على اختيار مرشح متفق عليه قادرة على المنافسة ، وازداد التشتت بعد استبعاد المرشح الأقوى موريس كامتو من قائمة المترشحين ، مما أسهم في أضعاف المعارضة بل شجع على عزوف الناخبين عن المشاركة في التصويت وفقدان الثقة بالعمل السياسي كوسيلة للتغيير ، من جانب آخر برز الاستقطاب العرقي كمحدد في العملية الانتخابية حيث اتخذ منحى خطير خلال تأجيج الانقسامات العرقية خصوصا بين البامليكي والفلان (11) . مما أسهم في تشتت أصوات الناخبين واضعف المعارضة.
ثالثا: التضييق على المجتمع المدني ، مع تراجع فعالية المعارضة وفشل التوافق حول مرشح للمنافسة، برز المجتمع المدني كطرف فاعل يحاول ملء الفراغ عبر حملات لتسجيل الناخبين أو تبني مقترح الحوار الوطني ، إلا أنها اصطدمت ببيئة قمعية تحد من حرية التعبير والتضييق على المنظمات المستقلة ، ويمثل اعتقال الصحفيين وإغلاق منصات إعلامية اسهمت في تشكيل وعي جمعي للشباب بضرورة التغيير ،لكن السلطات واجهت المجتمع المدني بالترهيب وتقديمهم للمحاكمات ، وهو ما خلق مناخا من القمع والترهيب ، وعزز من القبضة الأمنية، لذا انفرد النظام بإدارة العملية الانتخابية لصالح استمرارية الحزب الحاكم (12).
انعكاسات الفوز على الأمن والاستقرار في الكاميرون
وسط تصاعد الاحتجاجات في الكاميرون أعلنت اللجنة الوطنية للانتخابات فوز الرئيس المنتهية ولايته بول بيا بعد حصوله على 53.66% من الأصوات، متقدما على أبرز منافسه المعارض عيسى تشيروما بكارى ، الذي نالت 35.19، لكن الشارع لم يتقبل النتائج ، إذ شهدت بعض المدن مواجهات بين قوات الأمن وأنصار المعارضة الذين رأوا بأن العملية الانتخابية كرست حكم بيا وحزبه ، لذا نسعى إلى تسليط الضوء على انعكاسات الفوز على الأمن والاستقرار في الكاميرون ودور العوامل أدناه في انفراط عقد السلم والأمن .
اولا : الاحتجاجات الجماهيرية الرافضة لنتائج الانتخابات الرئاسية
عقب إعلان إعادة انتخاب بول بيا لولاية ثامنة في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية وارتفاع معدلات البطالة، فانطلقت الاحتجاجات الشعبية في العديد من المدن الكاميرونية بدأ من العاصمة ياوندي وكذلك دوالا العاصمة الاقتصادية فضلا عن كل من غاروا عاصمة الشمال و ماروا ، ونغاونديري والوسام، حيث خرجت الحشود إلى الشوراع مما أسفر عن اشتباكات عنيفة في بعض المدن وسقوط عدد من القتلى ، كما اشتعلت النيران في مقر الحزب الحاكم في منطقة دشانغ غرب البلاد ، وفي الجانب الآخر شنت الحكومة حملة اعتقالات واسعة النطاق في كل المدن التي شملتها الاحتجاجات، تزامن ذلك مع انقطاع شبه كامل للإنترنت(13) ، حيث سعت الأجهزة للسيطرة على تدفق المعلومات وحجب صور ومقاطع الانتهاكات ، التعتيم الرقمي يعكس خوف السلطات من اتساع نطاق الاحتجاجات ، رفض المعارضة الاعتراف بفوز بيا ، معتبرة أن الانتخابات شابها التزوير وانخراط شرائح واسعة من الشباب في الاحتجاجات يعكس قدرة على التنظيم والتأثير، في ظل تمسك مرشح المعارضة عيسى تشيروما بكاري بأنه الفائز بالانتخابات ، مغادرته البلاد منحته قدرة على المناورة والتواصل مع انصاره بلا قيود ، مما يعكس هشاشة المشهد السياسي في الكاميرون، ويجعل من احتمالية انزلاق البلاد اضطرابات شعبية أمرا واردا في ظل اعتماد السلطات على المقارنة الأمنية كخيار فاعل للسيطرة على الاحتجاجات الجماهيرية .(14)
ثانيا: استمرارية الصراع في المناطق الناطقة بالإنجليزية
ظلت الأوضاع الأمنية في مستقرة نسبيا حتى 2016 ، عندما شهدت المنطقتان الناطقتان بالإنجليزية في جنوب غرب الكاميرون، احتجاجات سلمية نظمها مجموعة من المحامين والمعلمين الناطقين بالإنجليزية اعتراضا على تعيين قضاة ناطقين بالفرنسية في الأقاليم الانجلوفونية، حيث اعتبروا ذلك تعديا على حقوقهم وانتهاكا للقانون ، فضلا عن ما يتعرضون له من تهميش في التعيينات الحكومية العليا وإهمال البنية التحتية في مناطقهم وتراجع الأوضاع الاقتصادية والتنموية (15). في المقابل لجأت الأجهزة الأمنية إلى استخدام العنف لقمع الاحتجاجات وأطلقت حملات اعتقالات واسعة إزاء المدنيين ، مما أجج حالة الغضب الشعبي في الأقاليم الناطقة بالإنجليزية، وتحولت الاحتجاجات السلمية إلى مواجهات مسلحة أسهم في انفجار الاحتقان المكتوم ودخلت العلاقة بين الأقاليم الانجلوفونية والحكومة المركزية في مرحلة جديدة يسودها العنف المسلح ، وتبرز مطالب الانفصال مجددا إلى السطح حيث كانت في التسعينيات وتراجعت .
تسارعت تطورات الأوضاع في الأقاليم الانجلوفونية عندما برزت بعض الحركات المسلحة الانفصالية، حيث طالبت بالاستقلال التام عن الكاميرون ليعلنوا الانفصال وقيام جمهورية امازونيا المستقلة وذلك في 30 أكتوبر 2017 الذي يوافق ذكرى توحيد البلاد ، و شكلوا حكومة في المهجر (نيجيريا) بقيادة سيسكو ايوك الذي ألقت السلطات النيجيرية القبضة عليه في 2018 وتم ترحيله إلى الكاميرون ، وفي فبراير 2018 تولى صموئيل ايكومي رئاسة امبازونيا ، كما كان متوقع أعلنت الحكومة رفضها الاعتراف بالانفصال وقابلت التظاهرات بالهجمات المسلحة فأحرقت قرى بأكملها واعتقلت وعذبت عشرات المدنيين دون تمييز، حيث اتخذت الحكومة إجراءات صارمة للحد من فاعلية الاحتجاجات كاغلاق الشركات والمرافقة العامة ، وحظر التجمعات لأكثر من اربعة أشخاص (16). رغم كل الإجراءات والتدابير الحكومية كادت الأوضاع تخرج عن السيطرة ، وأدركت السلطات بأن الاستمرار في التضييق الأمني سيجعل الأقاليم الانجلوفونية تعيش في حالة من الاضطرابات الأمنية وأن تداعياته ستمد لتشمل التراب الكاميروني وبالتالي سينعكس على استمرارية النظام السياسي.
في محاولة منه لتهدئة الأوضاع واستعادة الأمن والاستقرار دعا الرئيس بيا إلى مؤتمر للحوار الوطني ، حيث أجري في 2019 ، خرج بالعديد من التوصيات منها الاعتراف بثنائية اللغة (الفرنسية والإنجليزية) ، ومنح الأقاليم الانجلوفونية وضعا أشبه بالحكم الذاتي ، واصدار عفو عن المحكومين السياسيين ، بالرغم من ذلك لم تجد مخرجات الحوار قبولا واسعا في أوساط الانجلوفونية . (17) رغم إجراء الحوار الوطني وعودة اللاجئين إلى مناطقهم ، ظلت المنطقتين الانجلوفونية حاضرة في التنافس الانتخابي ، حيث تضم حوالي مليون ناخب مسجل ، لكن انقسام الفصائل المسلحة وعدم قدرة مرشحى المعارضة على اقناعهم ، وكذلك ممارسة الجماعات الانفصالية إرهابا ضد المرشحين في الانجلوفونية بالانتخابات البرلمانية والمحلية فضلا عن الضغط على الناخبين بعدم التصويت ، يعكس عدم قدرة النظام على احتواء الأزمة القديم المتجددة واصرار بعض الفصائل المسلحة على مسألة حق تقرير المصير، يجعل الأوضاع هشة قابلة للانفجار في ظل استمرارية النظام الحاكم منذ الاستقلال ، حيث شهدت الانتخابات الرئاسية الأخيرة إقبالا ضئيلا في الإقليميين الانجلوفونية، وذلك على قدرة التيارات الانفصالية في التأثير على الناخبين المحليين .
ثالثا : نشاط جماعة بوكو حرام
تعد منطقة شمالي الكاميرون إقليميا مضطربا، حيث عانت المنطقة من مشكلات وتحديات أمنية كبيرة ، لاسيما انتشار الجريمة المنظمة والصراعات القبلية ، مع بروز جماعة بوكو حرام في شمال الكاميرون تداخلت الخطوط الفاصلة بين الإرهاب والجريمة المنظمة ، وفي العام 2013 تصاعدت وتيرة الصراعات العنيفة وذلك يعود إلى تمدد جماعة بوكو حرام في المنطقة والتي يعود أصلها ومركزه في شمال شرق نيجيريا بولاية بورنو المتاخمة للكاميرون والنيجيرية والتشادية، إذ تعد المنطقة الحدودية تاريخيا مفترق طرق للشعوب ومنطقة تجارية ذات أهمية في حوض تشاد . (18) لذلك أصبحت المنطقة واحدة من أهم بور الإرهاب في دول حوض تشاد بعد تسلل جماعة بوكو حرام إليها وانعكس ذلك على طرق التجارة وتهديد حياة المدنيين في المدن والقرى شمالي الكاميرون مستفيدة من التداخل الثقافي بين نيجيريا والكاميرون.
بدأت الهجمات والعمليات من قبل بوكو حرام في العام 2013 ومنذ تلك الفترة مرت أعمال جماعة بوكو حرام بثلاث مراحل مهمة أولها في الفترة بين مايو 2013 إلى يونيو 2015 حيث اتسمت بالفاعلية حيث كانت عمليات الاختطاف للمدنيين كما هاجمت الجماعة مقار الجيش والحكومة الكاميرونية في شمالي البلاد ، المرحلة الثانية بدأت من يونيو 2015 إلى أبريل 2016، وتميزت الحقبة الثانية بتبني الجماعة خطط عسكرية هجينة ومتطورة ، لكن استطاعت الجيوش في دول بحيرة حوض تشاد من تنظيم جهودها حيث تمكنت من الحد من أنشطة بوكو حرام في المنطقة (19) لكن سرعان ما استبدلت الجماعة خططها ، حيث اختارت الهجمات الانتحارية والمذابح والعبوات الناسفة ضد المدنيين ، مما انعكس بشكل سلبي على الأمن والاستقرار في شمال الكاميرون.
واتسمت المرحلة الثالثة ، منذ عام 2016 وحتى يومنا هذا ، بممارسات متفرقة ، لكن لم يعد بإمكان بوكو حرام تنفيذ هجمات منسقة واسعة النطاق ، حيث انقسمت الجماعة على ذاتها فصيل بقيادة أبوبكر شيكاو وحتى مقتله في يونيو 2021 وتولى القيادة الجماعة من بعده بانوراما مودو ، فيما يقود الفصيل الآخر ابومصعب البرناوي الذي تمكن من حشد دعم وتأكيد وواسع .(20) ، بالرغم من نفوذ الجماعة تراجع و قدراتها على زعزعة الأمن في شمال الكاميرون تكاد تكون معدومة ، إلا أن انشغال الأجهزة بالقضايا الأخرى كقمع الاحتجاجات الرافضة لنتائج الانتخابات أو التضييق على الحركات الانجلوفونية ، ربما يمنح الجماعة مساحة للعمل واستئناف أنشطتها ضد المدنيين ومقار الأجهزة الحكومية في الشمال ، لذا ستبقى مسألة جماعة بوكو حرام مهدد قابل للعودة إلى السطح في حال توفر الظروف الملائمة .
السيناريوهات المحتملة في مرحلة ما بعد إعادة انتخاب بول بيا رئيسا
في ظل تنامي حالة السخط والاحتجاجات والرفض الشعبي عقب إعلان فوز بول بيا بولاية ثامنة في الانتخابات الرئاسية في الكاميرون، مع الأخذ في الاعتبار تراجع حالته الصحية مع تقدمه في العمر ، فضلا عن استشراء الفساد وتدهور الأوضاع الاقتصادية ، واستمرار حالة الانسداد السياسي في البلاد وبروز التهديدات الأمنية كواقع، سنحاول استشراف السيناريوهات المحتملة عقب فوز بول بيا حيث يمكن إجمالها فيما يلي :
السيناريو الأول : استمرارية هيمنة بيا وحزبه على المشهد الكاميروني
حيث أن الحزب الحاكم في البلاد يسيطر على الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية فضلا عن الفضاء العام ، لذا لديه القدرة على امتصاص حالة السخط والاحتجاجات الشعبية وذلك بمزيد من التضييق والقبضة الأمنية ، وإسكات أصوات المعارضة بالاعتقالات والمحاكمات لا سيما بأن منافس بيا في الانتخابات الرئاسية عيسى تشيروما غادر البلاد خوفا على نفسه ، حيث تعرض زعيم المعارضة ومنافس بيا في الانتخابات الرئاسية للعام 2018 موريس كامتو إلى التنكيل(21) ، وكذلك سيذهب الحزب الحاكم بعيدا باختبار خليفة للرئيس الحالي بول بيا الذي ان يتوقع بأن تكون الانتخابات الرئاسية الحالية في 2025 هي الأخيرة له وذلك لتقدمه في العمر وتراجع حالته الصحية، واختيار خليفة له يخضع لعوامل واعتبارات دقيقة لكن البديل لن يخرج عن ابنه فرانك بيا أو فيرديناند نغو ، السكرتير العام لرئاسة الجمهورية وهو الرجل الأقوى في الكاميرون بالإضافة الى قربه من الرئيس بيا يتحكم في ملفات مهمة كقرارات التعيينات والأبعاد ، وهناك شخصية ثالثة لها حظوظ مقدرة في خلافة بول بيا ، كافايي يغني جبريل ، رئيس البرلمان ، حيث يمتلك نفوذ كبير داخل اجهزة الحزب الحاكم . ربما سيتم تجهيز بديل بول بيا للانتخابات الرئاسية القادمة، لكن يمكن أن السيناريو الذي تولى بيه بيا السلطة حاضرا وذلك من خلال إحداث تعديلات دستورية ، حتى يصبح الانتقال دستوريا ويضمن استمرارية النظام. (22)
السيناريو الثاني : انقلاب القصر
تصاعد وتيرة الاحتجاجات الجماهيرية في المدن الكاميرونية وسقوط عدد من المدنيين، ورفض المعارضة لنتائج الانتخابات فضلا عن تنامي التيارات الانفصالية في المناطق الانجلوفونية، والفوضى ستمنح جماعة بوكو حرام فرصة بالعودة إلى استهداف بعض الأهداف في الكاميرون ، لذا المخاوف الأمنية ستدفع في مرحلة ما بعض القيادات العسكرية إلى تغيير النظام الحاكم انقلاب قصر بحيث يتحرك الجيش للاستيلاء على السلطة لإعادة ضبط الأوضاع السياسية والأمنية، وبعد وضع التدابير والإجراءات اللازمة لإجراء انتخابات رئاسية تعددية بمشاركة القوى السياسية . (23) أعتقد بأن التجربة الغابونية ستدفع بعض النخب العسكرية الى ذلك في ظل غياب أي دور للمجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا (ايكاس) في الحد من التغيير غير الدستوري وتهاونها في حالتي الغابون وتشاد .
السيناريو الثالث : انقلاب عسكري تقليدي
استمرارية النظام السياسي في الكاميرون منذ الاستقلال وكذلك بقاء بول بيا منذ التسعينيات، في ظل الرفض الشعبي ، وفشل المقاربات الرامية إلى دمج الإقليم الانجلوفونية في فضاء الدولة المركزية ، فضلا عن نجاح نماذج للانقلابات العسكرية التي عادت إلى السطح في بعض الدول الأفريقية في الساحل الأفريقي كمالي وبوركينافاسو والنيجر وكذلك غنينا كوناكري ومؤخرا غينيا بيساو . (24) لذا قد يكون سيناريو الانقلاب العسكري وارد في التنافس الدولي على القارة الأفريقية بحيث يتميز موقع الكاميرون أهمية جيوسياسية، ويمكن للنخب العسكرية الطامح للانقلاب على نظام بيا ، الاستفادة من تردي الأوضاع الاقتصادية والتنموية في الكاميرون مما يوفر لهم شكل من أشكال الدعم الشعبي .
ختاما ، يمكن القول بأن المقالة التحليلية تناولت الأوضاع السياسية والأمنية في الكاميرون منذ التسعينيات عندما تولى بول بيا السلطة، مستفيدا من التحولات الإقليمية وكذلك القبضة الأمنية التي جعلته باقيا في الحكم حتى يومنا هذا رغم تدهور صحته وتقدمه في العمر ، استمرارية بيا في السلطة ساهمت في تآكل شعبية في ظل تراجع الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، غياب التعددية الحزبية في الحياة السياسية والانتخابية رسخ لهيمنة الحزب الواحد، لكن اتساع نطاق الانقلابات العسكرية في الأفريقية لاسيما دول غرب أفريقيا سيجعل من فرص حدوث الانقلاب في الكاميرون واردة سواء انقلاب قصر ، أو انقلاب عسكري تقليدي، بحيث كل الظروف ملائمة لذلك سواء الاستفادة من موقع الكاميرون وأهميتها في أفريقيا أو توظيف الرفض الشعبي لصالح الانقلاب العسكري في ظل غياب لأي دول للمجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا للحد من الانقلاب العسكرية.
المصادر والمراجع
1_ محمد الجزار، دراسة تحليلية للانتخابات الرئاسية في الكاميرون 2025 ، قراءات إفريقية ، 28 أكتوبر 2025 ، ( تاريخ الدخول : 10 نوفمبر 2025) ، https://share.google/6n256vkun0B1mMJjQ
2_ تنظر الاحالة
Jean- pierre Tuquoi , Paul Biya modifie la constitution camerounaise pour rester au pouvoir , publié le 11 avril 2008 , vu le 11 Nou 2025 , https://share.google/pl0T79f5pSrQuetKv
3_ فوز أطول زعماء العالم بقاء في السلطة في الانتخابات في الكاميرون فمن هو ، بي بي سي عربية ، 27 أكتوبر 2025 ، (تاريخ الدخول ، 10 نوفمبر 2025 ) ، https://share.google/cwru6MC9AtmnFKsiK
4- المصدر نفسه
5 – خمسة أسئلة لفهم الانتخابات الرئاسية في الكاميرون، الجزيرة نت ، 11 أكتوبر 2025 ، (تاريخ الدخول، 13 نوفمبر 2025 ) ، https://share.google/YIB1oVkEVi4cbcvnj
6- المصدر نفسه
7- أنظر إلى الموضوع
Qui sont les candidats à l’élection présidentielle au Cameroun? , RFI , publié le 27 septembre 2025 , le vu 14 Nou 2025 , https://share.google/4WRHTknY82DYbU7du
8- المصدر نفسه.
9- شيماء ماهر ، انتخابات الكاميرون 2025 : بين طموحات التغيير واستمرار الهيمنة السياسية ، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية ، 16 أكتوبر 2025 ، (تاريخ الدخول :14 نوفمبر 2025 )
https://share.google/Y9GjTDW1a7YQtVdcb
10 – المصدر نفسه
11- فاروق حسين ابو ضيف ، الكاميرون على مفترق طرق : انتخابات 2025 بين هيمنة النظام وتساعد التحديات الداخلية ، قراءات إفريقية، 11 مايو 2025 ، (تاريخ الدخول: 15 نوفمبر 2025 )
https://share.google/MNKL8eF0OeHGlvY3S
12- محمد الجزار ، مصدر سابق .
13- فاروق حسين، مستقبل الكاميرون بين الهشاشة والتغيير بعد فوز بيا بالولاية الثامنة ، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 5 نوفمبر 2025 ، (تاريخ الدخول: 16 نوفمبر 2025 ) ,https://share.google/fbDqjMGVEaoLBNQWQ
14- ياشراج شارما ، ما أسباب اندلاع احتجاجات دامية بالكاميرون مع إعلان فوز بيا ، الجزيرة نت ، 28 أكتوبر 2025 ، (تاريخ الدخول: 17 نوفمبر 2025), https://share.google/efRCWJPc3i3KxGDCi
15- حكيم الادي نجم الدين، الأزمة الانجلوفونية بالكاميرون … صراع من أجل الحياة السياسية والتعدد الثقافي، قراءات إفريقية، مارس 2018 ، (تاريخ الدخول:18 نوفمبر 2025) https://share.google/rC9BD9PBotJbc0rqZ
16- هشام قدري ، التمرد الانجلوفوني في الكاميرون، المركز الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات ، يونيو 2025 ، (تاريخ الدخول: 17 نوفمبر 2025 ) https://share.google/DsBUiStQtELrjfBRX
17- انظر إلى الموضوع
10 years , more than 27,000 deaths later Nigeira ́s Boko Haram insurgency continues , RFI , Issued on :27 /07/2019, and l have witnessed it 18 /11/2025, https://share.google/2na55TCj5wWenEV4p .
18- عثمان ادمة ، الإرهاب في شمال الكاميرون تحدي المعالجة المتكاملة ، التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، أغسطس 2022، (تاريخ الدخول : 22 نوفمبر 2025)، https://share.google/yP30VlFV0kWWaGKvo
19- المصدر نفسه.
20- وليد بدران ، بوكو حرام : حكاية الجماعة التي تحرم التصويت في الانتخابات أو ارتداء السراويل ، البي بي سي ، أغسطس 2020 ، (تاريخ الدخول : 21 نوفمبر 2025)، https://share.google/ZCPYCGoLJPmjhZpt1
21- سيد غريب ، نفق مظلم : التحولات المحتملة لصحة الرئيس بول بيا، قراءات إفريقية، نوفمبر 2024 ، (تاريخ الدخول: 23 نوفمبر 2025 )، https://share.google/NtAN4YFnQBo3c2Vcp
22- المصدر نفسه.
23- انظر إلى الموضوع
Elise Barthet , Cameroun : paul Biya , 90 ans de pouvoir et toujours pas retraite en vue, le publié Nov 2023 , vu le 28 Nov 2025 , https://www.lemonde.fr/afrique/article/2023/11/07/cameroun-paul-biya-90-ans-41-ans-de-pouvoir-et-toujours-pas-de-retraite-en-vue_6198713_3212.html
24- صغير الحيدري ، هل تمتد حمى الانقلابات في أفريقيا إلى الكاميرون، اندبندنت عربية ، سبتمبر 2023، (تاريخ الدخول : 29 نوفمبر 2025 ) ، https://share.google/lH2keOmGbwP5GCni5





