الاعتراف الإسرائيلي الذي هزّ البحر الأحمر: أرض الصومال وعقدة البحر الأحمر
الاعتراف الإسرائيلي الذي هزّ البحر الأحمر: أرض الصومال وعقدة البحر الأحمر
في الأمس، سُجّل تحوّل سياسي لافت بإعلان إسرائيل اعترافها بما يُسمّى «جمهورية أرض الصومال»، لتكون بذلك أوّل دولة تُقدِم على هذه الخطوة. جاء الإعلان في توقيت مدروس، عبر مؤتمر عُقد بتقنية الاتصال المرئي، جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله، وبمشاركة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر. جرى اللقاء بتوقيع إعلان مشترك ينصّ على الاعتراف المتبادل وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة.
تضمّن الإعلان أيضًا إجراءات عملية مباشرة، في مقدّمتها الشروع في تعيين السفراء، وفتح سفارتين، إحداهما في القدس والأخرى في هرجيسا، عاصمة أرض الصومال. بهذا الانتقال، خرج الاعتراف من نطاق الإشارة السياسية إلى حيّز الترتيب الدبلوماسي الفعلي. وفي هذا السياق، أشار نتنياهو إلى أنّ الخطوة جاءت «بروح اتفاقيات إبراهيم»، في تعبير يعكس إدراج أرض الصومال ضمن مسار تطبيع إقليمي آخذ في الاتساع، ويُدار خارج الإطار العربي التقليدي.
وعلى مستوى المضمون العملي، قُدِّم الاعتراف بوصفه مدخلًا لشراكات متعددة القطاعات. التركيز الأوّلي، كما أُعلن، سيتجه نحو مجالات الزراعة، وتكنولوجيا الرعاية الصحية، والتنمية الاقتصادية، إلى جانب التعاون في ملف مكافحة الإرهاب. هذه العناوين، بما تحمله من بعد تنموي وأمني، تُظهر توجّهًا لتأسيس حضور إسرائيلي ممتدّ في فضاء القرن الأفريقي، عبر الاقتصاد والأمن، وضمن غطاء دبلوماسي مكتمل، تتجاوز آثاره اللحظة الراهنة إلى ترتيبات أبعد مدى.
إرهاصات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال
قبل خطوة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، كان المشهد السياسي الأميركي قد شهد تحوّلًا لافتًا في النبرة والخطاب. ففي الأسابيع والأشهر الأخيرة، تصاعدت لهجة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه النائبة إلهان عمر، وتجاه الجالية الصومالية في ولاية مينيسوتا، وخلال تجمعات انتخابية، استخدم ترامب توصيفات قاسية بحق بعض أفراد الجالية الصومالية، وذهب إلى حدّ اتهامهم بجلب الجريمة ورفض الاندماج، ثم توسّع في خطابه ليطرح مزاعم خطيرة عن وجود صوماليين في الولاية يموّلون حركة الشباب الإرهابية، من دون أن يسند ذلك إلى أي أدلّة معلنة. وفي السياق ذاته، وجّه هجومًا مباشرًا إلى النائبة إلهان عمر، متهمًا إياها بتهديد الكونغرس، وبأنّها لا تكنّ ولاءً للولايات المتحدة، ومشيرًا إلى أنّ وجودها في المؤسسة التشريعية يمثّل خطرًا على الأمن القومي.
قرأ العديد من المراقبين هذا التصعيد ضمن سياق انتخابي داخلي واضح، حيث جرى توظيف ملف الهجرة والجاليات المسلمة لاستنهاض القاعدة المحافظة، وإعادة إنتاج خطاب الخوف والتهديد. غير أنّ هذا المشهد الداخلي لا يمكن فصله عما يجري في الخارج. فثمّة ما يشير، بوضوح متزايد، إلى وجود استهداف مقصود للصومال الفدرالية بوصفها دولة. لا يتجلّى هذا الاستهداف فقط في الخطاب، إنما يتجاوزه إلى محاولات متراكمة لشيطنة الصومال، وتقديمها للرأي العام الأميركي، ومن خلفه الرأي العام الغربي، بوصفها كيانًا ميؤوسًا منه، عاجزًا عن النهوض أو الشراكة. في هذا السياق، يصبح التمهيد النفسي والسياسي لقبول فكرة الاعتراف بأرض الصومال أكثر سلاسة، إذ يجري تقديمها كبديل “واقعي” عن دولة يُراد ترسيخ صورتها كعبء دائم.
الدور الإماراتي في تسهيل الاعتراف
يبدو استهداف الصومال، في هذا التوقيت تحديدًا، متصلًا بسياقٍ سياسي أوسع يتجاوز الحدث المباشر. فمقديشو، خلال الأشهر الماضية، أظهرت قدرًا من العناد السياسي تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما تجلّى بوضوح حين صرّح رئيس الوزراء الصومالي، إبّان حرب الإبادة، بأنّ حركة حماس ليست تنظيمًا إرهابيًا، بل حركة مقاومة. من المعلوم أنّ هذا التصريح، لا يُنظر إليه في الحسابات الإسرائيلية والأميركية، كاختلاف سياسي عابر، إنما كخروج عن السقف المرسوم، وخطاب من الصعب التغاضي عنه في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. غير أنّ هذا البعد، على أهميته، لا يكفي وحده لفهم الصورة كاملة. فالمشاريع الإسرائيلية والأميركية في المنطقة ترتبط، في عمقها، بالبحر الأحمر، وبإعادة ترتيب موازين القوة على ضفتيه، وبإضعاف الدول العربية والإسلامية المطلة عليه، كلٌّ وفق موقعه وحساسيته. وبذا يتحول البحر الأحمر إلى فضاء استراتيجي تتقاطع فيه الحسابات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
في هذا الإطار، يمكن ملاحظة أنّ جميع الدول المطلة على البحر الأحمر، من دون استثناء، تتعرّض لضغوط متعدّدة الأشكال. في بعض الحالات يجري العمل على إضعاف الدولة ومؤسساتها، وفي حالات أخرى يُفتح الباب أمام سيناريوهات التفكك والانقسام. وإلى جانب ذلك، ثمّة فئة ثالثة من الدول لا يُدفع بها حاليًا نحو التقسيم، لكنها تُوضع أمام مسار تطبيع خاص، لا يشبه تجربة السودان، بل يتّخذ طابعًا أعمق، يقوم على نقل زمام القرار السياسي والأمني إلى تل أبيب ويستهدفون في ذلك إريتريا والسعودية. هذه ترتيبات إسرائيلية واضحة المعالم، وقد تواجه مقاومة أو محاولات تعطيل من بعض الدول، غير أنّ كلفة الخروج عنها غالبًا ما تكون موجات متتالية من زعزعة الاستقرار الداخلي.
من هنا، يصبح الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال خطوة تمهيدية، لا هدفًا نهائيًا بحد ذاته. فالاعتراف الإسرائيلي، في هذا السياق، يبدو أقرب إلى مقدّمة للاعتراف الأميركي بمدينة هرجيسا، بوصفه الاعتراف الحاسم القادر على نقل الملف إلى مرحلة جديدة.
وتتقاطع هذه المسارات مع ما يجري في حضرموت والمهرة في اليمن، باعتبارهما منطقتين مطلّتين على البحر الأحمر وعلى مضيق باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية العالية. كما تتقاطع، بالقدر نفسه، مع الحرب الدائرة في السودان، وهو دولة أخرى مطلّة على البحر الأحمر فقد أكدّـ العديد من التقارير الاستخباراتية من مصادر مفتوحة أن السلاح ينقل من أرض الصومال إلى ميليشيا الدعم السريع. ومن الصعب، في هذا السياق، تجاهل التساؤل حول قدرة الولايات المتحدة على وضع حدّ لتجاوزات محمد حمدان دقلو، لولا وجود ضغوط إسرائيلية وحلفية تدفع واشنطن إلى الاكتفاء بإظهار العجز، ومن ثمّ التهرّب من أي التزام فعلي.
والخيط الذي يربط بين هذه الساحات كلّها هو دولة الإمارات العربية المتحدة. حضورها في اليمن والسودان بات معلومًا، لكنّ ما لا يحظى بالقدر نفسه من الانتباه هو عمق علاقتها بأرض الصومال. فأرض الصومال، التي أعلنت انفصالها من طرف واحد عام 1991، تعيش عمليًا حالة استقلال فعلي، وتتمتّع بدرجة من الاستقرار مقارنة بدول القرن الأفريقي، مع تداول للسلطة عبر انتخابات، وتعاقب ست رؤساء حتى الآن بآليات وُصفت بالنزيهة. ومع ذلك، لم تحظَ باعتراف دولي رسمي، باستثناء دعم إماراتي واضح، وإن ظلّ هذا الدعم خارج الإطار القانوني الصريح.
تعزّز هذا الدور منذ دخول الإمارات العربية المتحدة إلى أرض الصومال عبر شركة موانئ دبي العالمية، التي تولّت إدارة وتطوير ميناء بربرة الاستراتيجي، وحوّلته إلى أحد المرافئ المحورية في القرن الأفريقي، ويوفّر اليوم فرص عمل لقرابة ثلثي الشباب العاملين في الميناء. وفي السياق نفسه، أصدرت أرض الصومال جواز سفر خاصًا بها، من دون أن يحظى باعتراف دولي، غير أنّ حامليه يستطيعون السفر به فعليًا إلى وجهة واحدة، هي إمارة دبي، في دلالة سياسية واقتصادية يصعب تجاهلها.
وعلى امتداد السنوات الماضية، كانت النجاحات والإخفاقات الدبلوماسية التي مرّت بها أرض الصومال مدعومة، بدرجات متفاوتة، من أبو ظبي. جاءت مذكرة التفاهم التي وُقّعت مطلع عام 2024 بين أرض الصومال وإثيوبيا، والقاضية بتأجير ميناء بربرة مقابل اعتراف محتمل بهرغيسا، ضمن هذا السياق، وأُديرت بوساطة إماراتية واضحة. تعثّر المشروع بفعل الرفض الصومالي، وبالتنسيق مع مصر ودول أخرى سعت إلى وأده. في المقابل، لعبت تركيا دورًا دبلوماسيًا محوريًا في تثبيت وحدة الصومال، وهي اليوم الحليف الأكبر لمقديشو، والدولة الأفريقية الوحيدة التي تحتضن أكبر قاعدة عسكرية تركية على أراضيها. انطلاقًا من هذه المعطيات، لا يبدو الاعتراف الإسرائيلي الأخير خطوة معزولة، لكنه ضمن حلقة مسار صِيغ بعناية. وغالب الظنّ أنّ الاعتراف الأميركي آتٍ في مرحلة لاحقة، إذ إنّ الاعتراف الإسرائيلي، في الحسابات الجيوسياسية، يظلّ محدود الأثر ما لم يترافق مع موقف مماثل من واشنطن، صاحبة الكلمة الفصل في إعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
الصورة الكبيرة للاعتراف بأرض الصومال
ولمن يفضّلون النظر إلى المشهد من زاويته الجيوسياسية الأوسع، يصبح من الضروري التوقّف عند تركيا بوصفها الفاعل الأكثر ثباتًا في معادلة الصومال. تُعدّ أنقرة اليوم الحليف الأبرز لمقديشو، وتنطلق من موقف واضح يعتبر الصومال دولة واحدة، ويرفض الاعتراف بأرض الصومال، ويضع مسألة الوحدة في أفقٍ مفتوح مهما طال الزمن. في هذا الإطار، فإنّ انفصال إقليم من أقاليم الصومال، حتى وإن كان قائمًا كواقع عملي على الأرض، يُقرأ بوصفه إضعافًا مباشرًا لحليفٍ استراتيجي لتركيا. هذا المعنى تحديدًا يفسّر موقع الخطوة الإسرائيلية في هذا الملف.
لا تتوقّف الصورة عند القرن الأفريقي. امتداداتها تظهر بوضوح في سوريا، حيث ترى إسرائيل أنّ التوغّل التركي المتزايد خلال الفترة الأخيرة يقترب من حدود تمسّ أمنها القومي، خصوصًا إذا استقرّ هذا الحضور وتحوّل إلى تمركز طويل الأمد. يقدّم هذا القلق الإسرائيلي مفتاحًا لفهم التحالفات التي نسجتها تل أبيب مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط. وفي السياق نفسه، يندرج الاعتراف بأرض الصومال بوصفه رسالة موازية، تستهدف حليفًا آخر لتركيا، ولكن هذه المرّة في فضاء القرن الأفريقي.
على نحوٍ مُماثل، تحضر إثيوبيا ضمن هذه اللوحة، بوصفها طرفًا لا يمكن تجاهله. فهي أكبر دولة حبيسة في القرن الأفريقي، وتبحث منذ سنوات عن منفذ بحري يعيد تشكيل موقعها الإقليمي. كان ميناء بربرة في أرض الصومال أحد الخيارات المطروحة، كما كان ميناء عَصَب في إريتريا حاضرًا كخيار بديل على البحر الأحمر. تفسّر هذه الرغبة حدّة التوتّرات الأخيرة، والتكهّنات المتزايدة حول احتمالات الصدام بين أديس أبابا وأسمرة، في سياق اصطفافات جديدة دخلت فيها إريتريا إلى جانب مصر والصومال. وتأتي زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية ضمن هذا الإطار، باعتبار السعودية دولة مطلّة على البحر الأحمر وذات حضور متنامٍ في ترتيباته الإقليمية.
ومن هنا، تظهر مصر بوصفها طرفًا مركزيًا آخر في هذه المعادلة. فالقاهرة، بحكم إشرافها على قناة السويس وكونها دولة مطلّة على البحر الأحمر، تنظر بقلق إلى أي تمدّد إثيوبي أو إسرائيلي نحو هذا الفضاء، وتتعامل معه كمسألة تمسّ أمنها القومي مباشرة، سواء على مستوى الملاحة أو على مستوى موازين النفوذ.
إذن، الخلاصة أنّ ما يجري يعكس وجود مشروع إسرائيلي واضح المعالم في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، يقابله مشروع تركي لا يقلّ وضوحًا في أهدافه واتجاهاته بجانب حلفائها. في المقابل، تبدو دول القرن الأفريقي نفسها بلا مشروع جامع، كما يغيب مشروع عربي متماسك قادر على صياغة موقف موحّد، فيما تتحرّك بعض الأطراف العربية خارج هذا الإطار، وبما يتعارض مع مصالح الإقليم ككل.




