اتفاقية الدفاع المشترك بين السودان ومصر.. سيناريوهات التنشيط وأثرها على الحرب
اتفاقية الدفاع المشترك بين السودان ومصر.. سيناريوهات التنشيط وأثرها على الحرب
في تطور هو الأول من نوعه منذ غندلاع الحرب في السودان في إبريل 2023 رسمت مصر «خطوطاً حمراء» بشأن الأزمة في السودان، وحذرت من تجاوزها باعتبارها «تمس الأمن القومي المصري»، ولوّحت باتخاذ كافة التدابير التي تكفلها «اتفاقية الدفاع المشترك» بين البلدين، في خطاب هو «الأكثر حدة» منذ اندلاع الحرب.
جاء الموقف المصري بالتزامن مع استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي، لرئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، حيث أكد السيسي «دعم بلاده الكامل للشعب السوداني في مساعيه لتجاوز المرحلة الدقيقة الراهنة»، وشدد على «ثوابت الموقف المصري الداعم لوحدة السودان وسيادته وأمنه واستقراره»، مؤكداً استعداد بلاده لبذل كل جهد ممكن في هذا السياق.
السودان ومصر .. الخطوط الحمراء
الخطوط الحمراء التي وضعتها مصر لأول مرة تضمنت محاذير محددة، هي الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم العبث بمقدرات الشعب السوداني، وعدم السماح بانفصال أي جزء من أراضي السودان»، وقالت الرئاسة المصرية في بيانها، إن «الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، ومنع المساس بهذه المؤسسات، هو خط أحمر آخر». وأكدت «الحق الكامل في اتخاذ كافة التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي»، ومن بينها «تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين؛ لضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها».
وكانت مصر في مارس 2021، قد وقّعت اتفاقية للتعاون العسكري مع السودان، تغطي «مجالات التدريب، وتأمين الحدود، ومواجهة التهديدات المشتركة»، حيث جدد رئيسا الأركان في البلدين (الفريقان محمد عثمان الحسين وأحمد فريد) بعض بنودها باتفاقية فرعية عن الأصل، انتجت مشاركة الجيش المصري في تدريبات تعاون مشتركة في قاعدة مروي الجوية بالسودان، أبرزها تدريب ” نسور النيل” (نسخة 1 في 2020 ونسخة 2 في 2021) مع القوات الجوية والصاعقة السودانية، لتعزيز القدرات في إدارة العمليات الجوية المشتركة وتنفيذ مهام هجومية ودفاعية والتدريب على عمليات خاصة، بجانب مناورات أخرى مثل (حماة النيل) و(حارس الجنوب).
وقال عضو «لجنة الدفاع والأمن القومي» في مجلس النواب المصري، اللواء يحيى كدواني، إن الأمن القومي المصري يرتبط مباشرة بوحدة الأراضي السودانية، «ومع وجود مؤامرات تهدف إلى تقسيمه، فإن ذلك يستدعي وضع (خطوط حمراء) لعدم تجاوزها، بما يحقق الحفاظ على مقدرات الدولة السودانية، وبما يشكل ضمانة لحماية الأمن القومي المصري».
وأوضح أن «الموقف المصري بشأن الحفاظ على وحدة وسلامة السودان ثابت وقوي، والقاهرة قادرة على تنفيذ ما تعلن عنه من شعارات ومبادرات لحماية مؤسسات الدولة السودانية»، لافتاً إلى أن استدعاء «اتفاقية الدفاع المشترك» جاء للتأكيد على أن «هناك تنسيقاً مشتركاً بين البلدين في إطار الشرعية الدولية والاتفاقيات الموقعة في السابق بين البلدين».
أما عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، فأكد أن التنسيق المصري – السوداني في مجابهة تهديدات تقسيم البلاد يأتي في إطار حماية الأمن القومي المصري والسوداني والعربي، الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية السودانية».
وأكدت مديرة البرنامج الأفريقي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، أماني الطويل، أن «مصر وضعت خطوطاً حمراء لأول مرة في الملف السوداني، وموقفها الأخير هو الأكثر حدة منذ اندلاع الحرب، وهو يتماهى مع الموقفين السعودي والأميركي بشأن الحفاظ على وحدة السودان، وضرورة وقف الحرب، ورفض الكيانات الموازية، والحفاظ على مؤسسات الدولة». مشيرة إلى أنه يمكن القول إن هناك توافقاً سعودياً – مصرياً على المواقف القوية بشأن وحدة السودان،
ملامح اتفاقية الدفاع المشترك بين السودان ومصر
اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون العسكري بين السودان ومصر، هي اتفاقية حكومية سيادية جرى التوقيع عليها في أغسطس 1976 بين الرئيسين السوداني جعفر محمد نميري، والمصري محمد أنور السادات انطلاقاً من الروابط التاريخية والمصالح المشتركة التي تجمع بين السودان ومصر، وإيماناً بوحدة المصير وأهمية التضامن في مواجهة أي اعتداء خارجي، ورغبةً في توثيق التعاون العسكري والدفاعي بما يحفظ سيادة واستقلال كل من البلدين.
وحسب نص الاتفاقية اتفقت الحكومتان على اعتبار أي اعتداء مسلح يقع على أحد الطرفين اعتداءً على الطرف الآخر، ويتعهد الطرفان بالتشاور الفوري واتخاذ جميع التدابير اللازمة، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، لرد العدوان وضمان أمن وسلامة أراضيهما، كما يلتزم الطرفان بتنسيق سياساتهما الدفاعية والعسكرية، وبالتشاور المستمر في المسائل التي تمس الأمن القومي لكلا البلدين.
ونصت الاتفاقية كذلك على أن يتعاون الطرفان في مجالات التدريب العسكري، وتبادل الخبرات والمعلومات، وتنظيم المناورات والتمارين المشتركة، وفقاً لما يتم الاتفاق عليه بين الجهات المختصة في البلدين، كما منعت الاتفاقية لأي من الطرفين الدخول في تحالفات أو اتفاقيات عسكرية مع طرف ثالث تتعارض مع أحكام هذه الاتفاقية أو تضر بأمن الطرف الآخر.
وبناء على الاتفاقية تم إنشاء لجنة عسكرية مشتركة من ممثلي القوات المسلحة في البلدين، تتولى متابعة تنفيذ هذه الاتفاقية، واقتراح الوسائل الكفيلة بتعزيز التعاون العسكري، كما شددت الاتفاقية على احترام سيادة كل من الطرفين احتراماً كاملاً، ولا يجوز استخدام أراضي أي منهما للإضرار بأمن الطرف الآخر.
ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ بعد التصديق عليها وفقاً للإجراءات الدستورية المعمول بها في كل من البلدين، وأنها تظل سارية المفعول منذ تاريخ التوقيع عليها ما لم يخطر أحد الطرفين الطرف الآخر كتابةً برغبته في إنهائها، ويُعمل بالإخطار بعد مضي المدة المتفق عليها دبلوماسياً.
اتفاق الدفاع المشترك أكدت إيمان البلدين بوحدة المصير وأهمية التضامن في مواجهة أي اعتداء خارجي، ورغبةً في توثيق التعاون العسكري والدفاعي بما يحفظ سيادة واستقلال كل من البلدين، وهناك اتفاق على أن الحرب الحالية في السودان هي اعتداء خارجي بامتياز، ولذا يمكن تفعيل نصوص الاتفاقية التي لم يثبت في أي أرشيف رسمي منشور، صدور مرسوم معلن بإلغائها، لكنها خضعت عبر العقود الماضية للتجميد أو عدم التفعيل السياسي.
ملابسات عودة إتفاقية الدفاع المشترك للواجهة
عدد من الأحداث والتطورات هي التي سرعت خطوات ظهور إتفاقية الدفاع المشترك السودانية المصرية لواجهة الأحداث، من بينها التورط الليبي في دعم مليشيا الدعم السريع، حيث كان لقاء وزير الدفاع المصري بنائب قائد الجيش الوطني الليبي صدام حفتر نجل خليفة حفتر في إطار الحديث عن تحولات في الموقف المصري بخصوص الملف السوداني، بعد أن اخترقت ميليشيا الدعم السريع المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان في ظل نقل عتاد عسكري إماراتي من مطار الكفرة العسكري الليبي إلى السودان.
قامت مصر في ذلك الوقت بتعزيز قواتها في العوينات وتكثيف طلعاتها الجوية على المثلث الحدودي، واستدعاء ممثلي الجيش الوطني الليبي للقاء في العلمين بعد لقاء كذلك مع قائد الجيش السوداني، حيث سعت مصر لقطع طريق الإمداد المتجه من ليبيا لميليشيا الدعم السريع في السودان، ووقف طيران النقل العسكري الإماراتي الذي يتحرك من بوصاصو في إقليم بونتلاند الانفصالي إلى الكفرة، وكذلك توقف الطيران العسكري الإماراتي الذي يتحرك مباشرة من الإمارات إلى الكفرة.
تصعيد مصر لخطابها لأول مرة منذ اندلاع الحرب في السودان بالتهديد بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك لمنع تقسيم السودان يبدو أن له علاقة بالتحول الذي حدث في الملف اليمني في 30 ديسمبر 2025 بالقرار السعودي بقصف الدعم الإماراتي للانفصاليين في اليمن مما قلب الترتيبات الإقليمية، حيث سعت السعودية لضم مصر إلى صفها .
كما يرجح أن الموقف السعودي في اليمن قد يمتد إقليميا إلى السودان وفقا لصحيفة بلومبيرغ اللي قالت إن السعودية رفضت وساطة خليجية لرأب الصدع مع الإمارات، وقررت كبح النفوذ الإماراتي إقليميا، كما استغلت مصر الموقف السعودي على الأرجح للتحرر نسبيا من الضغط الإماراتي وتغيير موازين القوى في السودان.
عمليا تحول الموقف المصري لأعمال على الأرض حيث تم قصف قافلة عسكرية كانت في طريقها لمليشيا الدعم السريع في المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا ، بعد عبورها الحدود الليبية، في منطقة العوينات جنوب غرب مصر وجنوب شرق الكفرة الليبية، كانت تضم عشرات السيارات المحملة بـالوقود والأسلحة والمعدات العسكرية، مما أدى لتدمير معظم الآليات.
ومثلث الحدود المعروف أيضا بـ”مثلث العوينات” منطقة صحراوية نائية وشاسعة، تقع جنوب شرق مدينة الكفرة الليبية، وتمثل المنطقة ممرا استراتيجيا لحركة الرجال والبضائع والإمدادات العسكرية عبر الحدود بين ليبيا والسودان، وشهدت المنطقة توترات متصاعدة منذ سيطرة الدعم السريع على مساحات منها منتصف 2025، مما سمح بتدفق الإمدادات من ليبيا، وسط اتهامات متبادلة بين الجيش السوداني والدعم السريع، وبين أطراف إقليمية مثل الإمارات، تركيا، مصر، وحفتر.
وقد رجحت المصادر السودانية أن يكون سلاح الجو المصري، هو من شن الغارة الجوية التي استهدفت قافلة كانت تنقل مساعدات عسكرية، من بينها عربات مدرعة، لأن القدرات الجوية المستخدمة في الغارة ربما تكون طائرات بدون طيار أو مقاتلات دقيقة، وهي متوافقة مع القدرات المصرية، بينما أشارت بعض المصادر إلى إمكانية تنسيق غير مباشر مع أطراف أخرى مثل تركيا أو السودان نفسه، وجاءت الغارة متزامنة مع زيارة نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي صدام حفتر نجل المشير خليفة حفتر إلى القاهرة ، حيث ناقش مع قيادات عسكرية مصرية التعاون العسكري والتهديدات الإقليمية.
وصرح مصدر مصري رسمي مطّلع أن الضربة نُفذت قبل يومين من زيارة نائب قائد قوات شرق ليبيا، صدام حفتر، إلى القاهرة ولقائه وزير الدفاع بحكومة السيسي الفريق أول عبد المجيد صقر، وأوضح المصدر أن القاهرة سبق أن وجهت تحذيرات متكررة إلى اللواء خليفة حفتر بسبب دعم مليشيا «الدعم السريع»، في وقت تعلن فيه مصر دعمها الصريح للجيش السوداني ومجلس السيادة بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان.
وأشار المصدر إلى أن هذه الغارة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق لسلاح الجو المصري أن نفّذ هجومًا مماثلًا استهدف عناصر من «الدعم السريع» بعد سيطرتهم، بدعم من قوات تابعة لحفتر، على الجانب السوداني من المثلث الحدودي لعدة أيام خلال شهر يونيو الماضي.
وتأتي الضربة الأخيرة في سياق تقارب في المواقف بين القاهرة والرياض إزاء عدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها اليمن، عقب فشل محاولة انفصال الجنوب اليمني المدعومة إماراتيًا، وهروب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي إلى أبوظبي. وفي هذا الإطار، أكد المصدر المصري أن هناك توافقًا مصريًا–سعوديًا بشأن دعم المؤسسات العسكرية الرسمية في كل من اليمن والسودان، في مواجهة قوى مسلحة تحظى بدعم إماراتي، وعلى رأسها مليشيا «الدعم السريع».
خاتمة
ظلّ الموقف المصري في السودان لوقت طويل مقيدًا باعتبارات العلاقة مع الإمارات، لكن مع تصاعد المخاطر الميدانية في السودان، وجدت القاهرة نفسها مضطرة إلى رفع سقف خطابها السياسي، وصولًا إلى التلويح بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك ، لمنع سيناريو تقسيم السودان مع تمدد «الدعم السريع» نحو إقليم كردفان، وجاء المنعطف الحاسم مع التحول السعودي في الملف اليمني في 30 ديسمبر 2025، بقصف السعودية للدعم الإماراتي للانفصاليين.
يرجح أن مصر تسعى بشكل أكثر وضوحًا إلى قطع شريان الإمداد القادم من ليبيا نحو «الدعم السريع»، بعد توقف حركة الطيران العسكري الإماراتي التي كانت تنطلق من بوصاصو في إقليم بونتلاند الصومالي إلى الكفرة، وكذلك توقف الرحلات العسكرية المباشرة من الإمارات إلى الكفرة، وهو ما يعكس تغيرًا نوعيًا في البيئة الإقليمية المحيطة بالملف.
كما يبدو أن السعودية ماضية في طريق خنق التمدد الاماراتي في المنطقة، فلم تكتف الرياض برفض وساطات خليجية لرأب الصدع مع أبوظبي، بل اتخذت قرارًا استراتيجيًا بكبح النفوذ الإماراتي إقليميًا، وهو ما يُرجّح امتداده إلى الساحة السودانية خلال وقت وجيز، وبالتالي ستشهد المنطقة تقوية للجيش السوداني وتنشيط فعلي لاتفاقية الدفاع المشترك يفضي لتأثير مباشر على الأرض.
مراجع
أحمد جمال، مصر تلوّح باتفاقية «الدفاع المشترك» للحفاظ على وحدة السودان، الشرق الأوسط،18 ديسمبر 2025 م، الرابط: https://shorturl.at/xdkgH
ضربة موجعة جديدة لقوات الدعم السريع بين مصر وليبيا، قناة آر تي الروسية، 12/1/2026 ، الرابط: https://shorturl.at/fmrXa
3 مراحل و8 بنود.. سير اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر، وكالة أنباء الأناضول، ١٩/١٢/٢٠٢٥
، الرابط: https://www.aa.com.tr





