السياسات العامةتقدير موقف

زيارة البرهان لتركيا.. قراءة في الأبعاد الأمنية والعسكرية

زيارة البرهان لتركيا.. قراءة في الأبعاد الأمنية والعسكرية

عكست المراسم الرسمية والحفاوة التي استقبل بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان في المجمع الرئاسي بأنقرة، أخيرا، عمق التحول في العلاقات التركية السودانية. وجاءت الزيارة في توقيت حساس، لترسل رسالة واضحة مفادها أن تركيا تضع ثقلها السياسي والعسكري لدعم الحكومة السودانية، مدفوعة برغبتها في تعزيز نفوذها في شرق أفريقيا والبحر الأحمر.

السودان في الحسابات التركية

هناك  ثمة دوافع وحسابات تركية مختلفة، تجعل تركيا مصممة على التوجه نحو السودان.. لعل من أهمها:

  • الموقع الجيواستراتيجي الذي يتمتع به السودان؛ فالسودان يتمتع بموقع فريد بين شمال وشرق أفريقيا، ويطل على البحر الأحمر الذي يمثل شريانا حيويا للتجارة العالمية. هذا الموقع يمنح السودان أهمية خاصة في الحسابات التركية، التي تنظر إلى البحر الأحمر كمنطقة تنافس كبرى، ليس فقط مع القوى الإقليمية، مثل مصر والسعودية والإمارات، بل أيضا مع القوى الدولية مثل روسيا والصين والولايات المتحدة.
  • الثروات الطبيعية والاستثمارات؛ فالسودان بلد غني بالذهب والمعادن والنفط والموارد الزراعية. وكما يبدو.. تطمح تركيا إلى الدخول بقوة في هذه القطاعات، عبر استثمارات وشراكات تُمنح لشركاتها، وخاصة في ظل حاجة السودان إلى شراكات اقتصادية لدعم اقتصاده
  • النفوذ التاريخي والديني؛ إذ تلعب العاطفة العثمانية دورا في السياسة التركية تجاه السودان، فتركيا ترى في السودان جزءا من امتدادها التاريخي، وتحاول استعادة هذا النفوذ من خلال البُعد الديني والثقافي، لا سيما في المناطق الشرقية، مثل مشروع إعادة تأهيل جزيرة سواكن،
  • الاستثمارات والتغلغل الثقافي؛ إذ تمتلك تركيا واحدة من أكثر الشركات نشاطا في مجال البناء والتعدين بأفريقيا، وتسعى للحصول على امتيازات في استخراج الذهب بالسودان، بالإضافة إلى مشاريع زراعية تستفيد من خصوبة الأراضي السودانية ومياه النيل.

وتسعى الشركات التركية للحصول على امتيازات تنقيب عن الذهب والمعادن، واستثمار الأراضي الزراعية الشاسعة في السودان لتأمين احتياجات الأمن الغذائي التركي، مما يخلق ترابطاً عضوياً بين اقتصاد البلدين، وسبق أن تفاهم السودان وتركيا على تقديم عرض الاحتياجات المختلفة للسكة حديد السودانية والاتفاق على بناء القدرات لمنسوبي سكك حديد السودان بالتدريب في مختلف المجالات، وهو ما يحتاج لنفض الغبار عنه في زيارة البرهان، بجانب مشروع خط بورتسودان داكار الذي ترعاه منظمة التعاون الإسلامي.

يلاحظ أن مسيرة العلاقات بين السودان وتركيا شهدت تطوراً ملحوظاً عكس ذلك وفد البرهان الذي ضم كلاً من وكيل وزارة الخارجية السفير معاوية عثمان خالد، ومدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل ومدير عام منظومة الصناعات الدفاعية الفريق أول ميرغني إدريس، مما يعني أن إشرافا ورعاية مباشرة للأمر من قيادتي البلدين لقضايا التعاون الثنائي، والتنسيق المحكم بين اللجان الوزارية المشتركة في البلدين، حيث جدد أردوغان على رغبة بلاده في تعزيز التعاون مع السودان في العديد من المجالات خاصة التجارة والزراعة والصناعات الدفاعية والتعدين،

وكان أردوغان قد وقع في زيارته للسودان في ديسمبر 2017 في أول زيارة لرئيس تركي للسودان منذ استقلاله 22 اتفاقية بين الخرطوم وأنقرة، من بينها اتفاق لتأسيس بنك مشترك، واتفاقيات للتعاون في مجالات الزراعة والنفط والصناعة والطاقة والتعليم والصحة، فضلا عن اتفاق لإنشاء مجلس للتعاون الإستراتيجي بين البلدين، ووقع رجال اعمال من البلدين تسعة اتفاقات لاقامة مشاريع زراعية وصناعية اضافة الى بناء مطار في العاصمة السودانية، حيث كان حجم التجارة بين البلدين آنذاك 500 مليون دولار، ويعتزمان رفعه ليصل إلى مليار دولار سنويًا، تمهيدا للوصول إلى 10 مليارات دولار مستقبلا.

ورافق الرئيس التركي في تلك الزيارة وفد اقتصادي ضم نحو 200 من رجال الأعمال، وتبلغ الاستثمارات التركية في السودان نحو 650 مليون دولار، وتعمل في البلاد أكثر من 200 شركة تركية في مجالات الإنشاءات والخدمات والعقارات، منها شركة “بترول تركيا” الحكومية، التي وقعت اتفاقية مع ووزارة النفط السودانية لتطوير الحقول، بهدف فتح الطريق أمام الاستثمارات التركية في السودان، بجانب اتفاق المديرية العامة للإدارات الزراعية التابعة لوزارة الزراعة والغابات التركية، ووزارة الزراعة والغابات السودانية الذي ينصّ على تحديد إحداثيات الأراضي الزراعية التي ستخصّص لتركيا، وتسهيل عبور المعدّات والأجهزة الزراعية التركية من الجمارك، ليبدأ بعدها رجال الأعمال الأتراك باستثماراتهم في السودان، وقال وزير الزراعة والغابات التركي إنّ المرحلة الأولى من الاتفاق الأول، ستشهد تدفّق استثمارات تركية إلى السودان تصل قيمتها إلى 100 مليون دولار أميركي، مؤكداً أنّ بلاده تسلّمت إحداثيات أراضٍ زراعية تبلغ مساحتها 780 ألفاً و500 هكتار، تسهم في توفير الأمن الغذائي لتركيا والسودان وبلدان أخرى.

سواكن وتحريك (ساكن) العلاقات

يتوقع أن تكون الزيارة قد وضعت النقاط على الحروف في عدد من الملفات السودانية التركية المعلقة منذ زمن، حيث كان البلدان قد وقعا اتفاقات للتعاون العسكري والأمني، بينها إنشاء مرسى لصيانة السفن المدنية والعسكرية بميناء عثمان دقنة بسواكن، بجانب إتفاقية جزيرة سواكن السياحية الأثرية التي تحصلت تركيا على حق إدارتها وتطويرها، وأعلن “أردوغان” آنذاك عزمه إنشاء فندق ضخم بالجزيرة، يضم 300 غرفة، حيث طرح أردوغان إعادة إعمار وترميم جزيرة سواكن على نحو يناسب شكلها الأصلي، خلال فترة محددة.

وكان أردوغان قد زار برفقة نظيره السوداني سواكن حيث تنفذ وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” مشروعا لترميم الآثار العثمانية، وتفقد الرئيسان خلالها مبنى الجمارك والمسجدين الحنفي والشافعي التاريخيين في الجزيرة، وقال أردوغان “الاتراك الذين يريدون الذهاب للعمرة في السعودية سيأتون الي سواكن ومنها يذهبون الي العمرة في سياحة مبرمجة، حيث تضم الجزيرة آثارا من عهد السلطنة العثمانية، حيث كانت سواكن مقر الحاكم العثماني لجنوب البحر الاحمر.

وقد تم تخصيص منطقة جزيرة سواكن التاريخية، للاستثمار السياحي، وهي خارج ميناء سواكن الحالي ” ميناء عثمان دقنة”، وهي منطقة حافة بالآثار التركية، وكان السودان يرغب في التعاون مع الجانب التركي لتأهيل المنطقة على سبيل الاستثمار لتكون للسياحة ولزيارة الحجاج الأتراك، وأعلن أردوغان وقتها أن السودان وافق على أن تتولى تركيا لفترة محددة إعادة إعمار وترميم جزيرة سواكن التي تكتسي أهمية رمزية وتاريخية كبرى ، فعندما كانت الدولة العثمانية التركية تحكم هذه المنطقة، كانت سواكن تتبع مباشرة للخليفة العثماني في الاستانة وليس للحاكم في السودان أو مصر.

ويعتبر ميناء سواكن هو الأقدم في السودان وما زال يستخدم لنقل المسافرين والحجاج والبضائع وصادر الثروة الحيوانية الى ميناء جدة في السعودية، وهو الميناء الثاني للسودان بعد بورسودان .

الأمن والدفاع في ثنايا الزيارة

تمثل زيارة البرهان لأنقرة تدشيناً لمرحلة “الشراكة الكاملة”؛ فتركيا لم تعد تكتفي بدور الوسيط الإنساني، بل تتحرك كلاعب استراتيجي يستخدم ثقله العسكري والاقتصادي لضمان بقاء الدولة السودانية تحت قيادة الجيش، مقابل تأمين مصالحها الحيوية في عمق القارة الأفريقية وعلى ضفاف البحر الأحمر، وكانت العلاقات العسكرية والتدريب الأمني من المهام التي نوقشت في الزيارة؛  فمنذ سنوات وقّعت تركيا والسودان اتفاقيات تعاون عسكري تشمل التدريب وتبادل الخبرات، وتشير بعض التقارير إلى استمرار التنسيق غير المعلن بين أنقرة والجيش السوداني، وهو ما قد يتوسع مستقبلا إذا نجحت تركيا في تثبيت علاقات مؤسسية مع قيادة الجيش.

أشار الرئيس أردوغان خلال مباحثاته مع البرهان بوضوح إلى تعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية بين البلدين، حيث يمثل هذا الملف حجر الزاوية في الدعم التركي للجيش السوداني، كشريك عسكري موثوق به عبر تكنولوجيا المسيرات، الذي تؤكد التقارير أن المسيرات التركية مثل البيرقدار أكينجي وغيرها قد لعبت دوراً محورياً في تغيير موازين القوى في كثير من جبهات القتال السودانية، وهو ما تعززه أنقرة كجزء من دبلوماسيتها الدفاعية، وتوفر تركيا منصة للتدريب وتطوير الكفاءات، مما يجعل الجيش السوداني مرتبطاً تقنياً وفنياً بالمنظومة العسكرية التركية على المدى الطويل.

يتوقع أن تسهم زيارة البرهان في مواصلة تطوير العلاقات في مجال الصناعات الدفاعية، وعقد المزيد من التفاهمات لشراء السودان مزيدا من الطائرات المسيرة التركية التي يمتلك الجيش السوداني مجموعة منها، والتوسع في التدريب على استخدامها، وتدريب قوات للمهام الخاصة، وتطوير الصناعات الدفاعية السودانية التي حققت اكتفاء في الأجهزة والمعدات والأسلحة الثقيلة، وتم التصدير منها إلى دول أفريقية وعربية، وتطوير المسيّرات السودانية من طراز “زاجل” التي تصنّع محليا، حيث يمتلك السودان أنواع مختلفة من المسيرات التي تم تطويرها محليا مثل مسيرة سفروق، والصبرة، بجانب نوعان من الطائرات المسيرة إيرانية الصنع وهي (قدس أبابيل) و(قدس مهاجر)، تم تطوير بعضها لتصبح تحت مسمى (أبابيل-3)، والتي تُعرف في السودان بمسمى (زاجل-3) وهي تصنع محلياً في مجمع الصافات بمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية.

