إشكالية الوساطة في الصراع السوداني: إخفاقات “منبر جدة” وحدود دور “الرباعية”

عباس محمد صالح عباس

منذ اندلاع الصراع في السودان في 15 نيسان/أبريل 2023، تكاثرت المبادرات والآليات الإقليمية والدولية الهادفة إلى وقفه. غير أنّ هذه الجهود تعثّرت بفعل تضارب أجندات رعاتها أكثر مما تعثّرت بسبب تعقيدات الصراع الداخلي ذاته. كما أسهم تجاهل كثير من هذه المبادرات لطبيعة الحرب وسياقاتها السياسية والأمنية في تقويض فاعليتها، بما في ذلك آلية “الرباعية” التي تُعد أحدث تلك المسارات.

ومنذ طرحها، أثارت مبادرة “الرباعية” جدلًا واسعًا، في ظل استمرار عجزها عن إحداث اختراق ملموس، وتزامن ذلك مع رفض رسمي من الحكومة السودانية، ورفض شعبي متزايد داخل السودان وخارجه. وعلى الرغم من تعدد الاجتماعات والبيانات، ظل الخطاب متكررًا دون ترجمة عملية على الأرض.

شكّل حصار مدينة الفاشر لأكثر من عامين من الحصار الحانق ثم سقوطها في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2025 دليلًا صارخًا على الفشل الأخلاقي والسياسي لمسارات الوساطة والجهود الخارجية كافة. ويبرز عامل حاسم في هذا الإخفاق يتمثل في مشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن جهود الوساطة، رغم اعتبارها طرفًا رئيسيًا في تغذية الصراع وتداعياته، وهو ما قوّض فرص تحقيق أي تقدم حقيقي نحو وقف التصعيد أو إنهاء الحرب أو ايجاد الثقة الكافية للقبول بالوساطة والجهود المبذولة لحل الصراع.

أولًا: الاستجابة الإقليمية والدولية منذ اندلاع الصراع 

لم يكن اندلاع الصراع في السودان في 14 نيسان/أبريل حدثًا عابرًا؛ إذ يرتبط تاريخ البلاد الحديث بصراعات بنيوية بين المركز والأطراف، وبتمردات مسلحة متكررة منذ ما بعد الاستقلال. غير أن تمرد “الدعم السريع” شكّل حالة مختلفة نوعًا ودرجةً عن سابقيه؛ فالقوة المتمردة كانت جزءًا من المؤسسة العسكرية، وكان قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) يشغل موقع الرجل الثاني في الدولة والحاكم الفعلي، ما أضفى على التمرد طابعًا غير مسبوق.

تميّز هذا التمرد أيضًا بارتكازه على دعم إقليمي خارجي مباشر، وعلى رأسه دولة الإمارات العربية المتحدة، التي نجحت في حشد مواقف إقليمية داعمة لمشروع التمرد، لتتحول بعض الدول -بدرجات متفاوتة- إلى أطراف مناوئة للدولة السودانية وقواتها المسلحة، في سياق مشروع إقليمي واضح.

ورغم أن الحرب الحالية، شأنها شأن تمردات سابقة، قد تكون في بعض جوانبها نتاج اختلالات داخلية وتراكمات وفشل وطني، فإن التدخلات الخارجية – وخاصة الدور الإماراتي – دفعت الصراع نحو مسارات أشد تدميرًا.

ومع انشغال المجتمع الدولي بأزمات كبرى مثل أوكرانيا وغزة، اتسمت مواقف القوى الكبرى تجاه السودان بالتجاهل النسبي، مستندة إلى فرضيات غير دقيقة تشكلت بفعل سرديات مضللة روّجتها أبوظبي منذ بدايات الصراع. وعلى الرغم من تورطها، عملت الإمارات على توجيه مسارات التحركين الدولي والإقليمي، مستفيدة من ضعف الاستجابة الخارجية، وارتباك القيادة الانتقالية، وتفكك الجبهة الداخلية؛ ما قيّد فاعلية المنظمات الدولية والإقليمية، وأتاح في الوقت نفسه ترسيخ سرديتها حول طبيعة الصراع.

