السياسات العامةتقدير موقف

الاتحاد الإفريقي ومبادرة السلام السودانية .. ملاحظات وتوقعات

الاتحاد الإفريقي ومبادرة السلام السودانية .. ملاحظات وتوقعات

حضور الاتحاد الإفريقي في أزمات السودان ليس جديدا، وله تجارب متعددة في التاريخ القريب والبعيد، منها العملية المختلطة في دارفور غربي السودان، والتي تمت بعد مشاورات بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة مع حكومة السودان، في أديس أبابا في 12 يونيو 2007، ومنها اللجنة رفيعة المستوى لعملية السلام في دارفور التي شكلت في أبريل 2009م برئاسة رئيس جنوب افريقيا الأسبق ثابو أمبيكي، والتي حققت اختراقاً مهماً فيما يلي المفاوضات بين السودان وجنوب السودان بعد الانفصال، حيث توصلت إلى خارطة طريق حول الملفات الامنية والعسكرية والحدود والنفط والتعاون التجاري والاقتصادي والإغاثة والشئون الإنسانية.

ثم جاءت تعليقات الإتحاد الإفريقي لعضوية السودان، الأول بعد استيلاء المجلس العسكري على السلطة في إبريل 2019، والثاني بعد قرارات البرهان في 25 إكتوبر 2021، والتي عدتها المنظمة الإفريقية انقلابا على الحكومة المدنية، وتضع السودان تحت طائلة المادة (30) من قانون تأسيس الاتحاد والتي تقول “لا يسمح للحكومات التي تصل إلى السلطة بطرق غير دستورية بالمشاركة في أنشطة الاتحاد”، لكن برغم ذلك ظل الإتحاد الإفريقي منخرطا في الجهود التي هدفت لإنهاء الأزمة السودانية، وكثف من تلك الجهود في أعقاب اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023.

مبادرة السلام السودانية .. المحتوى والمحددات

أعلن الدكتور كامل إدريس، رئيس مجلس الوزراء، أمام مجلس الأمن الدولي، مبادرة حكومة السودان للسلام، وأوضح إنها تستند إلى المبادئ الدولية من أوجه التكامل والتآزر، وأكد أنها تتكامل مع المبادرة الأمريكية السعودية المصرية، وأنها توفر إطاراً واقعياً قابلاً للتنفيذ وشاملاً للجميع لحماية المدنيين وإنهاء الفظائع واستعادة سلطة ومسؤولية الدولة، وتفسح المجال للمصالحة الوطنية.

وأشار إلى أن المبادرة تسعى لوقف إطلاق نار يمكن مراقبته، ونزع سلاح يمكن إنفاذه، وعدالة غير انتقائية ومصالحة غير شكلية، وحسب نص المبادرة “يواجه السودان أزمة وجودية نتيجة للحرب التي تشنها مليشيا الدعم السريع في انتهاك صريح لكافة القوانين والأعراف الدولية، مما أدي إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة، وزعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي من أجل ذلك، وهذه المبادرة تعبر عن رؤية حكومة الأمل السودانية المدنية الانتقالية لوضع حد لهذا العدوان المسلح من (المليشيا) وداعميها، وحماية المدنيين، وحقناً للدماء، ووقفاً لمعاناة شعبنا، وصوناً لوحدة وتراب بلادنا، وحفظاً للأمن والسلم الدوليين”.

وضعت المبادرة الخطوات الأساسية للسلام، وتبدأ بوقف إطلاق النار وإعلان وقف شامل لإطلاق النار تحت رقابة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، على أن يتزامن معه انسحاب (المليشيا المتمردة) من كافة المناطق التي تحتلها، إنفاذاً لإعلان المبادئ الموقع في مدينة جدة بتاريخ 11 مايو 2023، ثم انسحاب مقاتلي (المليشيا ) وتجميعهم في معسكرات يتم التوافق عليها، تحت إشراف مشترك (أممي وافريقي وعربي)، وتسجيل وفرز مقاتلي ( المليشيا المتمردة) وجمع البيانات الشخصية البيو متربة الخاصة بهم، وتنفيذ عملية النزع الشامل للسلاح بمراقبة دولية متفق عليها، مع ضمانات بعدم إعادة تدوير الأسلحة، ثم تسهيل وتأمين عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، وتسهيل وتأمين انسياب المساعدات الإنسانية للمحتاجين في كل المناطق المتأثرة بالحرب.

وفي تدابير بناء الثقة في المبادرة ستتخذ حكومة الأمل المدنية السودانية الانتقالية تأسيساً على قرار مجلس الأمن رقم 2736 باعتماد الملكية الوطنية لصنع السلام تدابير بناء ثقة متعددة لضمان الاستجابة المبادرة حكومة السودان للسلام تشمل جوانب سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية؛ فالتدابير السياسية مثلا تقوم على إتخاذ تدابير بشأن الملاحقة القانونية فيما يختص بالحق العام، وتبني سياسات تتعلق بشأن مساءلة عناصر( المليشيا) غير المتورطة في ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية أو انتهاكات لحقوق الإنسان وغيرها من الجرائم المعرفة في القانون الدولي، سواء كانوا عسكريين أو مدنيين، مع إخضاع مرتكبي الجرائم للعدالة الانتقالية، بجانب عدم حرمان أي مواطن سوداني من استخراج الأوراق الثبوتية ومراجعة البلاغات المدونة وتوفيق أوضاع كل من يود العودة للبلاد تهيئة لمناخ الحوار السوداني – السوداني.

وفي جانب التدابير الأمنية تنص المبادرة على دمج الأفراد المستوفين للمعايير المحددة من الدولة في القوات النظامية الحكومة السودان، وتنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج DDR) للمستوفين بغرض العودة إلى الحياة المدنية، ودعم إعادة الدمج من خلال برامج دولية وإقليمية لإعادة تأهيل المقاتلين السابقين وتسهيل اندماجهم في المجتمع

وفي جانب التدابير الاقتصادية ( جبر الضرر) سيتم دعم المشاريع التنموية في ولايات دارفور وكردفان، وبقية الولايات المتضررة عبر تخصيص موارد إضافية حكومية ودولية، فضلاً عن مشاريع إعادة الإعمار، وخلق مشاريع إنتاجية عبر إنشاء صناديق للتمويل الأصغر بغرض تحسين المستوى المعيشي في المناطق المتأثرة بالحرب، وتوفير فرص عمل وبرامج تدريب مدني لإعادة تأهيل المقاتلين السابقين، وتسهيل اندماجهم في سوق العمل، مع إشراك عناصر المليشيا غير المدانين في تنفيذ تلك المشاريع.

وفي جانب التدابير الاجتماعية سيتم إشراك أفراد (المليشيا) غير المتورطين والكيانات الأهلية الداعمة لهم في مبادرات السلم المجتمعي، وتوفير الفرص للمساهمة في برامج المصالحة المجتمعية وجبر الضرر، بما يعزز إعادة ثقة المجتمعات المحلية فيهم، وإشراك أفراد (المليشيا) غير المتورطين في مشاريع تعليمية وصحية غير دعم المدارس والمستشفيات في المناطق المتأثرة بالحرب، وجعلهم جزء من الحل المجتمعي.

ودعت المبادرة كذلك لعقد مؤتمرات دولية ومحلية جامعة لإعادة ترسيخ السلم المجتمعي والمصالحة والاستشفاء الوطني بالتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية والمانحين والدول الشقيقة والصديقة، المعالجة آثار الحرب ورتق النسيج الاجتماعي وخلق بيئة مجتمعية معافاة، وانعقاد الحوار السوداني السوداني خلال الفترة الانتقالية، الذي تتفق فيه القوى السياسية على كيفية إدارة الدولة وحكم البلاد. يعقب ذلك انعقاد انتخابات حرة ونزيهة بمراقبة دولية لاستكمال استحقاقات التحول الديمقراطي الشامل.

الاتحاد الإفريقي ومبادرة السلام السودانية

رحّب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، بمبادرة السلام السودانية التي قدّمها رئيس الوزراء كامل إدريس إلى مجلس الأمن، داعيًا إلى حوار شامل ودعم دولي، ووصف المبادرة بأنها إطار عمل شامل واستشرافي يُظهر فهمًا عميقًا للأزمة الحادة التي تواجه السودان وشعبه، فضلًا عن التزام صادق بإنهاء الأعمال العدائية، ووقف العنف، وتخفيف المعاناة الإنسانية، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.

وقال أن الاتحاد الأفريقي يولي أهمية كبيرة للعناصر السياسية والإنسانية والأمنية الموضّحة في المقترح، معتبرًا إياها أساسًا موثوقًا لتحقيق سلام مستدام. وأكد أن المشاركة البناءة في المبادرة أمر لا غنى عنه لأي حل شامل، وللجهود الرامية إلى إنهاء النزاع المسلح، واستعادة الأمن والاستقرار، وحماية التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية في السودان، معربا عن دعمه القوي لتركيز المبادرة على وقف إطلاق النار الفوري والشامل، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ودعم اللاجئين والنازحين داخليًا، ونزع السلاح، وإصلاح القطاع الأمني، والمصالحة الوطنية، وإعادة الإعمار. وأكد أن هذه المكونات ضرورية لإعادة بناء الثقة، وإصلاح النسيج الاجتماعي، وتوطيد دولة سودانية موحدة.

وشدّد رئيس المفوضية على الحاجة إلى عملية مضمونة وشاملة ترتكز على العدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية، وجبر الضرر للضحايا، والمشاركة السياسية الواسعة. وذكر أن هذا النهج حيوي لتحقيق سلام دائم، والحفاظ على الوحدة المجتمعية، ومنع العودة إلى العنف أو التفكك، وأكد أهمية الحوار الذي يقوده السودانيون خلال الفترة الانتقالية، بهدف بناء توافق وطني بشأن الحكم والوحدة ضمن إطار دستوري واحد. كما سلّط الضوء على ضرورة إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وتحت إشراف دولي، لتحقيق تطلعات الشعب السوداني في الديمقراطية والاستقرار.

وأكد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي استعداد الاتحاد الأفريقي للتنسيق الوثيق مع الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، والشركاء الدوليين، لدعم ومرافقة جهود السلام في السودان. وأكد مجددًا التزام الاتحاد الأفريقي الراسخ بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وتعزيز السلام والأمن الإقليميين والدوليين.

الاتحاد الأفريقي والسودان .. تعليق التعليق

تاريخ السودان مع تعليق عضويته في الاتحاد الإفريقي طويل، كانت المرة الأولى عقب استيلاء المجلس العسكري الانتقالي على السلطة في 11 أبريل 2019، حيث أصدر مجلس الأمن والسلم الإفريقي بيانا، قال فيه إن القرار “يأتي تماشياً مع البروتوكول المتعلق بإنشاء مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، والميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم”، ووفقا للمادة 30 من القانون التأسيسي تحت بند “تعليق المشاركة”، فإنه “لا يُسمح للحكومات التي تصل إلى السلطـة بطرق غيـر دستورية بالمشاركة في أنشطة الاتحاد”، أما الأخرى فكانت تعليق مجلس السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي لعضوية السودان بعد تعطيل الفريق عبد الفتاح البرهان لبعض مواد الوثيقة الدستورية وحل مجلس السيادة الانتقالي، لتكون هذه المرة هي الثانية لتعليق العضوية خلال ثلاثة أعوام منذ قيام ثورة ديسمبر 2018.

تغير تعامل الاتحاد مع السودان بعد وصول رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي الجديد محمود علي يوسف إلى مقعد الرجل الأول، حيث بات الاتحاد الأفريقي يؤكد أن الأزمة السودانية يجب أن تُحل في إطار رغبة سودانية للحل، وأن دور الأفارقة يجب أن يكون مركزياً، وركز الاتحاد، على وقف إطلاق النار بإشراف أفريقي، ودعم حل سياسي شامل، ومنع امتداد الصراع إلى الدول المجاورة. لكن غياب أدوات تنفيذ قوية قلل من فاعلية الدور الأفريقي على الأرض، كما ظل الاتحاد يصر على وقف إطلاق نار شامل وانتقال مدني كشرط لرفع التعليق.

على الرغم من التحديات التي يواجهها السودان، تظل الفرص قائمة، فالدعم المتزايد من دول مثل الجزائر ومصر، إلى جانب رئاسة أنغولا لمجلس السلام والأمن، كان يمهد الطريق لعودة محتملة للسودان لعضويته في 2025، لكن كان الأمر يحتاج لتحقيق خطوات ملموسة، خصوصاً تعزيز التنسيق الإقليمي، حيث يجب على السودان مواصلة حشد الدعم من حلفاء مثل مصر والجزائر، مع التركيز على خطط خفض التوتر مع محيطه الإقليمي.

يحتاج السودان لعودته للإتحاد للاستفادة من علاقاته مع دول عربية وإسلامية لموازنة الضغوط الإماراتية والإسرائيلية، وقيام حوار سوداني سوداني بين المدنيين، والبدء في اجراء انتخابات حرة ونزيهة، تحت إشراف دولي عقب نهاية الفترة الانتقالية مما يرسم مشهداً سياسيًّا راشداً للمستقبل يفكك القنابل والألغام المزروعة في الشارع السياسي، ممّا يعزّز الثقة ويسرّع برفع التعليق.

عودة السودان إلى أنشطة الاتحاد الأفريقي ليست مجرّد إجراءٍ إداري، بل خطوة رمزية تعكس التضامن القاري وتدعم استقرار المنطقة من التدخلات الإقليمية الخبيثة، لكن النجاح يتوقف على قدرة السودان على إطلاق حوار وطني يبعد شبح التدخلات الخارجية ويعيد بناء الدولة التي دمرتها الحرب .

ربما يكون الوقت الحاضر هو الوقت المناسب لكي يعيد الاتحاد الأفريقي النظر في تعليق عضوية السودان حتى لا تؤدي خطوته القادمة في ظل استدامة التعليق إلى تعقيد المشهد السوداني، في ظل الاشكالات الجديدة التي تجتاح المنطقة والقارة.

مراجع

محمد خليفة صديق، الاتحاد الإفريقي وأزمة السودان .. الجهود والسيناريوهات،30/5/2024، الرابط:https://shorturl.at/2Q8Dl

أحمد زغلول، دلالات استراتيجية: حسابات الدول المتنافسة في صناعة مسار تسوية الصراع السوداني، 13 ديسمبر 2025، الرابط: https://rcssegypt.com/24083

عطاف محمد مختار، عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي هل أضحت قريبة؟، سطور،  1أكتوبر2025، الرابط: https://sotour.net/14855/

كاتب

  • محمد خليفة صديق

    محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

محمد خليفة صديق

محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى