تقدير موقف

السودان والعودة المشروطة إلى «إيقاد».. التداعيات والسيناريوهات

محمد خليفة

أعلن السودان، في مطلع فبراير 2026، استئناف نشاطه الكامل في الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا «إيقاد»، بعد نحو عامين من تجميد عضويته احتجاجًا على ما اعتبره آنذاك تجاوزًا للأطر المؤسسية ومساسًا بمبدأ السيادة الوطنية. وجاءت العودة في سياق بيان رسمي أكدت فيه الحكومة أن قضايا السلم والأمن الدوليين تمثل أولوية مركزية في سياستها الخارجية، وأن التعاون الإقليمي يظل ركيزة أساسية لتعزيز الشراكات الدولية، مع التشديد على التزام أمانة «إيقاد» باحترام سيادة السودان ووحدة أراضيه وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

البيان الصادر في 8 فبراير 2026 استند إلى ما وصفه بـ«البيان الإيجابي» لسكرتارية المنظمة، والذي تضمن تأكيدًا على الالتزام بالأطر المؤسسة للعمل الإقليمي المشترك وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء. كما ثمّنت الخرطوم جهود رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيليه، بوصفه الرئيس الدوري للمنظمة، ووزير خارجيته عبد القادر حسين، إلى جانب السكرتير التنفيذي ورقنة قبيهو، في تهيئة المناخ لعودة السودان إلى مقعده داخل المنظمة.

تأتي هذه الخطوة بعد فترة من التوتر بلغت ذروتها في يناير 2024، عندما علّق السودان عضويته اعتراضًا على إدراج الأزمة السودانية في جدول أعمال قمة «إيقاد» دون تنسيق مسبق، وعلى دعوة إيقاد لقائد مليشيا الدعم السريع في إحدى القمم، وقد عكست تلك اللحظة فجوة ثقة بين الخرطوم وبعض دوائر المنظمة، وألقت بظلالها على دور «إيقاد» في الوساطة داخل السودان.

غير أن المتغيرات الإقليمية، وزيارة رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس إلى جيبوتي في أواخر يناير 2026، ثم صدور بيان عن «إيقاد» في 29 يناير أدان انتهاكات مليشيا الدعم السريع المختلفة، وأكد دعم وحدة السودان وسيادته، شكّلت بيئة سياسية مغايرة. فقد بدا واضحًا أن ثمة إعادة تموضع داخل المنظمة، تسعى إلى استعادة التوازن المؤسسي وتفادي شبهة الانحياز، بما يفتح الباب لعودة السودان وفق شروط تحفظ اعتبارات السيادة والشرعية.

خلفية العلاقة بين السودان و«إيقاد»

منذ تأسيسها عام 1986 ، وحتى تطويرها إلى صيغتها الحالية عام 1996، شكّلت «إيقاد» إطارًا إقليميًا لمعالجة قضايا الجفاف والتصحر، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى منصة سياسية وأمنية معنية بإدارة النزاعات وتعزيز التكامل في القرن الإفريقي وشرق إفريقيا. ويُعد السودان أحد أعضائها المؤسسين، إلى جانب إثيوبيا، كينيا، أوغندا، جيبوتي، الصومال، ولاحقًا إريتريا وجنوب السودان.

لم يكن حضور السودان في «إيقاد» حضورًا شكليًا؛ فقد لعب أدوارًا محورية في مسارات السلام في جنوب السودان، وفي ترتيبات إقليمية تتعلق بالأمن الحدودي ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية. كما مثّل بحكم موقعه الجغرافي حلقة وصل بين شمال إفريقيا وشرقها ووسطها، بما أضفى على المنظمة عمقًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله.

ويستمد السودان ثقله داخل «إيقاد» من جملة عوامل: اتساع رقعته الجغرافية، حدوده المشتركة مع سبع دول، موقعه المطل على البحر الأحمر، إضافة إلى موارده الزراعية التي تجعله عنصرًا مهمًا في معادلات الأمن الغذائي الإقليمي. ومن ثم فإن أي اضطراب داخلي في السودان ينعكس مباشرة على الإقليم عبر موجات النزوح، وانتشار السلاح، وتهديد طرق التجارة والطاقة.

من هنا، فإن غياب السودان عن «إيقاد» خلال العامين الماضيين لم يكن مجرد خلاف سياسي عابر، بل أحدث فراغًا في معادلة التوازن داخل المنظمة، وأضعف قدرتها على إدارة أحد أعقد نزاعات الإقليم.

إيقاد .. دلالات «العودة المشروطة»

توصيف العودة بأنها «مشروطة» لا يعني وجود اتفاق مكتوب بشروط متبادلة، بقدر ما يعكس إعادة تعريف لقواعد الاشتباك السياسي بين الخرطوم والمنظمة؛ فالسودان عاد بعد تأكيدات صريحة تتعلق باحترام السيادة وعدم التدخل، وبعد صدور موقف من «إيقاد» يُدين انتهاكات مليشيا الدعم السريع ويدعم وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها.

ومن هنا يمكن قراءة هذه العودة من زاويتين متكاملتين:

  • زاوية المصلحة السودانية: باستعادة منصة إقليمية للتأثير في القرارات المتعلقة بالأزمة السودانية، وكسر حالة العزلة الجزئية، وإعادة التموضع كفاعل مسؤول داخل ترتيبات القرن الإفريقي، والاستفادة من آليات «إيقاد» في ملفات اللاجئين، الإغاثة، وإعادة الإعمار والتنمية مستقبلًا.
  • زاوية مصلحة «إيقاد»: باستعادة عضوية ونشاط أحد أهم أعضائها المؤسسين بما يعزز شرعيتها ومصداقيتها، وتقوية قدرتها على معالجة الأزمة السودانية من الداخل بدل إدارتها من خارج العضوية، بجانب منع تشكل مسارات موازية تُقصي المنظمة من أهم ملفات الإقليم.

يلاحظ أن إيقاد ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، واجهت تحديات بنيوية في إدارة الملف السوداني. فقد اصطدمت محاولاتها للوساطة بتباينات داخلية بين الدول الأعضاء، وبحساسية الأطراف السودانية تجاه أي مسار يُفهم على أنه منحاز. كما تداخلت مبادرات إقليمية ودولية متعددة (الاتحاد الإفريقي، الجامعة العربية، مسارات جدة وغيرها)، ما قلّص هامش الحركة المنفردة للمنظمة، ومع ذلك، تظل «إيقاد» بحكم الجغرافيا والمصالح المشتركة الإطار الأقرب لمعالجة التداعيات العابرة للحدود للحرب السودانية، خاصة في ما يتعلق باللاجئين، وضبط الحدود، ومنع تمدد النزاع إلى دول الجوار.

إن قرار عودة السودان إلى «إيقاد» ليست مجرد إجراء إداري، بل محطة سياسية تحمل دلالات استراتيجية عميقة. فهي تعكس إدراكًا متبادلًا بأن عزل الدولة المحورية في القرن الإفريقي ليس خيارًا واقعيًا، وأن الاستقرار الإقليمي لا يُبنى بالإقصاء بل بالشراكة، وأن على المنظمة الإقليمية أن تحترم سيادة الدول المكونة لها وألا تحاول القفز على الحقائق الموضوع والمسائل غير المقبولة في أعراف الدول.

غير أن نجاح هذه العودة سيظل مرهونًا بقدرة المنظمة على الحفاظ على توازن دقيق بين احترام سيادة الدول الأعضاء، والقيام بدور فاعل في منع تفكك الإقليم تحت وطأة النزاعات الممتدة. وبينما تستمر الحرب في السودان، تقف «إيقاد» أمام اختبار تاريخي: إما أن تستعيد دورها كمنصة إقليمية جامعة، أو أن تتراجع لصالح ترتيبات خارجية تعيد رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي.

عودة السودان لإيقاد .. سيناريوهات المستقبل

  1. سيناريو الاستعادة الفاعلة للدور

يفترض هذا السيناريو أن تتمكن «إيقاد» من استثمار عودة السودان إلى حضن المنظمة لإطلاق مسار للسلام مُعاد هيكلته، يقوم على:

تنسيق وثيق مع الاتحاد الإفريقي.

ضمانات واضحة لاحترام سيادة السودان.

إشراك أطراف النزاع ضمن إطار تفاوضي لا يمنح شرعية موازية للدولة.

في هذا المسار، تتحول «إيقاد» إلى منصة جامعة تُنسق المبادرات وتمنع تضاربها، بما يفضي إلى وقف إطلاق نار تدريجي، ثم مسار سياسي أوسع، ونجاح هذا السيناريو يمكن أن يعزز مكانة المنظمة ويعيد تثبيت دورها القيادي في الإقليم.

  1. سيناريو الدور المحدود/التكميلي

وفق هذا السيناريو، تبقى «إيقاد» فاعلًا ثانويًا يركّز على الجوانب الإنسانية والأمن الحدودي، بينما تتقدم مسارات دولية أخرى لإدارة التفاوض السياسي.

وهذا السيناريو من شأنه أن يحافظ  على حضور منظمة إيقاد دون أن تكون هي مركز الثقل، مستفيدة من عودة السودان في إدارة ملفات اللاجئين والأمن الغذائي والتنمية ، دون اختراق حقيقي في جوهر الأزمة.

  1. سيناريو التآكل والتهميش

يفترض هذا الاحتمال استمرار الخلافات داخل «إيقاد» أو تجدد التوتر مع الخرطوم، بما يؤدي إلى شلل مؤسسي أو انقسام في المواقف. في هذه الحالة، تتقدم قوى إقليمية أو دولية أخرى لملء الفراغ، وتتراجع مكانة المنظمة إلى إطار بروتوكولي محدود التأثير.

هذا السيناريو يضعف المنظومة الإقليمية ككل، ويفتح الباب أمام تنافس محاور خارجية على حساب الاستقرار طويل المدى.

  1. سيناريو إعادة الهيكلة المؤسسية

قد تدفع الأزمة السودانية «إيقاد» إلى مراجعة آلياتها، وتطوير ميثاقها بما يوازن بين مبدأ السيادة وضرورات التدخل الوقائي في النزاعات. هذا السيناريو، وإن كان يتطلب إرادة سياسية جماعية، قد يحول الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء المنظمة على أسس أكثر وضوحًا وفاعلية.

مراجع

بعد عامين من تجميد عضويته.. السودان يعود رسميًا إلى “إيغاد”، قناة العربي، الدوحة، 9 فبراير 2026، الرابط: https://shorturl.at/HOpZf

ميمونة سعيد، عودة السودان إلى الإيقاد… ضرورة إقليمية تتجاوز السياسة إلى استقرار القرن الإفريقي، 10/2/2026، براون لاند نيوز، الرابط: https://blnews.net/2026/02

السودان يعود إلى «إيقاد» بعد عامين من التجميد، سودانتربيون، 8 فبراير 2026، الرابط: https://sudantribune.net/article/310424

كاتب

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى