تشهد منطقة القرن الإفريقي حراكًا سياسيًا وأمنيًا متسارعًا، تتشابك فيه الصراعات الداخلية مع تنافس إقليمي ودولي محتدم على النفوذ والمواقع الاستراتيجية. وفي قلب هذا المشهد المعقّد، تتحرك الحكومة السودانية في محاولة لإعادة تقديم نفسها فاعلًا شرعيًا أمام المجتمع الدولي، عبر مبادرة سلام طُرحت في مجلس الأمن، بالتوازي مع تحولات لافتة في الإقليم، من بينها إعادة رسم خرائط النفوذ في الصومال، وتسابق القوى الكبرى على تثبيت حضورها في حوض البحر الأحمر.
في هذا السياق، تبدو الدبلوماسية السودانية وكأنها تمارس مناورة محسوبة بين خياري الحسم العسكري والانفتاح السياسي. فقد مثّل طرح مبادرة السلام عبر رئيس الوزراء د. كامل إدريس في مجلس الأمن محاولة واضحة لإبراز الوجه المدني للسلطة القائمة، بما يعزز شرعيتها الدولية، ويحدّ من السرديات التي تصف الحكم في السودان بوصفه سلطة عسكرية خالصة. كما يستهدف هذا التحرك إضعاف أي محاولة لإضفاء شرعية على الحكومة الموازية التي أعلنتها مليشيا الدعم السريع في دارفور.
ويعكس هذا التوجه سعي مجلس السيادة إلى طمأنة الأطراف الدولية بوجود شريك سياسي يمكن التعاطي معه دبلوماسيًا، في مقابل توصيف الدعم السريع كقوة خارجة عن القانون، مدعومة إقليميًا، وتسعى إلى تقويض الاستقرار ونشر الفوضى. وقد حظي هذا المسار، بحسب معطيات سياسية، بدعم مصري–سعودي. كما يمثل طرح هذه المبادرة في مجلس الأمن، الذي يتعاطى مع النزاعات وفق الفصل السادس، محاولة لتغيير الإيقاع الدولي والسردية السائدة، من صراع بين جنرالين، إلى توصيف واضح لحالة تمرد مسلح تقوده مليشيا خارجة على القانون.
ومن هنا جاء حراك رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس في الإقليم وخارجه، لتحويل هذه المبادرة من إطار نظري إلى خطة قابلة للتنفيذ، وهو ما يقتضي –حسب مراقبين- شرطين أساسيين: أولهما، تعزيز القدرات العسكرية للجيش السوداني لفرض السيطرة على مناطق التماس، لا سيما على الحدود مع ليبيا وفي إقليم كردفان؛ وثانيهما، تبني إحدى المبادرات السودانية ضمن مظلة إقليمية فاعلة، سواء عبر الاتحاد الإفريقي أو الجامعة العربية أو ربما إيقاد. ومع غياب إجماع داخل هذه المؤسسات، يظل الرهان معقودًا على دعم مباشر من القاهرة والرياض وأنقرة، بما يخلق كتلة إقليمية قادرة على إسناد الحكومة السودانية سياسيًا وميدانيًا.
زيارة جيبوتي.. لماذا..؟
تحتل جيبوتي موقعًا محوريًا في معادلة الأمن الإقليمي، وفق ما أشار إليه التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية حول الإرهاب، الذي أكد دورها الفاعل في جهود مكافحة الإرهاب، ومشاركتها بقوات ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (AMISOM). كما تستضيف جيبوتي معسكر “ليمونير”، الذي يضم القاعدة العسكرية الأمريكية، ومقر القوات المشتركة للقرن الإفريقي التابعة للقيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، إلى جانب وجود عسكري لقوى دولية أخرى.
وتمثل جيبوتي نموذجًا فريدًا لدولة صغيرة جغرافيًا، لكنها كبيرة التأثير الاستراتيجي؛ فموقعها عند مدخل مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، جعلها ركيزة أساسية في أمن البحر الأحمر وخليج عدن، وحوّلها إلى نقطة ارتكاز للقوى الدولية، من الولايات المتحدة والصين إلى فرنسا واليابان وإيطاليا.
وبالنسبة للسودان، لا يمكن النظر إلى جيبوتي كجار بعيد، بل كعقدة استراتيجية تؤثر مباشرة في أمن الملاحة البحرية، وتوازنات البحر الأحمر، وشبكة التحالفات الإقليمية والدولية. ومن ثمّ، فإن أي مقاربة سودانية لأمن البحر الأحمر لا تكتمل دون شراكة فاعلة مع جيبوتي، ولذا كان هذا التحرك من رأس الحكومة المدنية في السودان إلى هذه الدولة وفق معطيات أمنية وجيوسياسية.
زيارة إدريس: حيثيات ودلالات
جاءت زيارة رئيس الوزراء السوداني د. كامل إدريس إلى جيبوتي في توقيت بالغ الحساسية، ورافقه خلالها وكيل وزارة الخارجية معاوية عثمان خالد، ونائب مدير جهاز المخابرات الفريق عباس محمد بخيت. وقد أجرى إدريس مباحثات مع الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية، والتنسيق الأمني والسياسي ودور إيقاد، وعددًا من الملفات الإقليمية.
وأكد الرئيس الجيبوتي دعمه الكامل لمبادرة السلام السودانية، مشددًا على أهمية عودة السودان إلى منظمة إيقاد، واستعداد بلاده لتقديم الدعم في مختلف المجالات. كما أطلع رئيس الوزراء نظيره الجيبوتي على تطورات الأوضاع الميدانية، وانتصارات القوات المسلحة، وعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، مؤكدًا حرص حكومته على السلام والاستقرار، باعتبار أن الحرب تمثل تهديدًا للإقليم بأسره.
كما شملت الزيارة مباحثات مع رئيس الوزراء الجيبوتي عبد القادر كميل، وزيارة لميناء دورالي، في إشارة واضحة إلى اهتمام السودان بتعزيز التعاون في مجالات الموانئ والخدمات اللوجستية.
في قراءة لدلالات الزيارة ومآلاتها تكتسب زيارة د. كامل إدريس إلى جيبوتي أهميتها من كونها تأتي ضمن مسعى سوداني لإعادة التموضع الإقليمي، واستعادة الحضور في معادلات القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وقد مثّل الدعم الجيبوتي العلني لمبادرة السلام اعترافًا إقليميًا بأن استقرار السودان يشكل عنصر توازن أساسي في الإقليم، وأن الحرب الدائرة فيه تتجاوز حدود الداخل السوداني.
ويكشف التركيز على التعاون في مجالات الموانئ والتجارة عن انتقال الخطاب من العموميات السياسية إلى مقاربة عملية تربط بين الأمن البحري والمصالح الاقتصادية. كما أن الحضور الأمني ضمن الوفد يحمل رسالة طمأنة للشركاء الإقليميين بشأن قدرة الدولة السودانية على إدارة ملفاتها السيادية.
يمكن تقدير مكاسب زيارة رئيس الوزراء السوداني إلى جيبوتي في ثلاثة مستويات:
أولا: سياسيًا، بتعزيز الاعتراف الإقليمي بالحكومة السودانية، ودعم السردية الرسمية التي تصف الصراع بوصفه تمردًا مسلحًا لا نزاعًا بين أطراف متكافئة، وتحسين موقع السودان التفاوضي في أي مسار سياسي قادم.
ثانيا: أمنيًا، بتوسيع دائرة التنسيق الإقليمي حول أمن البحر الأحمر، وتحييد بعض المنصات الإقليمية التي كانت تُستخدم للضغط على الخرطوم، وتقليص هامش المناورة أمام الدعم السريع وحلفائه الإقليميين.
ثالثا: اقتصاديًا: بفتح آفاق للتعاون في مجالات الموانئ والخدمات اللوجستية، وربط المصالح الاقتصادية بالأمن البحري، بما يعزز الاستقرار طويل المدى.
السودان وإيقاد .. جدل العودة
اكتسبت المشاورات التي أجراها رئيس الوزراء السوداني د. كامل إدريس خلال زيارته إلى جيبوتي أهمية خاصة، في ضوء البيان الصادر عن السكرتير التنفيذي للهيئة الحكومية المعنية بالتنمية في شرق إفريقيا(إيقاد)، والذي أدان فيه صراحة الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع، وأكد دعم المنظمة لوحدة وسيادة السودان ومؤسساته الوطنية.
ودعت إيقاد السودان إلى استعادة عضويته في المنظمة، مؤكدة استعدادها الكامل لعودته إلى الإطار المؤسسي، في تحول لافت عن مواقف سابقة. ويُعد هذا البيان موقفًا سياسيًا ودبلوماسيًا مهمًا، خاصة أنه يأتي بعد فترة من الجمود أعقبت تجميد السودان لعضويته احتجاجًا على قرارات قمة أوغندا مطلع عام 2024.
وكانت الخرطوم قد علقت عضويتها في إيقاد بعد دعوة المنظمة لقائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو للمشاركة في قمة أوغندا، واعتبرت ذلك انتهاكًا لسيادة السودان، غير أن مشاورات مكثفة جرت لاحقًا بين الجانبين، شملت زيارات متكررة لمبعوثي إيقاد إلى بورتسودان، واتصالات مباشرة بين القيادة السودانية والسكرتير التنفيذي للمنظمة، توجت بزيارة رئيس الوزراء إلى جيبوتي.
وتشير هذه التطورات إلى احتمال تعاظم دور إيقاد في ملف السودان، في ظل تراجع فعالية المسار الذي كان يقوده الاتحاد الإفريقي، ما يجعل من الضروري استمرار الحوار بين أطراف النزاع والمنظمات الإقليمية والدولية.
خاتمة
تُعد جيبوتي، بموقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، شريكًا مهما في مقاربات الأمن البحري الإقليمي، ومعادلات التنسيق السياسي في القرن الإفريقي، وتوضح قراءة مجريات الزيارة أن الجانب السوداني ركز على ترسيخ أطر التعاون الاقتصادي والأمني، وتبادل الخبرات في إدارة الموانئ، وتفعيل اللجان الفنية، بما يتجاوز البعد الثنائي إلى أفق استراتيجي أوسع، كما أن مشاركة مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى تؤكد أن البعد الأمني كان حاضرًا بقوة في حسابات الخرطوم، في ظل التنافس الدولي والإقليمي على ممرات الملاحة البحرية. وعلى المستوى السياسي، حملت الزيارة رسالة واضحة بأن السودان يسعى إلى بناء تحالفات متوازنة، بعيدًا عن الابتزاز السياسي، مع التأكيد على أولوية العلاقات الثنائية والتنسيق الإقليمي طويل المدى.
وبذلك، يمكن القول أن زيارة د. كامل إدريس إلى جيبوتي لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل خطوة تكتيكية واستراتيجية تهدف إلى تعزيز موقع السودان في معادلات البحر الأحمر، وربط أمنه واستقراره بمصالح إقليمية أوسع، بما يخدم مصالح الشعبين السوداني والجيبوتي على المدى القريب والبعيد.
غير أن استحضار تجربة زيارات سابقة، مثل زيارة إريتريا، يطرح تساؤلًا مشروعًا حول قدرة الحكومة السودانية على تحويل الحراك الدبلوماسي إلى سياسات تنفيذية مستدامة، وتجاوز معضلة توقف المسارات عند حدود التصريحات دون آليات متابعة فعالة، مما يؤكد أهمية تفعيل آليات متابعة واضحة لمخرجات الزيارة، خاصة في مجالات الأمن البحري والموانئ، واستثمار منصة إيقاد لإعادة صياغة المسار الإقليمي للأزمة السودانية، وربط الجهد الدبلوماسي بتقدم ميداني يفرض واقعًا جديدًا على الأرض، وتوسيع دائرة الشراكات الإقليمية لتشمل قوى محورية في البحر الأحمر، بما يقلل من الضغوط الخارجية.
مراجع
- حسن الحاج علي أحمد، عديلة تبار، الأمننة والديمقراطية في القرن الأفريقي: حالة جيبوتي والصومال والسودان، مجلة سياسات عربية، العدد 39، يوليو 2019.
- عمار العركي، زيارة جيبوتي… قراءة تحليلية، منصة أشواق السودان، الرابط:
https://sudaplatform.com/103626
- كامل إدريس يعود بمكاسب إستراتيجية من جيبوتي، سودان إندبندنت، 2026-01-28، الرابط: https://shorturl.at/jdBER