الزيارة أكدت نظرة أنقرة إلى السودان باعتباره الدولة صاحبة القوة المؤثرة في استراتيجية تركيا للتوغل في القارّة السمراء، حيث يمتلك البلد ساحلاً استراتيجياً على البحر الأحمر، وتسعى تركيا إلى إعادة إحياء التفاهمات القديمة، وتطوير شراكات بحرية جديدة تمنحها موطئ قدم حيوياً ينافس القوى الإقليمية والدولية الأخرى في أحد أهم ممرات التجارة العالمية، وتعزيز الوجود الإقليمي لتركيا، حيث شهدت الخرطوم قبل سنوات تفاهمات- لم يكشف عنها- بين رئيس أركان الجيش التركي الجنرال “خلوصي أكار” مع نظيريه السوداني الفريق أول ركن “عماد الدين مصطفى عدوي”، والقطري الفريق “غانم بن شاهين الغانم” الذي زار الخرطوم في تلك الفترة.

خاتمة

يمكن القول أن زيارة البرهان لتركيا تمثل نقلة جديدة للعلاقات السودانية التركية، وتدشين لمرحلة الشراكة الكاملة، والحليف الاستراتيجي الذي يستخدم ثقله العسكري والاقتصادي لضمان بقاء الدولة السودانية تحت قيادة الجيش، مقابل تأمين مصالحها الحيوية في عمق القارة الأفريقية، حيث أفلحت الزيارة في تطبيق مزيد من اتفاقات التعاون العسكري والأمني بين البلدين، وتسريع جهود انشاء مرسى لصيانة السفن المدنية والعسكرية، والتفاهم السوداني التركي لإحياء مجلس التعاون الإستراتيجي المشترك، والتعاون الأمني وتبادل المعلومات والخبرات، والتنسيق في ملفات عدة.

من المؤكد أن الزيارة جددت اهتمام تركيا بأمن البحر الاحمر الذي يقرأ في اطار بحثها عن نفوذ اقليمي ودولي وتوجيه رسالة سياسية لدول الخليج بانها موجودة في الساحل الغربي للبحر الاحمر، والبدء في تطبيق اتفاق التعاون العسكري مع السودان وربطه بالاهتمام بأمن البحر الاحمر، ما يعكس بحث تركيا عن نفوذ لها في هذه المنطقة المهمة من العالم ولتأكيد لدورها في منطقة الشرق الاوسط وفي اطار التنافس بين مختلف الدول التي تسعى الآن لانشاء قواعد لها في المنطقة.

مراجع

زيارة البرهان لأنقرة تفتح الباب لنفوذ تركي أوسع في السودان، ميدل إيست أون لاين،  2025/12/25، الرابط: https://shorturl.at/qeZfc

منى سليمان، دوافع جولة “أردوغان” الإفريقية وتأثيراتها في الأمن القومي العربي، مجلة السياسة الدولية ، 6-1-2018، الرابط: https://www.siyassa.org.eg/News/15467.aspx

حسين معلوم، التوجهات التركية نحو السودان.. الدوافع والتداعيات، أصوات أونلاين، 22 أبريل 2025، الرابط: https://shorturl.at/rhsd6

النور أحمد النور، اتفاقات عسكرية واقتصادية وإعادة إعمار.. الجزيرة نت تكشف تفاصيل لقاء البرهان وأردوغان، الجزيرة نت،14/9/2023، الرابط: https://shorturl.at/NebYP

كاتب

  • محمد خليفة صديق

    محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

محمد خليفة صديق

محمد خليفة صديق، أستاذ العلوم السياسية وباحث بمركز الدراسات الإفريقية

أخبار ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى