الجغرافية السياسيةالسياسات العامة

بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في مالي لماذا عجزت “مينوسما” عن إرساء الاستقرار؟

بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في مالي لماذا عجزت “مينوسما” عن إرساء الاستقرار؟

أُنشئت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما) بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2100 الصادر في أبريل 2013، وبدأ انتشارها الميداني رسميًا في يوليو من العام نفسه، في سياق أزمة أمنية ومؤسساتية عميقة هزّت الدولة المالية منذ عام 2012. فقد تميزت تلك المرحلة باندلاع التمرد المسلح، وحدوث انقلاب 22 مارس 2012، ثم اتساع رقعة سيطرة الجماعات المسلحة والإرهابية على أجزاء واسعة من البلاد، بما جعل الحاجة إلى تدخل دولي منظم مسألة ملحّة في نظر المجتمع الدولي والسلطات المالية آنذاك. وقد كان الهدف المعلن من إنشاء مينوسما هو دعم الدولة المالية في استعادة الاستقرار، عبر حماية المدنيين، ومساندة عودة الإدارة العمومية، ومرافقة المسار السياسي والإصلاحات المؤسساتية، وتسهيل العمل الإنساني في المناطق المتأثرة بالنزاع.

وقد اتخذ حضور مينوسما طابعًا واسعًا من حيث الموارد والانتشار، إذ بلغت ميزانيتها السنوية نحو 1.2 مليار دولار، وضمّت أكثر من 15 ألف عنصر من العسكريين والشرطة والموظفين المدنيين القادمين من أكثر من خمسين دولة، وتمركزت عبر ما يقارب 11 قاعدة رئيسية في شمال مالي ووسطها. ورغم هذا الحجم الكبير من الإمكانات، ظلّت نتائج البعثة محل جدل واسع، إذ لم تتمكن خلال عشر سنوات من تحقيق استقرار دائم، بل شهدت البلاد استمرار الهجمات واتساع رقعة العنف، خاصة باتجاه مناطق الوسط، وهو ما أدى في النهاية إلى تدهور الثقة بين السلطات المالية والبعثة، وصولًا إلى طلب مالي الرسمي إنهاء مهمة مينوسما سنة 2023. ويهدف هذا التقرير إلى تفسير الأسباب الرئيسية التي حالت دون نجاح البعثة في تحقيق الاستقرار، من خلال تحليل السياق البنيوي للأزمة، وحدود التفويض الأممي، وتعثر المسار السياسي، وأزمة الثقة المحلية، والتحولات الجيوسياسية التي أعادت تشكيل العلاقة بين مالي وشركائها الدوليين.

  1. 1. بعثة وُلدت من أزمة عميقة وبنيوية

بعثة صُممت كعملية لتحقيق الاستقرار

ترتبط الأزمة المالية بسلسلة من الاختلالات التاريخية ذات الطابع السياسي والترابي والمؤسساتي، وقد تراكمت هذه العوامل عبر سنوات طويلة لتُنتج بيئة هشّة قابلة للانفجار عند أول صدمة كبرى. وقد شكّل اندلاع التمرد الخامس في تاريخ البلاد، في 17 يناير 2012 نقطة تحول حاسمة في مسار الدولة المالية، إذ قادته الحركة الوطنية لتحرير أزواد، ضمن خطاب انفصالي استهدف شمال البلاد، مستندًا إلى سرديات سياسية واجتماعية قديمة حول التهميش والتمثيل والهوية. غير أن طبيعة الصراع لم تبقَ في حدود النزاع الانفصالي، إذ سرعان ما دخلت جماعات جهادية إلى المشهد وتحالفت ضمن ديناميكية تخريبية أكثر تعقيدًا، أبرزها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، بما حملته من مشروع أيديولوجي يسعى إلى تغيير جذري في بنية الدولة المالية وإعادة تشكيل المجتمع وفق تصور ديني متطرف.

وازداد الوضع تعقيدًا بعد الانقلاب العسكري في 22 مارس 2012، حيث أدى ذلك إلى تفكيك سلسلة القيادة داخل المؤسسة العسكرية، وإضعاف الدولة سياسيًا وإداريًا، وتسريع فقدان السيطرة على أجزاء واسعة من التراب الوطني، وهو ما مكّن الجماعات المسلحة من التقدم حتى موبتي (وسط البلاد)، في لحظة مثّلت تهديدًا مباشرًا لبقاء الدولة ووحدة البلاد. وأمام هذا التهديد، تدخلت فرنسا عسكريًا عبر عملية سيرفال، التي تحولت لاحقا إلى عملية برخان، بطلب من السلطات المالية، وأسفر ذلك عن تحرير مدن استراتيجية مثل كونّا ودوينتزا وغاو وتمبكتو. غير أن التحليلات الوطنية المالية تسجل في هذه المرحلة نقطة شديدة الحساسية تمثلت في أن الجيش المالي لم يُسمح له من دخولمدينه كيدال معقل التمرد خلال تلك الفترة، وهو ما عزز لاحقًا شعورًا بأن السيادة الترابية كانت تُدار وفق منطق دولي انتقائي، وجعل ملف كيدال أحد أبرز عناصر التوتر السياسي والرمزي في العلاقة بين الدولة وشركائها الخارجيين.