ثانيًا: صراع السرديات حول الصراع في السودان 

روّجت الجهة الرئيسية الداعمة لتمرد “الدعم السريع” – وفي مقدمتها دولة الإمارات- لسرديات توصّف الصراع بأنه “صراع جنرالين”، أو “حرب أهلية”، أو “نزاع داخلي على السلطة”، أو “محاولة من فلول النظام السابق للعودة إلى الحكم” بعد إسقاط حكمهم في نيسان/أبريل 2019، مع التركيز على نفوذ الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية، والعامل الإيراني، والقول بـ “لا حل عسكري للصراع”، وادعاء “حياد” القوى المدنية بين طرفي الصراع.

تنطلق هذه السرديات المضللة من مصدر واحد هو الآلة الدعائية المرتبطة بأبوظبي، وتهدف أساسًا إلى إضعاف القوات المسلحة، وتفكيكها، ونزع الشرعية عن حكومة الأمر الواقع (ومجلس السيادة الانتقالي)، عبر الترويج لفكرة غياب الشرعية عن جميع الأطراف في السودان.

وبفعل النفوذ المالي وشبكات اللوبيات، جرى توظيف منظومة واسعة من مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الدولية لتعميم هذه السرديات، حتى باتت مهيمنة على قطاعات معتبرة من المواقف الإقليمية والدولية. ولم يقتصر الترويج عليها على الإمارات وحدها، بل أُنيطت مهمة إعادة إنتاجها أيضًا بمجموعات مدنية جرى تسويقها خارجيًا بوصفها “قوى مدنية ديمقراطية” في مواجهة “العسكر والإسلاميين”، بهدف حشد الدعم الدولي لمسار سياسي بدأ عقب إسقاط البشير، ثم تشكّل في إطار تسوية 2019، وانتهى فعليًا بانقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021.

ومع تعثر المرحلة الانتقالية الثانية التي انطلقت بالاتفاق الإطاري في كانون الأول/ديسمبر 2022، ثم تمرد الدعم السريع واندلاع الحرب في 15 نيسان/أبريل 2023، انهارت العملية الانتقالية بالكامل، وبرز انقسام سياسي حاد بين كتلتين: كتلة داعمة للقوات المسلحة، وأخرى داعمة أو متحالفة مع التمرد. وامتد هذا الانقسام إلى الخارج بين دعم خجول للدولة ومؤسساتها، ودعم أو تواطؤ مع التمرد وظهيره السياسي (المجموعات “المدنية” بمختلف مسمياتها).

في هذا السياق، جرى تجاهل الدور الخارجي-وخاصة دولة الإمارات- بوصفه المحرك الأساسي للتمرد وراعيه السياسي، مقابل تصوير الصراع على أنه نزاع داخلي محض. وفي المقابل، سعت القوات المسلحة والكتلة الوطنية الداعمة لها إلى ترسيخ سردية مغايرة ترى أن ما يجري تمرد مسلح مدعوم إقليميًا يرقى إلى عدوان خارجي، وأن البلاد تخوض “معركة وجود”، وأن أي تسوية يجب أن تنطلق من هذا التشخيص.

غير أن هذه السردية الوطنية جرى تهميشها وإسكاتها لأسباب متعددة، أبرزها خضوع القيادة الانتقالية نفسها لتأثيرات التسوية التي أعقبت 2019، وما رافقها من نفوذ خارجي طال مختلف أطراف المشهد، بما في ذلك القوى المدنية والمتمردون. كما تعرّضت الكتلة الوطنية- رغم تباين مكوناتها قبل الحرب- لضغوط وتشويه وابتزاز ممنهج، بهدف إضعافها وتقويض التفافها حول القوات المسلحة في سياق “حرب الكرامة”.

ثالثاً: المبادرات الإقليمية والدولية إزاء الصراع في السودان

لم يكن تعثر جهود التسوية في السودان ناتجاً فقط عن تضارب مواقف أطراف الصراع أو صعوبة جمعهم على طاولة تفاوض واحدة، بل يعود أساساً إلى تداخل وتنافس مسارات الوساطة نفسها، وتناقض آلياتها، فضلاً عن انخراط أطراف إقليمية في دعم التمرد، في الوقت الذي سعت فيه إلى تقديم نفسها كوسطاء أو شركاء في الحل السياسي.

أ. منبر جدة

شكّل ما عُرف لاحقاً بـ”منبر جدة” أول مبادرة إقليمية لمعالجة الصراع، حيث انطلق في 6 أيار/مايو 2023 بوساطة سعودية-أمريكية، بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب، بهدف جمع طرفي النزاع للتوصل إلى تهدئة إنسانية والحد من تداعيات الصراع على المدنيين.

ورغم الزخم الدولي المصاحب للمنبر، فإن فعاليته تعرضت للتقويض، في ظل عمل أبو ظبي منذ البداية على عرقلته، باعتباره مبادرة تقودها الرياض، وبحسابات مرتبطة بتقديراتها الميدانية حول موازين القوة لمصلحة قوات الدعم السريع آنذاك.

تمخض المنبر عن توقيع “إعلان جدة للالتزام بحماية المدنيين” في 11 أيار/مايو 2023، ثم “اتفاق وقف إطلاق النار قصير الأمد والترتيبات الإنسانية” في 20 أيار/مايو 2023، وهي المخرجات التي ظلت تشكل المرجعية الاسمية لكافة الجهود اللاحقة، رغم بقائها دون تنفيذ فعلي.

ويُعزى فشل منبر جدة إلى جملة من العوامل، أبرزها: انطلاقه من توصيف قاصر للصراع باعتباره شأناً داخلياً، وغياب الإرادة لدى المتمردين للالتزام بمخرجاته، وتركيز الأطراف الخارجية الداعمة لهم على تحقيق مكاسب ميدانية، إضافة إلى الضغوط غير المتوازنة التي مورست على الحكومة السودانية للقبول بتسويات تتجاهل جذور الصراع.

ب. آلية دول جوار السودان

لم تُبدِ دول الجوار السوداني مواقف متقاربة إزاء الصراع، رغم التحذيرات المتكررة من تداعياته الإقليمية. وجاءت مبادرة دول الجوار عقب قمة القاهرة في 13 تموز/يوليو 2023، بمشاركة مصر ودول الجوار المباشر، إلى جانب الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، حيث أُعلن عن إنشاء آلية وزارية لمتابعة مخرجات القمة.

غير أن هذه الآلية سرعان ما فقدت زخمها، نتيجة تباين المواقف وتواطؤ بعض دول الجوار، فضلاً عن توظيف أبو ظبي لها بشكل عكسي، عبر إفراغها من مضمونها وتحويل بعض دول الجوار إلى ممرات لوجستية لدعم التمرد، بدلاً من الإسهام في وقف الحرب.

وفشلت الآلية بسبب غياب رؤية موحدة لطبيعة الصراع، وخضوع بعض أطرافها لضغوط وإغراءات خارجية، وضعف حماس المنظمات الإقليمية لدعمها، إلى جانب الدور التخريبي الذي مارسته أبو ظبي لإطالة أمد النزاع.

ج. تحالف “متحالفون من أجل إنقاذ الأرواح والسلام في السودان”

مع تصاعد الضغوط الدولية لوقف الحرب، وتزايد التقارير حول الانتهاكات الجسيمة وتورط أطراف إقليمية في دعم المليشيا، برز اتجاه لتأسيس مسار إنساني بديل، في ظل تعثر التسوية الشاملة.

في هذا السياق، تشكّل “تحالف إنقاذ الأرواح والسلام في السودان” ((ALPS، بمشاركة  أعضاء “المجموعة الرباعية” (الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية) والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وسويسرا، التي استضافت بين آب/أغسطس 2024 و2025 مسار جنيف الإنساني، والذي ركز على فتح ممرات آمنة للإغاثة، لا سيما في دارفور.

ورغم الأهداف المعلنة للتحالف، فإن طبيعته التنسيقية، وارتباطه العملي بأجندة أبو ظبي، أفقدته المصداقية، خاصة مع استمرار انخراط الإمارات كطرف متورط في الصراع و”وسيط” في آن واحد. كما فشل التحالف في تحقيق اختراق حقيقي، في ظل رفض الحكومة السودانية المشاركة فيه، وغياب مقاربة جادة تعالج جذور النزاع.

 د. بروز “المجموعة الرباعية”

في أيلول/سبتمبر 2025، كثفت أبو ظبي تحركاتها الدبلوماسية لدعم بيان الرباعية، في محاولة لإعادة تموضعها كوسيط دولي، وتخفيف الضغوط المتزايدة عليها بسبب اتهامات دعم التمرد.

ورغم الطابع العام لمبادئ البيان، فإنه عكس بوضوح أجندة أبو ظبي، عبر ترويج سرديات محددة حول مستقبل الحكم في السودان، وإعادة إنتاج مقاربات تستهدف إقصاء قيادة القوات المسلحة، وتعظيم فرص حلفائها السياسيين، مع تجاهل واقع استمرار الدعم العسكري الخارجي للمليشيا.

وعلى الصعيد العسكري، تضمن البيان مقترحات لهدنة إنسانية وانتقال سياسي سريع، انسجمت مع استراتيجية إمارتية تهدف إلى تجميد خطوط القتال، وإعادة ترتيب صفوف المتمردين، ومنع القوات المسلحة من تحقيق حسم ميداني.

تحولت الأزمة الإنسانية إلى أداة ضغط في الصراع، حيث استُخدمت الدعوات لوقف إطلاق النار والهدن الإنسانية لتثبيت مكاسب ميدانية للمليشيا، وإعادة تسليحها، وفرض معادلات تفاوضية مختلة. كما وُظفت الهدنة كأداة سياسية وإعلامية لإدانة الحكومة، سواء قبلت بها أو رفضتها، وتحميلها كلفة إنسانية وأخلاقية لاستمرار الصراع.

 هـ. الآلية التشاورية لتعزيز تنسيق جهود السلام في السودان

في ظل الدعوات لتوحيد مسارات الوساطة، أُنشئت “الآلية التشاورية لتعزيز تنسيق جهود السلام في السودان” لتكون بـ “قيادة إفريقية”، وبمشاركة إيغاد والأمم المتحدة وشركاء دوليين. وعقدت عدة اجتماعات بين 2024 و2026، دون أن تحقق اختراقاً ملموساً.

فعملياً، أعادت هذه الآلية إنتاج إخفاقات المبادرات السابقة، وأسهمت -بشكل مباشر أو غير مباشر- في شرعنة دور أبو ظبي داخل مسارات الوساطة، رغم تصاعد الأدلة على تورطها في دعم التمرد، الأمر الذي أدى إلى استمرار تضارب الجهود وإطالة أمد الصراع.

خاتمة

يمكن القول إن الصراع في السودان منذ نيسان/أبريل 2023، وما صاحبه من تمرد لقوات الدعم السريع بدعم خارجي، قد كشف بوضوح محدودية وهشاشة الآليات الإقليمية والدولية، وضعف إدراكها لطبيعة الصراع في السودان، وعجزها عن بلورة مقاربات ناجعة للتعامل معها.

كما يعود فشل معظم المبادرات والجهود إلى افتقارها للحياد، وتجاهلها تحديد الفاعلين الخارجيين الذين يؤججون الصراع عبر توظيف أطراف محلية، على غرار الدور الذي اضطلعت به دولة الإمارات العربية المتحدة في دعم قوات الدعم السريع، وتجنيد بعض دول الجوار للمساهمة في إدامة التمرد، بما أدى إلى تفاقم الأزمات الإنسانية على مدى أكثر من ثلاث سنوات.

ورغم ذلك، تعامل المجتمعان الدولي والإقليمي مع هذا الدور بدرجة مقلقة من التواطؤ أو التغاضي، الأمر الذي أسهم في تعقيد الأزمة وتعميق تداعياتها، وأضعف فرص التوصل إلى تسوية عادلة ومستدامة للصراع في السودان.

كاتب

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى