زيارة الرئيس أسياس أفورقي للسعودية.. قراءة في الأبعاد والمرامي
زيارة الرئيس أسياس أفورقي للسعودية.. قراءة في الأبعاد والمرامي
زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي للمملكة العربية السعودية أخيرا بدعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، جاءت في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، والمنطقة تمور بمتغيرات عديدة، في ظل التوتر المتزايد في البحر الأحمر، وتصاعد النزاعات في القرن الإفريقي، وتبدّل موازين القوى المرتبطة بأمن الممرات البحرية الدولية.
أجرى أفورقي خلال الزيارة سلسلة من الاجتماعات مع كبار المسؤولين السعوديين بحث فيها تعزيز التعاون الثنائي، وناقش القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، والتعاون الأمني والاقتصادي، بما في ذلك الاستثمارات اللوجستية والملاحية، ومشروعات تطوير الموانئ، إلى جانب الملفات السياسية وفي مقدمتها تطورات السودان والقرن الإفريقي، كما تعكس الزيارة تحرك أسمرة والرياض في هذا الظرف إدراكًا مشتركًا لأهمية التنسيق المباشر بين الدول المطلة على البحر الأحمر، باعتباره شرطًا أساسيًا لضمان الاستقرار البحري والإقليمي.
تكتسب الزيارة أهمية خاصة لكون إريتريا والسعودية تمثلان ركيزتين أساسيتين في منظومة الأمن البحري: الأولى بحكم موقعها الممتد على واحد من أطول السواحل الإفريقية المشرفة على الممرات الحيوية، والثانية باعتبارها القوة الاقتصادية والسياسية الأكبر على الضفة الشرقية. كما تأتي الزيارة في ظل محاولات بعض القوى الإقليمية فرض مقاربات توسعية في البحر الأحمر، الأمر الذي جعل من تعزيز التفاهم بين الدول الساحلية مسارًا ضروريًا لحماية استقرار الممر البحري الأهم عالميًا. ويُنظر إلى الحراك الإريتري–السعودي بوصفه مساهمة في بلورة توازنات جديدة بعيدًا عن التجاذبات الدولية التقليدية.
في أهداف ومحطات الزيارة
بحسب التصريحات الرسمية، تهدف الزيارة إلى «تعزيز أطر التعاون والشراكة بين البلدين»، وتشمل لقاء مع ولي العهد وقيادات سعودية رفيعة، وزيارة ميناء جدة الإسلامي، وفي سياق أكبر، تأتي الزيارة في وقت تُعيد فيه إريتريا ترتيب أوراقها الدبلوماسية على ضوء تحولات أمنية وجيوسياسية في القرن الإفريقي، ما يعني أن الزيارة ليست «روتينية فقط»، بل تحمل دلالات استراتيجية — خصوصًا في ظل التنافس الخليجي على النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
أجرى الرئيس أسياس والأمير محمد بن سلمان محادثة تناولت بشكل رئيسي قضايا ذات الاهتمام المشترك، بهدف تعزيز وتطوير العلاقات التاريخية والأخوية بين إرتريا والمملكة العربية السعودية من خلال الشراكة الاقتصادية. تبادل الجانبان وجهات النظر حول القضايا الإقليمية، لا سيما الوضع في حوض النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر والخليج العربي.
حضر الاجتماع وزير الخارجية السيد عثمان صالح، والسيدة ويني قرزقهير، القائمة بأعمال السفارة الإرترية.في الرياض، من الجانب الإرتري، ومستشار الأمن القومي مسعد محمد العبان، ووزير الخارجية فيصل بن فرحان، وسفير المملكة العربية السعودية لدى إرتريا مشعل حمدان الرقي، من الجانب السعودي. وفي معرض حديثه عن دور المملكة العربية السعودية في الشؤون والتطورات الإقليمية، أكد الرئيس أسياس أن على المملكة أن تضطلع بدور مؤثر في ضمان السلام والاستقرار في المنطقة عموما، وفي دول الجوار خصوصا. وأعلن الأمير محمد بن سلمان أنه سيرسل وفداً من كبار المسؤولين إلى إرتريا للاطلاع عن كثب على القضايا المطروحة، وتعزيز المشاورات القائمة والثقة المتبادلة.
كما زار الرئيس إسياس ميناء جدة، وأجرى مباحثات موسعة مع مسؤولي الميناء والهيئة العامة للموانئ السعودية، حيث يشهد الميناء حملةً تحديث وتعزيز لتنافسيته، بدءًا من دخول السفن وحتى تفريغها، وتحديث العمليات التي تضمن السلامة والأمن والكفاءة والفعالية، والتكنولوجيا والموارد البشرية المُجهزة، وأنظمة المعدات والإدارة المتكاملة، وعلاقات العمل بين مختلف الجهات، حيث يتوقع قيام شراكة موانىء مع الحكومة الإرترية.
وقال الرئيس أسياس إن زيارة ميناء جدة تهدف إلى مُتابعة التقدم المُحرز ومناقشة سُبل ضمان أن تُسهم موانئ البحر الأحمر في التنمية المُشتركة والازدهار والاستقرار الإقليمي، وذكّر الرئيس بأن الاستثمار والتعاون في الموانئ يجب أن يقودهما خبراء لا سياسيون، وشدد على أن التعاون بين الموانئ الإرترية والسعودية في هذا الصدد – بالإضافة إلى تقديم الخدمات والمنافع الاقتصادية الثنائية – يجب أن يركز على نقل المعرفة وضمان التنمية المشتركة الشاملة والتكامل الإقليمي. وأبرز أولويات إرتريا في تطوير الموانئ، مؤكداً على ضرورة التواصل والتشاور المستمر للاتفاق على خارطة طريق شاملة.
إعلان وزير الإعلام الإريتري “يماني قبري مسكل تحدث عن “ملفات التعاون والتنسيق”، لكن جوهر وجود “أفورقي” في الرياض ولمدة اربعة أيام أبعد من ذلك بكثير؛ فالسعودية ليس سعودبة الأمس، وهي التي تمثل نقطة الارتكاز في الضفة الشرقية للبحر الأحمر، بينما تمسك “إريتريا” بأطول السواحل وأكثرها حساسية في الضفة الإفريقية، في توازن استراتيجي، ومعادلة أمنية واقتصادية وسياسية جديدة يُعاد صياغتها.
كما تولي السعودية اهتمانا كبيرا بإريتريا ومنطقة القرن الإفريقي عموما، والبحر الأحمر خصوصا، والتي تمثل «معبر استراتيجي» مهم لخريطة النفوذ والتجارة، خصوصًا بالنسبة للسعودية التي تستثمر في مشاريع ضخمة مثل ساحلها الغربي، وبحسب مراقبين فإن الرياض ترى في إريتريا — وخصوصًا قيادتها — شريكًا مهمًا في موازنة النفوذ الإقليمي، لا سيما في مواجهة النفوذ الإماراتي الذي توسّع في أجزاء من القرن الإفريقي، وتسعى إريتريا من جهتها لتعزيز العلاقات مع السعودية لدعم موقفها الإقليمي، سياسيًا وأمنيًا، وانتهاج سياسة «تعدد حلفاء» بدل الاعتماد على طرف واحد.
الزيارة والملف السوداني
لا يبدو الملف السوداني بعيدا عن الزيارة، حيث تحمل الزيارة ملامح لتنسيق بين السودان – إريتريا – السعودية؛ فقد سبقت زيارة أفورقي للرياض، زيارته للسودان في نهاية نوفمبر 2025 حيث ناقش مع رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في قصر الشرق ببورتسودان ملفات عديدة، وأكد البيان الذي صدر عقب لقائهما على تعميق التعاون الأمني والاقتصادي بين الخرطوم وأسمرا، ووصف العلاقات بأنها «استراتيجية».
وبالرجوع إلى مواقف سابقة لأفورقي، نجد أنه أشار مرارًا إلى أن التدخلات الخارجية في أزمات القرن الإفريقي تؤجج النزاعات، مفضلًا أن تكون الدول المطلة على البحر الأحمر (بما فيها إريتريا، السودان، السعودية، وغيرها) هي من تتحمل مسؤولية أمن البحر والممرات البحرية، وبالتالي، تبدو زيارة أفورقي للرياض وبورسودان كمحاولة لتكوين جبهة «إقليمية» تضم السودان وإريتريا والسعودية للتعاون الأمني خصوصًا في ظل الصراع الداخلي السوداني وتقلبات الوضع في إثيوبيا والمنطقة.
وجود إريتريا داعمة للحكومة السودانية — دبلوماسيًا أو ربما لوجستيًا/أمنيًا — يعزز موقف الخرطوم مع استمرار الحرب ضد مليشيا الدعم السريع، وإذا اتسع التنسيق ليشمل السعودية من خلال زيارة أفورقي، فهذا يعني ممارسة ضغط إقليمي أكبر على من يدعمون أطرافًا متمردة، ومحاولة لضبط «تجاذبات الخليج» التي تنعكس على الحرب السودانية، لكنه أيضًا يشير إلى أن الحرب في السودان لن تظل محلية محضة بل تحولت إلى جزء من صراع نفوذ إقليمي أوسع، ما قد يزيد من تعقيد الوصول إلى حل سريع، حيث أن التنافس بين الخليج (خاصة السعودية والإمارات) أعاد ترتيب التحالفات: لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن التنسيق سيُترجم بسهولة إلى حلول دائمة؛ قد ينتهي الأمر بصراعات وكلاء كما حصل سابقًا.
من جانب إريتريا، وعلى الرغم من دعمها للسودان رسميًا، فإن سجل حقوق الإنسان والضغوط الدولية على أسمرا يحدّ من قدرتها على الظهور كفاعل «محايد» أو «وسيط بناء»، كما لا توجد حتى الآن مؤشرات تؤكد أن السعودية أو إريتريا ستتدخل عسكريًا على الأرض في السودان، ما يعني أن أي دعم على الأرجح سيبقى دبلوماسيًا أو لوجستيًا خلف الكواليس.
مشكلات الجوار في ملفات الزيارة
“أفورقي” الرئيس الأفريقي الأقدم في المنطقة ، ظل يراقب المشهد في المنطقة بأبعاده الثلاثة : موقع السودان، موقع السعودية، وموقع القوى الإقليمية الطامحة، ومن هنا يتضح أن زيارة الرياض، وقبلها بورتسودان، هي امتداد طبيعي لمسار واحد، تحاول فيه أسمرا أن تموضعها داخل خارطة البحر الأحمر، وتبحث فيه السعودية عن شريك قادر ومتمكن، لكن السؤال الذي يتبادر ويكشف المفارقة: لماذا تبدو أسمرا أكثر حضورًا في صياغة مستقبل البحر الأحمر من الخرطوم.؟ رغم أن السودان هو البلد الأكبر والأكثر تأثرًا بما يجري؟ ولماذا تنجح إريتريا في بناء علاقة متماسكة مع الرياض بينما لا يزال السودان عاجزًا عن تثبيت علاقة استراتيجية مستقرة مع جارته الأقرب؟
الإجابة لا تتعلق بإريتريا بقدر ما تتعلق بالسودان، فأسمرا تتحرك وفق استراتيجية متكاملة: “توسع خيوط التنسيق مع الخرطوم”، “تعمق محورها مع الرياض”، “وتثبت وجودها في معادلات البحر الأحمر والقرن الإفريقي” باعتبارها دولة فاعلة لا مجرد جار متردد وقلق، وتتحرك “أسمرا” بثقة في فضاء البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بينما تُفتح في المقابل جبهة أخرى لا تقل خطورة على تماس السودان وإريتريا مع الملف الإثيوبي. ممثلة في خطوة الاتحاد الإفريقي والإيقاد لرعاية اتفاق “ناقص التمثيل” بين “الحكومة الإثيوبية وبعض فصائل الأمهرة”، تأتي الخطوة استمرارًا لذات النمط الذي سبق تطبيقه في ملف التقراي ” اتفاقات تُولَد خارج الشرعية الداخلية للفصائل”، لكنها تُمنح غطاءً إقليميًا شكليًا عبر منصات دولية لتحقيق مصلحة اثيوبية داخلية وأخري خارجية إماراتية .
هذا الدور والاسلوب ، الذي تبنّته أديس أبابا بوضوح، لا يهدف لتسوية النزاعات بقدر ما يخلق “خصوم منزوعي التمثيل” يوقعون باسم فصائلهم بينما القواعد الفعلية على الأرض ترفض الاتفاق وتستعد لمرحلة صدام جديدة يعود بالنفع لاثيوبيا والامارات .
تداعيات هذا المسار لا تقف عند حدود إثيوبيا الداخلية. الهشاشة الناتجة عن تفتيت فانو— تمامًا كما حدث في التقراي — بل تتسرب تلقائيًا نحو الخرطوم وأسمرا ، ليواجه السودان بوابة جديدة في شرقه وعبور حركة الامداد والتسليح، ودخول المرتزقة، بينما “إريتريا” ترى في الاتفاق محاولة لتحجيم دورها الإقليمي وتقليص قدرتها على التأثير في توازن القوى داخل الهضبة الإثيوبية، عبر خلق وقائع سياسية مصنوعة تحت رعاية الهيئات الإقليمية.
الأخطر أن هذا النمط من التعامل يُعيد تشكيل المشهد على نحو يسمح لإثيوبيا بخلط ملفاتها الداخلية مع حساباتها الخارجية، خاصة تجاه “الخرطوم وأسمرا”، وكل اتفاق هشّ في الشمال يتحول مباشرة إلى ملف حدودي، وورقة ضغط في البحر الأحمر، وأداة تفاوض في يد “أديس أبابا”، مستفيدة من غطاء “الإيقاد والاتحاد الإفريقي”
سيناريوهات المستقبل
قراءة معطيات الزيارة تقول أن العلاقات الإريترية–السعودية تسير في مسار تصاعدي، يعكس إدراك الطرفين لأهمية التعاون في ظل التحولات الجارية، سواء على مستوى الاقتصاد البحري أو الأمن الإقليمي أو الشراكات الاستراتيجية طويلة المدى.
تمثل زيارة الرئيس أسياس أفورقي إلى الرياض خطوة دبلوماسية تحمل أبعادًا تتجاوز الإطار الثنائي، وترتبط مباشرة بإعادة ترتيب المشهد الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي خلال مرحلة تتسم بكثرة التحديات والتحولات، وسيكون لها أثرها على واقع ومستقبل الحرب في السودان كذلك.
وما بين زيارة بورتسودان وزيارة الرياض، تكشف تحركات أفورقي في المنطقة أن الإقليم يتحرك نحو ترتيبات جديدة، وإعادة تموضع لكثير من الملفات الساخنة، وأن أسمرا تستخدم دبلوماسية الزيارات لصناعة مسار يقوم على المصالح الإرترية، وتسعى إريتريا لأن تحدد بالضبط ماذا تريد من الجغرافيا والسياسة والعلاقات.
مراجع
عمار العركي، أسمرا تتحرك بثقة… والخرطوم لم تبارح التردد وغياب القرار، منصة أشواق السودان، 9 ديسمبر 2025، الرابط: https://sudaplatform.com/123071
أدوليس فارس، زيارة الرئيس أسياس أفورقي إلى السعودية: دلالات استراتيجية في ظل تحولات البحر الأحمر، 9 ديسمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/Y2QdI
باولوس نتاباي، تقرير زيارة الرئيس إسياس أفورقي إلى المملكة العربية السعودية، 15/ 12/ 2025، على الرابط: https://shorturl.at/ZzKkL





