تقدير موقف

التورط الإثيوبي في شرق السودان: الأبعاد والسيناريوهات

التورط الإثيوبي في شرق السودان: الأبعاد والسيناريوهات

تشير التطورات الميدانية الأخيرة إلى أن إثيوبيا تستغل حالة الفراغ الأمني الإقليمي وانشغال المجتمع الدولي بتداعيات الحرب في إيران، في محاولة لفرض أمر واقع جديد على حساب السيادة السودانية. فخلال الأسبوعين الماضيين، شنت قوات إثيوبية هجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من إقليم بني شنقول، مستهدفة مواقع في ولايتي النيل الأبيض وشمال كردفان، مما أدى إلى مقتل أكثر من 34 مدنياً وإصابة العشرات. ورغم أن سلاح الجو السوداني تعامل مع هذه التهديدات بنجاح، إلا أن الحادثة كشفت عن تحول طبيعة التهديد إلى عدوان عابر للحدود مدعوم بإمكانيات دولة، في خطوة يُنظر إليها ضمن سياق أوسع يهدف إلى وضع مصر أمام أمر واقع جديد بشأن ملفي المياه والسيادة، في إطار تقاطعات مع مخططات إقليمية تستهدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

ليست الأطماع الإثيوبية وليدة اللحظة؛ بل تمتد جذورها إلى عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، مروراً بقضايا ترسيم الحدود والاعتداءات المتكررة على المزارعين السودانيين في منطقة الفشقة. وتصاعدت وتيرتها بعد التحول السياسي في السودان، حيث شهدت الفترة الماضية توغلاً عسكرياً إثيوبياً بعمق يصل إلى 50 كيلومتراً داخل الأراضي السودانية، ودعماً سياسياً ولوجستياً لمليشيا “الدعم السريع”، من خلال فتح معسكرات تدريب على الحدود وتمرير إمدادات عسكرية، وصولاً إلى العدوان المباشر باستخدام الطائرات المسيّرة.

إثيوبيا واستهداف السودان: تصعيد ممنهج

يُظهر المشهد الحالي أن إثيوبيا أصبحت طرفاً فاعلاً في مسرح العمليات داخل السودان، مدفوعة بتقاطعات مصالح معقدة مع أطراف إقليمية ودولية. وقد ساعد على هذا التصعيد دخول الحرب في السودان عامها الثالث، مما جعله ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي، وحوّل حدوده الشرقية إلى مسرح لعمليات عسكرية غير معلنة.

إن ما حدث مؤخراً لا يمكن اعتباره مجرد احتكاك حدودي عابر، بالنظر إلى منحى العلاقات المتوترة بين البلدين. يأتي هذا التصعيد في ظل تعنت إثيوبي متواصل في ملف سد النهضة، وإصرارها على طرح مناقصات لبناء سدود جديدة على روافد النيل الأزرق، إلى جانب تهديداتها باستخدام القوة لانتزاع ميناء على البحر الأحمر. هذه الممارسات التي تعكس إصراراً على تنفيذ مخططات تهدف إلى تغيير موازين القوى في المنطقة.

من المهم ربط هذه التحركات بمسار الأحداث الميدانية؛ حيث لم تعد تحركات مليشيا “الدعم السريع”، بما فيها الانسحابات التكتيكية، تعبر عن ضعف بقدر ما هي جزء من إعادة تموضع بدعم خارجي يهدف لإطالة أمد الحرب. ويُعد الدعم الجوي والفني المقدم عبر الطائرات المسيّرة مؤشراً واضحاً على الانتقال من الدعم غير المباشر إلى الانخراط شبه المباشر في النزاع.

يزداد المشهد تعقيداً مع التحولات الإقليمية الكبرى، خاصة مع احتمالات إعادة توجيه خطوط التجارة العالمية نحو البحر الأحمر. هذا الواقع يعزز الأهمية الاستراتيجية للسودان، ويجعل أي اختراق لحدوده الشرقية جزءاً من معادلة دولية تتجاوز الإطار المحلي، تلعب فيها أديس أبابا دور الوكيل المنفذ.

وفي هذا السياق، أعلنت مليشيا “الدعم السريع” يوم الثلاثاء الماضي سيطرتها على بلدة الكرمك الاستراتيجية في ولاية النيل الأزرق، الواقعة على الحدود مع إثيوبيا، بالإضافة إلى منطقتي (البركة والكيلي)، بعد معارك عنيفة مع الجيش السوداني. يمثل هذا التطور حلقة جديدة في مخطط لنشر الفوضى في السودان والصومال، يخدم مصالح قوى إقليمية ودولية تسعى لتقويض الدور المصري في محيطه الحيوي، مدفوعة بشبكة مصالح متشابكة تدفع الحرب نحو مرحلة “التدويل غير المعلن”.

تورط الإمارات في الاستهداف الإثيوبي

كشف تحقيق أجرته صحيفة “لوموند” الفرنسية عن نشاط شركة “باتوت إير”” للشحن الجوي، المسجلة في بوركينا فاسو، والتي تركز رحلاتها بين الإمارات وإثيوبيا. ووثقت الصحيفة قيام طائرات الشحن من طراز “إليوشن” بـ 36 رحلة على الأقل خلال الأشهر الأربعة الماضية، تنقل إمدادات عسكرية. وأشار التحقيق إلى أن ملكية الشركة تعود لرجل الأعمال السوداني محمد عمر سليمان إدريس، وأنها تستخدم لنقل قادة مليشيا “الدعم السريع” سراً، مما يعزز مزاعم القيادة العسكرية السودانية حول تلقي المليشيا دعماً لوجستياً عبر هذه الرحلات.

إلى ذلك، أفادت وكالة “رويترز” في فبراير الماضي بتمويل إماراتي لمعسكر تدريب في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي، يضم قاعدة للطائرات المسيّرة في مطار أصوصا القريب. وأظهرت صور الأقمار الصناعية وجود منشآت قادرة على استيعاب آلاف المقاتلين من “الدعم السريع”. واعتبرت “رويترز” أن هذا المعسكر يمثل أول دليل مباشر على تورط إثيوبيا في الحرب السودانية، مما يوفر للمليشيا مصدراً مهماً للجنود الجدد مع تصاعد القتال.

الهجوم على الكرمك: تتويج التورط الإثيوبي الإماراتي

شهدت ولاية النيل الأزرق في أواخر الشهر الماضي هجوماً واسعاً، أكدت السلطات السودانية أن المهاجمين قدموا من إثيوبيا، واستخدموا طائرات مسيّرة. وكشفت مصادر عسكرية عن حجم الهجوم على منطقة الكرمك، حيث شاركت قوات إثيوبية إلى جانب مليشيا “الدعم السريع”، مدعومة بـ 30 عربة قتالية و10 دبابات كتيبة مشاة كاملة، ووصف عبد العاطي محمد الفكي، محافظ الكرمك، ما حدث بأنه “غزو أجنبي بامتياز”، مؤكداً أن المليشيا تمكنت من دخول المدينة بدعم لوجستي وتنسيق مباشر عبر طريق مهيأ من الدولة المجاورة. وأوضح أن الهجوم جاء ضمن مخطط تم التحضير له منذ أغسطس الماضي من خلال تدريبات في ثلاثة معسكرات داخل الأراضي الإثيوبية. وحذر المحافظ من وضع إنساني صعب مع نزوح مئات الأسر، وناشد المنظمات الدولية التدخل العاجل.

يأتي هذا التصعيد في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أزمات داخلية متعددة. فبدلاً من التركيز على استقرار بلاده الممزقة بالصراعات، راهن على دعم مليشيا “الدعم السريع”، مستضيفاً قادتها وموفراً منصات تدريب، رغم علمه باستحالة تحقيق أهدافها. وقد ظل العداء الإثيوبي للسودان علنياً وسرياً منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث استقبلت أديس أبابا قائد المليشيا ببروتوكول رسمي، وتطور الدعم من استضافة سياسية إلى تمرير أسلحة وفتح معسكرات تدريب، وصولاً إلى القصف المباشر بالمسيرات والمشاركة في الهجوم على الكرمك.

في المقابل، وصفت التقارير ردة الفعل الرسمية السودانية بأنها لا تتناسب مع حجم التجاوزات الإثيوبية. فالاستنكارات المكتوبة بحرفية دبلوماسية لم تردع أديس أبابا التي استمرت في تجاوزاتها متصاعدة، مدفوعة بغياب رد فعل سوداني حازم يصل إلى حد التصعيد المفتوح والقطيعة. وقد وثقت منصات إعلامية وصور الأقمار الصناعية والتقارير الدولية تورط إثيوبيا بدعم إماراتي في فتح معسكرات لتدريب آلاف المقاتلين لصالح “الدعم السريع”، كما شهدت أديس أبابا لقاءات جمعت قيادات المليشيا مع تنسيقية “تقدم” لتنسيق مرحلة ما بعد الحرب، وهو ما عُرف بـ”إعلان أديس أبابا”.

سيناريوهات الموقف السوداني

في ظل هذه التطورات في شرق السودان، تبرز عدة سيناريوهات محتملة للدولة السودانية للتعامل مع التصعيد الإثيوبي:

1. السيناريو الأول: الردع العسكري المباشر

   اتخاذ إجراءات عسكرية حازمة على جميع المستويات لتأديب إثيوبيا وردعها عن انتهاك السيادة السودانية، خاصة احتلال الكرمك الذي وصف بأنه “غزو أجنبي متكامل الأركان”. ويستند هذا السيناريو إلى قدرة القوات المسلحة السودانية على تحقيق نجاحات ميدانية، كما حدث في استعادة منطقة “مقجة” الاستراتيجية بعد ساعات من سيطرة المليشيا عليها.

2. السيناريو الثاني: حرب بالوكالة

   التوجه لدعم الفصائل المسلحة المعارضة للنظام في أديس أبابا، مثل الجبهة الشعبية لتحرير تقراي (TPLF)، وجيش تحرير أورومو (OLA)، وقوات فانو (FANO)، وحركة بني شنقول الشعبية للتحرير. تعكس هذه الفصائل حجم المعارضة الواسعة التي يواجهها النظام الإثيوبي في أقاليمه المتعددة، ويمكن أن يشكل دعمها ورقة ضغط فعالة لاستنزاف إثيوبيا داخلياً.

3. السيناريو الثالث: التصعيد الدبلوماسي والقانوني

   الانتقال إلى مستوى القطيعة الدبلوماسية الكاملة، وإعلان إثيوبيا دولة معادية، وإغلاق الحدود بين البلدين، إلى جانب رفع شكاوى رسمية موثقة ضد انتهاكاتها في المحافل الإقليمية والدولية (الاتحاد الإفريقي، منظمة إقاد ، مجلس الأمن)، بهدف عزل أديس أبابا دولياً وفضح ممارساتها.

مراجع

1- شريف ربيع، هاجمته بمسيرات.. إثيوبيا تسعى لتنفيذ مخططات معدَّة سلفًا بخصوص السودان، الوجهة 24، 25 مارس 2026، الرابط:  https://alwijha24.com/65473

· 2-Report: Cargo Flights Arm Sudanese Paramilitary Group, March 24, 2026, In: https://adf-magazine.com/2026/03/report-cargo-flights-arm-sudanese-paramilitary-group /

3- تفاصيل خطيرة حول تورط إثيوبيا في عدوان الكرمك، نبض السودان، 24 مارس 2026، الرابط:  https://nabdsudan.net/232567

4- يونس محمود، الحبشة وتجريب المجرَّب، موقع الظهيرة، ٢٤ مارس ٢٠٢٦م، الرابط: https://shorturl.at/O9oZc

5- محمد عبد القادر، الجارة .. أمنت العقاب فأساءت الأدب، صحيفة الكرامة، الرابط: https://alkramh.com/?p=17743

كاتب

  • محمد خليفة صديق

    محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

محمد خليفة صديق

محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى