سياسات أوغندا الإقليمية: التلاعب بتناقضات الأزمات والتخادم النشط
نحت سياسات أوغندا الإقليمية، لاسيما منذ إعادة انتخاب الرئيس يوري موسيفني رئيسًا في منتصف يناير الفائت، إلى الانخراط في عدد من مشكلات دول الجوار المباشر أو غير المباشر، والعمل على تعميق بعضها، ولعب أدوار سلبية تعمل بشكل مباشر على استدامتها ودعم الأطراف الخارجة على الدولة مثل ميليشيات الدعم السريع في السودان وحركة 22 مارس في شرقي الكونغو، وتتدثر سياسات كمبالا تلك بغطاء من لعب دور الوساطة المزعومة من أجل تحقيق مكاسب مباشرة لنظامها، وكذلك لعب دور تخادم لصالح أطراف من خارج الإقليم، ما يمكن معه القول أن نظام موسيفني، الذي يدعي لعب دور هام في حركة عدم الانحياز والجنوب العالمي ويتبنى خطابًا تصادميًا ضد “الهيمنة الأمريكية”، بات يسوق نفسه واستدامته (تولى يوري موسيفني قيادة بلاده منذ العام 1986 وفاز في سبعة انتخابات رئاسية كانت آخرها الانتخابات الماضية التي حصل فيها على 72% من أصوات الناخبين مقابل 25% لأقرب منافسيه المعارض بوبي وأين) عبر استغلال الأزمات الإقليمية وطرح حلول مفروضة من خارج الإقليم.
أوغندا في عهدة موسيفني السابعة
أُعيد انتخاب الزعيم الأوغندي يوري موسيفني رئيسا لبلاده منتصف يناير الفائت، في نتيجة متوقعة في ضوء خبرة موسيفني السياسية وقوة حزبه الحاكم (حزب حركة المقاومة الوطنية National Resistance Movement) الذي يسيطر عمليًا على مؤسسات الدولة في جميع مستوياتها. ورغم احتجاجات الحزب المنافس، منصة الوحدة الوطنية National Unity Platform، بتزوير الحزب الحاكم للانتخابات فإن مؤسسات إقليمية ودولية (في مقدمتها الاتحاد الأفريقي) بادرت بالإعلان عن نزاهة الانتخابات مما أضفى نوع من المقبولية الدولية لنظام الرئيس يوري موسيفني الذي يتجاوز 81 عامًا، ويتجاوز العام الأربعين راهنًا في حكم اوغندا.
وبينما تصنف مؤسسات غربية هامة معنية بحقوق الإنسان (مثل الأمريكية فريدوم هاوس) أوغندا بأنها بلدًا “غير حر” وأن أية انتخابات سابقة بها لا تعد ذات مصداقية تذكر، وأن موسيفني يعد من أكثر الرؤساء استبدادًا في العالم (وهو ثالث أطول زعيم في منصبه في العالم خارج النظم الملكية)، فإن ما حققه موسيفني في فترة حكمه من استقرار سياسي وإتاحة ظروف ملائمة نسبيًا لتحقيق نمو اقتصادي، وما انتهجه من سياسة خارجية غير متناقضة على الأرض مع مصالح مجموعة من القوى الإقليمية والدولية المتوسطة والدولية (رغم خطابه الراديكالي المناهض للهيمنة الأمريكية)، عزز كل ذلك موضع نظام موسيفني كقوة وازنة للاستقرار في شرق ووسط أفريقيا، واعتباره منصة ملائمة لتنسيق هذه المصالح، كما يتضح في موقف كمبالا من النزاع بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (الداعم ضمنيًا لمواقف رواندا وتدخلها في شرقي الكونغو وسيادته ودعمها المباشر لحركة M23 المعارضة المسلحة).
ويستكمل موسيفني في عهدة رئاسته السابعة، وبفضل حنكته في ديناميات السياسات الإقليمية والدولية ما عُرف عن عدم وضوح سياسات بلاده الخارجية، أو ما يمكن وصفها بسياسة التخادم الإقليمي (والدولي) وتجزئة مبادئها حسب توقيتات هذا التخادم وضروراته، كما يتضح لنا من المثالين التاليين.
موسيفني وتطورات أزمة شرقي الكونغو: حصة في الهيمنة
توصلت حكومتا أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، خلال قمة حكومية رفيعة المستوى شهدتها مدينتا مبوندوي/ كاسيندي الواقعتين على الحدود الأوغندية- الكونغولية 18- 20 فبراير الجاري، إلى حزمة من الاتفاقيات الجديدة الهادفة لتيسير التجارة عبر الحدود بين البلدين، وتنسيق سياسات الهجرة عبر هذه الحدود وإحكام إجراءات تنسيق السيطرة الأمنية على الحدود. وركزت القمة، التي حملت عنوان الاجتماع المشترك عبر الحدود حول الاقتصاد والحوكمة والهجرة والأمن Cross-Border Joint Meeting on Economic, Governance, Immigration, and Security، وأكد المسؤولون على الالتزام المشترك بالاستقرار الإقليمي والإدارة العادلة للموارد المشتركة ولاسيما مياه بحيرة إدوارد وبحيرة ألبرت. كما أبرزت القمة نمو الاعتماد المتبادل بين البلدين، وتعزيز وضع الكونغو كوجهة رئيسة للصادرات الأوغندية (التي بلغت في العام المالي 2024-2025 أكثر من 962 مليون دولار، مع ملاحظة أن الرقم يشمل التجارة الرسمية وغير الرسمية بين الجانبين). كما تستفيد اوغندا من هذا الوضع باعتبارها “خط حياة هام لشرقي الكونغو، وتوفر له السلع المنزلية الأساسية ومواد البناء والمنتجات الزراعية”، كما تعمل كممر نقل أساسي لواردات وصادرات جمهورية الكونغو الديمقراطية. وتفعيلًا لهذه المناقشات قرر المسؤولون من الجانبين توجيه الفرق الفنية لتنفيذ إجراءات عمل “لجنة العمليات الحدودية المشتركة”، ودمج نظم الجمارك والقيام بدوريات حرس حدود مشتركة، على أن يتم البدء في اجتماعات اللجنة في أوغندا بحلول مايو 2026.
وجاءت هذه المحصلة بعد موقف معقد للغاية لأوغندا تجاه الأزمة في شرق الكونغو، لاسيما منذ إطلاق كمبالا عملية شوجا Operation Shujaa (2021)،التي نشرت بمقتضاها قوات أوغندية (بقبول مسبق من كينشاسا) داخل إقليما إيتوري Ituri شمال كيفو North Kivu بهدف معلن وقتها وهو مسح المنطقة التي تنتشر فيها عناصر جماعة “القوات المتحالفة الديمقراطية” (المصنفة جماعة إرهابية أوغندية لها صلات بجماعة “الدولة الإسلامية”)، لكن كمبالا غيرت حدود تحركها في شرقي الكونغو في مطلع العام الماضي وكثفت وجودها العسكري في الإقليم بالتزامن تقريبًا مع التقدم الذي كانت تحرزه حينذاك حركة 23 مارس في الجنوب، وأعلنت كمبالا في فبراير 2025 “سيطرتها على الأمن في مدينة بونيا” العاصمة الإقليمية في إيتوري، الأمر الذي اعتبره المراقبون وقتها موقفًا غامضًا، وصعوبة حسم موقف أوغندا من الكونغو ورواندا في الحرب في الوقت الذي تتطور فيه أنشطة حركة 23 مارس ضد حكومة كينشاسا؛ لكن يمكن التوصل إلى أن موقف اوغندا كان يقوم بالأساس على تثيبت نفوذها على الأرض داخل شرقي الكونغو وتفاهمات “غير رسمية” مع الأطراف النشطة فيها وهي حركة 23 مارس وحكومة رواندا الداعمة لها سياسيًا وعسكريًا حسب تقارير أممية متعددة أعنلت في مراحل مختلفة.
ويمكن فهم أن الاتقاقات التي تم التوصل لها في فبراير الجاري (أي بعد أقل من شهرين من وصول موسيفني لفترة رئاسة جديدة مع الكونغو) معبرة تمامًا عن نفوذ أوغندا على الأرض في شرقي الكونغو، وحقيقة استفادتها من الوضع المتأزم هناك، ومحصلة لنشرها لقوات ميليشيات تابعة لها بالوكالة proxy militias منذ مطلع العام الماضي وأهمها جماعة توماس لوبانغا Thomas Lubanga التي حملت اسم الاتفاق من أجل الثورة الشعبية Convention pour la Revolution populaire (CRP)، والتحالف الوطني لتحرير الكونغو Coalition Nationale pour la Libération du Congo (CNLC) بقيادة إنوسنت كاينا Innocent Kaina، ومعرف أن لوبانغا وكاينا مصنفان كمجرمي حرب ولهما صلات وطيدة بكل من أوغندا وحركة 23 مارس.
موسيفني وحميدتي: قبلة حياة أوغندية لمشروع تقسيم السودان
يمكن فهم استقبال موسيفني لزعيم ميليشيا الدعم السريع النشطة في السودان محمد حمدان دقلو (حميدتي) في لقاء قمة في مدينة عنتيبي (20 فبراير الجاري) في سياق سياسات أوغندا الخارجية التي تنتهز حالة الأزمة في دولة مثل السودان، وبغطاء من ادعاءات بذل جهود دبلوماسية/ سياسية لحل هذه الأزمة. وجاء الاستقبال في بيت الدولة، وكرر موسيفني خلال استقباله لحميدتي المصنف زعيمًا لجماعة إرهابية من قبل حكومة السودان، تأكيدات عامة سبق أن أطلقها من قبيل أن “الحرب الدائرة في السودان لا يمكن وضع نهاية لها إلا بحوار شامل”، وكرر موسيفني سرديته الأثيرة بأنه زعيم مفوه وسابق لعصره وان توقعاته صائبة دائمًا بتأكيده: “عندما زرت السودان للمرة الأخيرة التقيت بالرئيس البشير ونصحته بالتخلص من سياسة الهوية واتباع سياسة المصلحة، لأن سياسة الهوية سامة، ولا تحقق نتائج جيدة. إن ما يهم هو المصالح المشتركة التي توحد الشعب”، ودعا “الطرفين المتحاربين” في السودان للتفاوض؛ ما يحيل إلى فهم أنه يلقي بالمسئولية على حكومة السودان وقيادة القوات المسلحة السودانية لعدم تفهمها لسياسة المصلحة (ومن ثم يعيد إنتاج سردية حميدتي والأطراف الإقليمية الداعمة له بأن هذه الحكومة السودانية إسلاموية الهوية). ومن جانبه تلقى حميدتي موقف موسيفني بحماسة فائقة، ووصفه “برجل أفريقيا الحكيم” (وهو الوصف الذي يرضي نزعة شخصية لموسيفني)، وأن إعادة انتخابه مكسبًا ليس للأوغنديين فحسب ولكن للقارة بأكملها، وتجاوز ذلك إلى تعبيره عن تطلعه “لتقوية التعاون الثنائي مع أوغندا، لاسيما في مجال التجارة والتعليم والتكامل الإقليمي”.
وجاءت الزيارة لتستكمل دور أوغندا التخريبي، دون مبالغة، في الأزمة السودانية منذ أبريل 2023؛ إذا طالما وجهت اتهامات بأدلة على تورط اوغندا في عملها كطريق انتقالي للأسلحة والإمدادات الموجهة لقوات الدعم السريع (سواء من دول في الإقليم أم من خارجه مثل الإمارات وإسرائيل وثيقتا الصلة بنظام موسيفني)، وفي نهاية العام 2023 وجه عسكريون سودانيون اتهامات للإمارات بتمرير إمدادات عسكرية لقوات الدعم السريع عبر كل من أوغندا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى، وفيما رفضت أوغندا بصوت عالٍ، دال ربما على تورطها أكثر من إثبات براءتها، هذه الاتهامات، فإنها عمدت مرارًا إلى تبرير علاقاتها بميليشيات الدعم السريع (وصولًا لتقديم غطاء سياسي شاذ لتحرك حميدتي المطلوب أمنيًا في بلاده بتهم جرائم حرب وإبادة) بأنها “جهد دبلوماسي لتيسير حوار شامل وتحقيق سلام مستدام”.
وبطبيعة الحال وجدت هذه الزيارة التي انتهكت سيادة السودان ومستقبل تسوية أزمته، لاسيما حوار حميدتي عن تعاون ثنائي لقواته الإرهابية مع حكومة أوغندا على نحو يكشف عن طبيعة دور الأخيرة في الإقليم، أصداء غاضبة في الخرطوم. فقد أدانت حكومة الأخيرة لقاء موسيفني بحميدتي ووصفته بأنه إهانة لضحايا الصراع ويهدد بصبغ شخص متهم بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان بمسة شرعية (إقليميًا ودوليًا)، وأكدت الخرطوم في بيان (22 فبراير) أن استقبال موسيفني لحميدتي يعطي رسالة خاطئة ويتجاهل معاناة المواطنين السودانيين على أيدي ميليشيات الدعم السريع، وأن اللقاء خطوة غير مسبوقة في الاعتداء على الإنسانية ككل قبل الشعب السوداني، وأن استضافة عنتيبي لحميدتي يعد منحًا لشرعية شخص متهم بانتهاكات خطيرة ويحجم توقعات تفادي الشركاء الإقليميون لدعم الجماعات المسلحة العاملة ضد الحكومات المعترف بها، واعتبر بيان الخارجية السودانية أن خطوة أوغندا تعكس موقفها (الحقيقي) من الصراع في السودان.
وفيما يتوقع أن تلقي هذه الزيارة بظلالها على العلاقات الأوغندية- السودانية، فإنها بدت كاشفة بشكل تام لطبيعة سياسات أوغندا الإقليمية القائمة على استغلال تناقضات الأزمات الداخلية في الدول المعنية، وعدم التورع عن دعم ميليشيات عسكرية متمردة على الدولة، بل وتعزيز صورتها الدبلوماسية، واختراق خطير لثوابت “العمل الأفريقي الجماعي” في ضوء اتهامات كافة المنظمات الأفريقية المعنية لحميدتي وقوات الدعم السريع بارتكاب اعمال إرهابية وتهديد سيادة دولة عضو في الاتحاد الأفريقي.