مينوسما: بعثة ضخمة ومكلفة وشديدة التعرض للمخاطر

جاءت بعثة مينوسما بإمكانات كبيرة تعكس حجم الرهان الدولي على استقرار مالي، إذ بلغ قوامها أكثر من 15 ألف عنصر من العسكريين والشرطة والموظفين المدنيين، وبلغت ميزانيتها السنوية نحو 1.2 مليار دولار، كما انتشرت ميدانيًا عبر ما يقارب 11 قاعدة في شمال البلاد ووسطها. وفي بعض مراحل التفويض، وصلت الأرقام المصرح بها إلى نحو 13,289 جنديًا ونحو 1,700 عنصر شرطة، إضافة إلى طواقم مدنية دولية ومحلية تولت مهام الدعم السياسي والإداري والإنساني.

ورغم هذا الحجم الكبير، أصبحت مينوسما واحدة من أخطر بعثات الأمم المتحدة عالميًا، إذ تكشف حصيلتها البشرية عن طبيعة البيئة القتالية التي واجهتها. فمنذ 2013 إلى 2023 سُجلت خسائر كبيرة بلغت حوالي 311 قتيلًا من قوات حفظ السلام، من بينهم أكثر من 180 قُتلوا في هجمات مباشرة نُسبت في الغالب إلى جماعات مرتبطة بـالقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. ويُبرز هذا العدد المرتفع من الضحايا حجم المخاطر التي واجهتها البعثة في ساحة عمليات تتسم بحرب غير تقليدية وعنف مسلح شديد، وهو ما جعلها تعمل تحت ضغط دائم بين واجب تنفيذ التفويض الأممي وبين واقع ميداني يتغير بسرعة ويتجاوز أدوات حفظ السلام التقليدية.

  1. تفويض يُنظر إليه على أنه غير ملائم: بعثة سلام في مواجهة حرب إرهابية

أحد أهم الأسباب التي تفسر محدودية نتائج مينوسما يتمثل في الفجوة البنيوية بين طبيعة التفويض الأممي الذي تأسست عليه البعثة وبين التحول العميق الذي عرفته الأزمة المالية على الأرض. فقد جاءت مينوسما كعملية لحفظ السلام ودعم الاستقرار، في وقت كانت فيه الأزمة لا تزال تُقرأ في جانب منها كصراع سياسي وترابي قابل للاحتواء عبر ترتيبات سياسية ومرافقة دولية. غير أن الواقع الأمني تطور بسرعة، وتحولت التهديدات إلى نمط حرب إرهابية غير متماثلة أصبحت فيها الجماعات المتطرفة، العابرة للحدود والمتحركة، هي العائق الأكبر أمام السلام والاستقرار، وهو ما جعل جزءًا متزايدًا من الرأي العام والسلطات في مالي ينظر إلى التفويض على أنه غير متناسب مع حجم الخطر وطبيعته.

أهداف متعددة وأحيانًا متداخلة

كان تفويض مينوسما متعدد الأبعاد، إذ كُلّفت بحماية المدنيين، ودعم تنفيذ اتفاق الجزائر، ومساندة عودة الإدارة العمومية، ومرافقة المسار الانتخابي، وتسهيل العمل الإنساني، ومراقبة وقف إطلاق النار، ودعم برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وإصلاح القطاع الأمني، إلى جانب أدوار مرتبطة بحقوق الإنسان وبناء الثقة بين الأطراف. غير أن هذا الاتساع في المهام خلق تحديًا عمليًا يتمثل في تشتت الأولويات وصعوبة تحقيق نتائج حاسمة في الملف الأكثر إلحاحًا بالنسبة للمواطنين، وهو الملف الأمني. ومع استمرار الهجمات وتوسعها، بدا أن البعثة تتحرك داخل نطاق إداري وسياسي واسع، بينما كان التهديد الأساسي يتطلب استجابة أمنية أكثر صرامة وسرعة ومرونة.

بعثة بلا أمر مباشر “بالقتال”

من النقاط الجوهرية التي أثرت على صورة مينوسما وفعاليتها أنها لم تُنشأ كقوة لمكافحة الإرهاب، ولم يكن لديها أمر صريح بخوض حرب هجومية مفتوحة ضد التنظيمات الإرهابية. فرغم أن تفويضها كان تحت الفصل السابع، فإن طبيعة عمليات الأمم المتحدة في حفظ السلام تظل محكومة بمبادئ وقواعد اشتباك لا تجعل منها قوة هجومية دائمة الهدف، بل قوة هدفها الأساسي تثبيت الاستقرار ودعم المسار السياسي وحماية المدنيين ضمن حدود معينة. وقد أدى هذا الواقع إلى اتساع الفجوة بين ما ينتظره السكان من تدخل دولي قادر على ردع الجماعات الإرهابية وبين ما تستطيع البعثة فعله فعليًا، الأمر الذي جعلها في نظر كثيرين غير قادرة على تقديم إجابة حاسمة على السؤال الأمني المركزي في مالي.

بعثة تواجه تهديدًا غير تقليدي

واجهت مينوسما بيئة عملياتية شديدة التعقيد تقوم على الهجمات غير المتوقعة والكمائن والعبوات الناسفة والهجمات المنسقة ضد القواعد، إضافة إلى تحركات سريعة للجماعات المسلحة عبر الدراجات النارية والسيارات رباعية الدفع، وهو ما جعل السيطرة على الأرض مؤقتة وهشة في كثير من الأحيان. وقد زادت خطورة الوضع مع تداخل الصراع الإرهابي مع نزاعات محلية ذات أبعاد مجتمعية، ما جعل بعض مناطق الوسط والشمال تتحول إلى فضاءات توتر دائم لا يكفي فيها الوجود العسكري الرمزي وحده لضمان الأمن.

وفي هذا السياق، برزت حدود تشغيلية واضحة تمثلت في اتساع رقعة البلاد وصعوبة تغطيتها ميدانيًا بشكل دائم، واعتماد البعثة على قواعد ثابتة في مواجهة خصوم شديدي الحركة، إضافة إلى القيود الوطنية التي فرضتها بعض الدول المشاركة على وحداتها من حيث الحركة أو طبيعة الاشتباك، وهو ما قلل من المرونة العملياتية. كما أن تعدد الفاعلين العسكريين في الساحة، بين القوات المالية وقوات برخان سابقًا وقوة دول الساحل ومبادرات أخرى، جعل التنسيق معقدًا وأحيانًا أضعف قدرة مينوسما على الظهور كفاعل حاسم في المعادلة الأمنية، وهو ما عمّق الانطباع بأنها لا تملك الأدوات المناسبة للتعامل مع حرب إرهابية مفتوحة ومتغيرة باستمرار.

  1. معضلة كبرى: غياب دولة قوية وموحدة

لم تكن أزمة مالي أزمة أمنية فقط يمكن احتواؤها عبر انتشار دولي واسع، بل كانت في جوهرها أزمة دولة تعاني من هشاشة مؤسساتية وصعوبات مزمنة في بسط السلطة على كامل التراب الوطني. وقد اصطدمت مينوسما منذ سنواتها الأولى بحقيقة أن نجاح أي عملية استقرار يبقى مرتبطًا بوجود دولة قادرة على استعادة وظائفها الأساسية، وإعادة بناء الثقة مع المجتمع، وضمان استمرارية القرار السياسي والإداري. وفي ظل غياب هذا الشرط، تصبح أي بعثة دولية مهما بلغت إمكاناتها محدودة التأثير، لأنها لا تستطيع أن تحل محل الدولة ولا أن تؤسس وحدها لنظام حكم دائم.

حوكمة هشّة

عرفت مالي خلال السنوات التي تلت 2012 اضطرابًا سياسيًا متكررًا أثر على وحدة القرار الوطني وعلى قدرة المؤسسات على تنفيذ سياسات طويلة المدى. فقد أدى تتابع الأزمات والانقسامات إلى إضعاف ثقة المواطنين في الدولة، كما جعل إدارة الملفات الأمنية والسياسية رهينة لتوازنات داخلية متقلبة. وفي هذا السياق، برزت إشكالية جوهرية تتمثل في أن الاستقرار يحتاج إلى سلطة سياسية مستقرة وإدارة قادرة على التخطيط والتنفيذ، بينما كانت البلاد تمر بمرحلة انتقالية ممتدة وتحديات متراكمة أثرت على فعالية الدولة وعلى انسجام المؤسسات. وقد شددت السلطات المالية، في خطاباتها الرسمية أمام الأمم المتحدة، على أن الإصلاحات السياسية والمؤسساتية كانت مطلبًا شعبيًا ملحًا، وأن إعادة بناء الشرعية والاستقرار الدستوري يمثلان شرطًا أساسيًا لضمان مستقبل أكثر استقرارًا، غير أن تنفيذ هذه الإصلاحات في بيئة أمنية متدهورة ظل مهمة شديدة الصعوبة.

 ضعف حضور الإدارة في الأقاليم

إحدى أبرز الإشكالات التي واجهت الاستقرار في مالي تمثلت في ضعف حضور الدولة في مناطق واسعة من الشمال والوسط، حيث ظل الوصول إلى الإدارة العمومية والخدمات الأساسية محدودًا أو منعدمًا في بعض الفترات. وقد انعكس هذا الغياب على منظومة الأمن والعدالة، إذ أدى ضعف انتشار الشرطة والقضاء والإدارة إلى خلق فراغ مؤسساتي استغلته الجماعات الارهابية لتثبيت نفوذها وفرض أنماط حكم موازية، سواء عبر الجباية غير القانونية أو التحكم في حركة السكان أو التدخل في النزاعات المحلية. ومع استمرار هذا الواقع، أصبحت بعض المناطق تعيش تحت سلطة الأمر الواقع، حيث تراجعت قدرة الدولة على فرض القانون وتقديم الخدمات، وتزايد اعتماد السكان على ترتيبات محلية أو على قوى مسلحة توفر الحماية مقابل الولاء أو الموارد.

وقد حاولت مينوسما دعم عودة الدولة من خلال تأمين بعض المناطق وتسهيل انتشار الإدارة، غير أن هذا الدور ظل محدودًا لأن البعثة لا تملك سلطة سيادية، كما أن نجاح إعادة الانتشار الإداري يتطلب أولًا توفر بيئة أمنية مستقرة، وثانيًا وجود إرادة سياسية وقدرة لوجستية لدى الدولة لإعادة بناء شبكات الإدارة والخدمات. وبذلك، ظل غياب الدولة القوية والموحدة أحد العوامل العميقة التي حدّت من أثر مينوسما، وجعلت الاستقرار هشًا وقابلًا للانتكاس بمجرد تغير موازين القوة على الأرض.

  1. اتفاق الجزائر لعام 2015: ركيزة سياسية أضعفتها عدم التطبيق

مثّل اتفاق السلام والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر لعام 2015 الإطار السياسي الأهم الذي كان يفترض أن يمنح الأزمة المالية مخرجًا تدريجيًا من منطق الحرب إلى منطق التسوية. وقد رأت الأمم المتحدة وشركاء مالي أن هذا الاتفاق يشكل أساسًا لإعادة بناء الدولة وتوحيد المؤسسات ودمج الفاعلين المسلحين ضمن ترتيبات وطنية، بما يسمح باستعادة السيادة وبسط الأمن بشكل دائم. غير أن هذا الاتفاق، رغم أهميته الرمزية والسياسية، ظل يعاني من تعثر مستمر في التطبيق، الأمر الذي جعل دوره في تحقيق الاستقرار محدودًا مقارنة بحجم التوقعات التي بُنيت عليه.

اتفاق معقد سياسيًا

اتسم اتفاق الجزائر بطابع سياسي معقد لأنه جاء نتيجة تفاوض طويل بين أطراف تحمل رؤى متباينة حول الدولة والسلطة والهوية والحكم المحلي. وقد تضمن التزامات متعددة تتعلق بإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم، وتوسيع اللامركزية، وإطلاق إصلاحات أمنية وإدارية، إضافة إلى إدماج بعض المقاتلين السابقين ضمن آليات الدولة. غير أن هذا التعقيد جعل الاتفاق حساسًا داخليًا، إذ اعتبرته بعض الفئات وثيقة يصعب تطبيقها عمليًا، ورأت فيه أطراف أخرى توازنات غير مرضية أو قابلة للتأويل السياسي بما يهدد وحدة الدولة أو يفتح الباب أمام ترتيبات خاصة في مناطق معينة. ومع تزايد الشكوك المتبادلة بين الأطراف، ظل الاتفاق في كثير من محطاته رهينًا لحسابات سياسية وأمنية متغيرة، ما جعل التنفيذ يتقدم ببطء شديد أو يتوقف عند مراحل مفصلية.

 ديناميكية أمنية أسرع من المسار السياسي

أبرز ما أضعف اتفاق الجزائر هو أن المسار الأمني على الأرض كان يتدهور بوتيرة أسرع بكثير من قدرة الآليات السياسية على الاستجابة. ففي الوقت الذي كان يفترض فيه أن يؤدي الاتفاق إلى تخفيف التوتر وإعادة بناء الثقة، كانت الهجمات الإرهابية تتوسع جغرافيًا وتتعمق من حيث التنظيم والقدرة على الضرب، كما انتقلت بؤر العنف تدريجيًا من الشمال إلى الوسط، وبرزت صراعات محلية ذات طابع مجتمعي استغلتها الجماعات المسلحة لتعزيز نفوذها. وبذلك، أصبحت الدولة تواجه أزمة أمنية متسارعة بينما بقي المسار السياسي بطيئًا ومعقدًا، وهو ما خلق فجوة كبيرة بين النصوص الموقعة والواقع الميداني.

ويُعد ملف نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أحد أبرز مؤشرات هذا التعثر، إذ تشير بعض التقديرات إلى أنه من أصل نحو 3387 مقاتلًا كان يفترض إدماجهم أو تسريحهم ضمن برامج منظمة، لم يُسجَّل فعليًا سوى حوالي 352 عنصرًا في مرحلة معينة، وهو رقم يعكس محدودية النتائج مقارنة بحجم الالتزامات. كما انتشرت داخل مالي قناعة متزايدة بأن الجماعات الموقعة لم تُنزع أسلحتها بالشكل الكافي، ولم تُدمج بصورة فعالة في المنظومة الوطنية كما نص الاتفاق، بل إن بعض هذه الجماعات حافظت على قدرة مستقلة في مناطق معينة، الأمر الذي غذّى شعورًا بالإحباط واعتبره كثيرون سببًا مباشرًا في استمرار التوترات وتآكل فرص الاستقرار. وفي ظل هذه المعطيات، لم يتمكن اتفاق الجزائر من لعب دوره كرافعة سياسية حاسمة لإنهاء الأزمة، وبقي إطارًا نظريًا يصطدم بعراقيل التنفيذ وبسياق أمني متدهور يفرض إيقاعًا أسرع من قدرة السياسة على احتوائه.

  1. تدهور الصورة محليًا وأزمة ثقة

لم يكن تقييم مينوسما داخل مالي محكومًا فقط بما أنجزته البعثة على مستوى التقارير الرسمية أو المؤشرات التقنية، بل تشكل بالأساس عبر التجربة اليومية للسكان مع الأمن والخوف والتنقل والخدمات. فكلما استمرت الهجمات وتكررت المآسي الإنسانية، تراجع الإحساس بأن وجود البعثة قادر على تغيير الواقع، وتحولت العلاقة تدريجيًا من الأمل إلى الشك، ومن انتظار الحماية إلى تحميل المسؤولية، خصوصًا في المناطق التي عاشت أقسى موجات العنف في الشمال والوسط. ومع مرور الوقت، أصبحت أزمة الثقة عنصرًا مركزيًا يفسر محدودية فعالية مينوسما، لأن أي بعثة دولية لا تستطيع النجاح في بيئة لا تحظى فيها بشرعية اجتماعية كافية ولا بتعاون سياسي مستقر مع السلطات الوطنية.

 توقعات مرتفعة وإحباط متزايد

عند وصول مينوسما، ارتفعت توقعات السكان بشكل كبير، إذ رُبطت البعثة في المخيال الشعبي بفكرة أن المجتمع الدولي جاء ليضمن عودة الأمن ويمنع تكرار سيطرة الجماعات المسلحة على المدن. غير أن استمرار الاعتداءات، وتوسع العمليات الإرهابية، وتزايد حالات النزوح، جعل كثيرين يشعرون بأن الواقع لا يتغير بالقدر المتوقع، بل إن بعض المناطق شهدت تدهورًا واضحًا مقارنة بالسنوات الأولى. وقد تعزز هذا الإحباط لأن البعثة كانت تملك حضورًا ضخمًا من حيث العدد والميزانية، ما جعل السؤال يتكرر داخل المجتمع: كيف يمكن لمهمة تضم أكثر من خمسة عشر ألف عنصر وتستهلك أكثر من مليار دولار سنويًا أن تعجز عن إيقاف العنف أو منع تكراره؟

ومع هذا الشعور، برزت اتهامات متزايدة بأن مينوسما غير قادرة على حماية المدنيين بشكل فعلي، أو أنها تتحرك ببطء شديد أمام الهجمات، أو أنها تكتفي بدور مراقب بدل أن تكون قوة ردع. وفي بعض الحالات، تطورت هذه الانتقادات إلى تصورات أكثر حدة تتحدث عن “لامبالاة” أو “عجز”، وهو ما جعل العلاقة بين السكان والبعثة تتدهور تدريجيًا، خاصة في المناطق التي أصبحت تعيش تحت تهديد دائم من الجماعات المسلحة.

 ضعف التواصل المؤسسي

ساهم ضعف التواصل المؤسسي في تعميق أزمة الثقة، إذ لم تتمكن مينوسما بشكل كافٍ من شرح طبيعة تفويضها وحدوده القانونية والعملياتية، ولم توضح للسكان أن بعثات حفظ السلام ليست قوات هجومية لمكافحة الإرهاب، بل تعمل ضمن قواعد اشتباك محددة ووفق أولويات متعددة. هذا الغموض سمح بانتشار قراءات متناقضة حول دور البعثة، كما فتح المجال أمام الإشاعات وحملات التضليل التي أصبحت تؤثر بقوة على الرأي العام، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات السياسية وتنافس الفاعلين المحليين والدوليين على تشكيل السردية العامة حول الأزمة.

كما أن عدم وضوح العلاقة بين مينوسما وباقي القوى الدولية التي كانت موجودة في مالي في مراحل مختلفة، مثل برخان وغيرها، زاد من ارتباك السكان بشأن من يتحمل المسؤولية الأمنية فعليًا، ومن يملك قرار التحرك، ومن يضع الخطوط الحمراء. وفي ظل هذا الالتباس، لم تعد البعثة تُقاس بما تقوله تقاريرها، بل بما يراه الناس في حياتهم اليومية، وعندما لا يلمسون تحسنًا ملموسًا في الأمن، تتحول شرعية البعثة إلى موضع شك، ويصبح وجودها نفسه محل جدل سياسي وشعبي. بهذه الطريقة، لم تكن أزمة الثقة مجرد نتيجة ثانوية، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في إضعاف قدرة مينوسما على أداء مهامها، لأن فقدان الشرعية الاجتماعية يحد من فعالية أي تدخل دولي مهما بلغت إمكاناته.

  1. الأسباب التي قدمتها مالي للمطالبة بإنهاء مهمة مينوسما

استند قرار مالي بطلب انسحاب مينوسما إلى تراكم من الخلافات والانتقادات التي تصاعدت تدريجيًا خلال سنوات عمل البعثة، حيث رأت السلطات أن استمرارها لم يعد ينسجم مع أولويات الأمن الوطني ولا مع التحولات التي عرفها مسار الأزمة. وقد برز هذا التوجه بشكل واضح في الخطابات الرسمية داخل مجلس الأمن، التي شددت على أن حصيلة عشر سنوات من وجود البعثة لم تحقق الهدف المركزي المتمثل في الاستقرار، بل تزامنت مع اتساع رقعة التهديدات وارتفاع مستوى التعقيد الأمني والسياسي، وهو ما دفع باماكو إلى تبني خيار إنهاء التفويض باعتباره قرارًا سياديًا مرتبطًا بحماية الدولة ووحدة المجتمع.

 تفويض غير ملائم للتحديات الأمنية

اعتبرت السلطات المالية أن البعثة لم تحقق هدفها الأساسي، وأن تفويضها لم يعد ينسجم مع طبيعة التهديد الحقيقي الذي تواجهه البلاد، والمتمثل أساسًا في الإرهاب والجماعات المتطرفة التي أصبحت الفاعل الأكثر تأثيرًا في تعطيل السلام. وبحسب هذا المنطق، فإن تفويضًا صُمم في إطار حفظ السلام ودعم الاستقرار لا يمكنه أن يستجيب بفعالية لواقع حرب إرهابية غير متماثلة، تتطلب أدوات مختلفة وقدرة أكبر على الحسم الميداني، وهو ما جعل الحكومة ترى أن الوضع الأمني بعد عشر سنوات من عمل البعثة لم يتحسن بالشكل الذي يبرر استمرارها.

 بعثة أصبحت عامل توتر

ترى الحكومة أن مينوسما تحولت تدريجيًا من شريك مفترض في تثبيت الاستقرار إلى عنصر يساهم في تعقيد المشهد، سواء بسبب اتساع فجوة الثقة بينها وبين السكان، أو بسبب ما اعتبرته السلطات تغذية للشكوك وتفاقم لبعض الانقسامات بدل تهدئتها. وقد أدى هذا المناخ إلى بروز قناعة رسمية بأن استمرار البعثة لم يعد يساعد على التهدئة وبناء التوافق، بل أصبح يخلق حساسيات إضافية تؤثر على الاستقرار الداخلي وعلى العلاقة بين الدولة ومواطنيها.

 تسييس ملف حقوق الإنسان

من بين النقاط الأكثر حساسية في الخطاب الرسمي المالي اتهام بعض الأطراف الدولية بتوظيف ملف حقوق الإنسان سياسيًا، واتباع انتقائية في التعاطي مع الأحداث، واستعمال تقارير حساسة كوسيلة ضغط على الدولة، بما يهدف في نظر باماكو إلى إضعافها بسبب خياراتها السيادية. وقد اعتبرت السلطات أن بعض التقارير والتفاعلات الدولية لم تُراعِ سياق الحرب ضد الإرهاب ولا معاناة السكان في مناطق كانت محاصرة لسنوات من قبل الجماعات المسلحة، وأن معالجة الملف تمت أحيانًا بمنطق سياسي لا بمنطق مهني محايد، ما عمّق الخلاف وأثر على الثقة بين الطرفين.

 فرنسا ومسألة “حامل القلم”

انتقدت مالي الدور الفرنسي في صياغة مشاريع القرارات داخل مجلس الأمن، خصوصًا عبر موقع فرنسا كـ“حامل القلم” في الملفات المتعلقة بمالي، معتبرة أن بعض النصوص المقترحة كانت غير متوازنة أو لا تستجيب لانتظارات الماليين الأمنية. وقد عزز هذا التصور اعتقادًا لدى السلطات بأن قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالبعثة لا تعكس دائمًا أولويات السكان ولا مقاربة الدولة في مكافحة الإرهاب، بل تتأثر بحسابات سياسية خارجية تزيد من حساسية العلاقة بين مالي وشركائها الدوليين.

صعود قدرات الجيش المالي كبديل وطني

قدمت السلطات المالية رؤية جديدة تقوم على تعزيز الجيش وتحسين التجهيز وتحقيق الاستقلال العملياتي واستعادة السيطرة الترابية تدريجيًا، معتبرة أن مسؤولية حماية السكان والدفاع عن وحدة البلاد تقع أولًا على عاتق الدولة. وفي هذا السياق، أصبح خيار إنهاء وجود مينوسما مرتبطًا بتحول استراتيجي أوسع عنوانه “استعادة زمام المبادرة”، عبر الاعتماد على القدرات الوطنية في تنفيذ العمليات الأمنية، وتأمين الحدود، وملاحقة الجماعات الإرهابية، بدل استمرار صيغة تدخل دولي تُعتبر في نظر باماكو غير قادرة على إنتاج نتائج تتناسب مع حجم المخاطر.

  1. تحول السياق الجيوسياسي والاستراتيجي

لم يكن مسار مينوسما معزولًا عن التحولات العميقة التي عرفتها البيئة الإقليمية والدولية خلال العقد الأخير، إذ تزامن وجودها مع تغيرات متسارعة في توازنات النفوذ داخل منطقة الساحل، ومع تصاعد رهانات الأمن والهجرة والموارد، إضافة إلى إعادة تشكيل التحالفات العسكرية والسياسية في المنطقة. وقد أدى هذا التحول إلى تغيير نظرة الدولة المالية إلى طبيعة الشراكات الخارجية، وإلى إعادة تعريف مفهوم “الاستقرار” نفسه باعتباره مرتبطًا بالسيادة والقدرة على التحكم في القرار الأمني والسياسي دون ضغط أو وصاية. وفي هذا الإطار، أصبحت مينوسما تُقرأ لدى جزء من النخبة السياسية والرأي العام ليس فقط كمهمة أممية ذات طابع تقني، بل كعنصر ضمن معادلة جيوسياسية أوسع تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى، وهو ما ساهم في تراجع القبول السياسي والاجتماعي لاستمرارها.

 تصاعد النزعة السيادية

شهدت مالي خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا واضحًا في الخطاب السيادي، الذي يقوم على رفض التدخلات الخارجية في الخيارات الاستراتيجية للدولة، وعلى المطالبة بأن تكون مكافحة الإرهاب وبناء السلام عملية تقودها السلطات الوطنية وفق أولوياتها الخاصة. وقد تعزز هذا الاتجاه في ظل الانتقادات المتزايدة لأداء القوى الدولية، وفي ظل شعور متنامٍ بأن المقاربات السابقة لم تحقق الأمن ولم تمنع توسع العنف، بل أدت في بعض الحالات إلى تعقيد المشهد عبر تعدد الفاعلين وتداخل الصلاحيات. كما ارتبطت النزعة السيادية برغبة رسمية في استعادة المبادرة الميدانية والسيطرة على القرار العسكري، وهو ما جعل وجود بعثة أممية كبيرة بآلياتها الخاصة وتفويضها المحدد يبدو أقل انسجامًا مع هذا التوجه الجديد، خصوصًا عندما أصبحت العلاقة بين الطرفين تتسم بالتوتر وعدم الثقة.

 سياق إقليمي غير مستقر

يظل الاستقرار في مالي مرتبطًا بسياق إقليمي واسع يتسم بالهشاشة، حيث تتداخل الحدود المفتوحة مع شبكات التهريب وتجارة السلاح وتدفقات المقاتلين، وهي عوامل تفاقمت منذ 2011 مع انهيار ليبيا وانتشار الأسلحة في المنطقة. كما أن منطقة الساحل شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعًا للجماعات المتطرفة وتغيرًا مستمرًا في خرائط النفوذ، ما جعل التهديد الأمني يتجاوز حدود الدولة المالية إلى فضاء إقليمي مفتوح. وفي ظل هذا الواقع، أصبح من الصعب على أي بعثة أممية أن تحقق استقرارًا داخل مالي بمعزل عن معالجة التحديات العابرة للحدود، وهو ما جعل نتائج مينوسما محدودة أمام أزمة تتغذى من عوامل إقليمية مركبة لا يمكن احتواؤها فقط عبر الانتشار العسكري أو الدعم السياسي داخل دولة واحدة.

حصيلة متباينة: مساهمات واقعية لكنها غير كافية أمام الهدف المركزي

لا يمكن اختزال تجربة مينوسما في صورة فشل مطلق أو نجاح كامل، لأن حصيلتها جاءت متباينة بين ما حققته فعليًا على مستوى الدعم الإنساني والمؤسساتي وبين ما لم يتحقق في جوهر المهمة وهو تثبيت الأمن بصورة دائمة. فمن جهة، ساهمت البعثة في دعم جهود الاستجابة الإنسانية وتسهيل وصول المساعدات إلى مناطق متضررة، كما لعبت دورًا مهمًا في بعض الجوانب اللوجستية التي استفادت منها الدولة وشركاؤها، إضافة إلى مشاركتها في مشاريع مدنية محلية ساعدت على تخفيف آثار الأزمة في بعض المناطق. كما أن وجودها في الميدان مكّن من توفير قدر من الحماية في حالات محددة، وساهم في توثيق الانتهاكات ومرافقة بعض المسارات السياسية والمؤسساتية المرتبطة بالحوار الوطني وباتفاق الجزائر.

ومن منظور الأمم المتحدة، لا تُصنَّف مهمة مينوسما على أنها فشل كامل، بل تُقدَّم باعتبارها عملية أممية اشتغلت في بيئة استثنائية شديدة التعقيد، تداخلت فيها هشاشة الدولة مع تمدد الجماعات الإرهابية وتحوّل النزاع إلى حرب غير متماثلة، على مساحة جغرافية واسعة وصعبة التحكم، وفي ظل توقعات شعبية وسياسية مرتفعة كانت تتجاوز أحيانًا طبيعة التفويض الأممي ذاته. وتؤكد الأمم المتحدة أن نتائج البعثة ينبغي أن تُقيَّم في ضوء حدود ولايتها القانونية ومهام حفظ السلام التقليدية، وليس فقط وفق معيار الحسم العسكري الشامل الذي يندرج أساسًا ضمن مهام مكافحة الإرهاب وليس ضمن العقيدة الأصلية لعمليات حفظ السلام.

غير أن هذه المساهمات، رغم أهميتها، لم تكن كافية لتلبية المطلب الرئيسي الذي انتظره المواطن المالي من بعثة بهذا الحجم، وهو توفير أمن مستقر وملموس ينعكس مباشرة على الحياة اليومية. فقد ظلت الهجمات الإرهابية مستمرة، واتسعت رقعة العنف من الشمال إلى الوسط، وارتفعت كلفة النزاع من حيث الضحايا والنزوح، ما جعل كثيرين يعتبرون أن نتائج البعثة لا تتناسب مع إمكاناتها الضخمة. وقد تعزز هذا الانطباع بسبب حجم الموارد التي خُصصت لمينوسما، وهي أرقام كانت في نظر الرأي العام مؤشرًا على قدرة يفترض أن تنتج تحولًا واضحًا في الوضع الأمني، لكن الواقع لم يقدّم ذلك التحول بالشكل المنتظر.

وبذلك، يمكن القول إن مينوسما حققت مكاسب جزئية في مجالات الدعم المدني والإنساني والمؤسساتي، لكنها لم تستطع تحقيق الهدف المركزي الذي تأسست من أجله، وهو إعادة الاستقرار الأمني بشكل دائم، وهو ما جعل تقييمها في النهاية يميل إلى كونها بعثة ذات أثر ملموس في بعض الملفات، لكنها غير حاسمة أمام طبيعة التهديد الإرهابي وتعقيدات الدولة والمجتمع والسياق الإقليمي.

الخاتمة

مثّلت بعثة مينوسما عند انطلاقها سنة 2013 رمزًا للتضامن الدولي مع مالي في لحظة كانت الدولة تواجه خطر التفكك وفقدان السيطرة على أجزاء واسعة من أراضيها، وقد جاءت بإمكانات ضخمة، غير أن التجربة الميدانية خلال عشر سنوات أظهرت أن حجم الموارد وحده لا يكفي لصناعة الاستقرار عندما تكون الأزمة بنيوية ومعقدة، وعندما يتحول النزاع من تمرد سياسي قابل للتفاوض إلى حرب إرهابية غير متماثلة تفرض منطقًا عملياتيًا مختلفًا عن منطق حفظ السلام التقليدي.

لقد اصطدمت مينوسما منذ البداية ببيئة أمنية متحركة تتسم بالهجمات المفاجئة والعبوات الناسفة وتعدد الفاعلين المسلحين، وبغياب دولة قوية قادرة على بسط سلطتها وتقديم الخدمات وإعادة بناء الثقة مع المجتمع في مناطق واسعة. كما أن المسار السياسي الذي كان يفترض أن يشكل قاعدة الاستقرار، وخاصة اتفاق الجزائر لعام 2015، ظل يعاني من تعثر مستمر في التطبيق، ولم يحقق تقدّمًا كافيًا في ملفات حساسة مثل نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، حيث بقيت النتائج أقل بكثير من المستهدفات، وهو ما أبقى عوامل التوتر قائمة وأضعف فرص الاستقرار طويل المدى.

إلى جانب ذلك، ساهمت أزمة الثقة المتزايدة بين السكان والبعثة، وضعف التواصل حول حدود التفويض، وتنامي الاتهامات بتسييس بعض الملفات وعلى رأسها حقوق الإنسان، في تراجع شرعية مينوسما داخل المجال العام المالي. ومع التحولات الجيوسياسية وتصاعد النزعة السيادية، أعادت مالي صياغة أولوياتها الأمنية على أساس الاعتماد على القدرات الوطنية وتعزيز الجيش، واعتبرت أن استمرار البعثة لم يعد ينسجم مع واقع الميدان ولا مع متطلبات الأمن الوطني، ما أدى إلى طلب إنهاء المهمة سنة 2023، ثم استكمال الانسحاب وفق القرار الأممي 2690 وصولًا إلى مرحلة التصفية النهائية.

وعليه، فإن تجربة مينوسما تؤكد أن بعثات حفظ السلام، مهما بلغت قوتها العددية والمالية، لا تستطيع وحدها إنتاج استقرار دائم إذا لم يكن التفويض ملائمًا لطبيعة التهديد، وإذا لم يترافق الدعم الدولي مع دولة قادرة ومشروع سياسي قابل للتنفيذ، وثقة اجتماعية تسمح بتحويل التدخل الخارجي إلى رافعة حقيقية للسلام بدل أن يتحول إلى عنصر خلاف إضافي. ورغم نهاية مهمة مينوسما، فإن التعاون بين مالي والأمم المتحدة لا ينتهي، لكنه يدخل مرحلة جديدة يُفترض أن تكون أكثر ارتباطًا بالأولويات الوطنية، وأكثر انسجامًا مع واقع الميدان، وأكثر احترامًا لخيارات الدولة وسيادتها.

كاتب

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى